شباب الجنوب جرّاء الحرب قلق مستمرّ وأحلام تبخّرت

لا تشبه الحرب التي ما زلنا نعيش تداعياتها وسنعيشها طويلًا، أيًّا من الحروب الإسرائيليّة السابقة التي مرّت على جنوب لبنان، سواء من حيث مستوى الخسائر البشريّة والمادّيّة، أو من حيث مدّة الحرب وما نتج من عودة الاحتلال ليجثم مجدّدًا على صدر جزء عزيز من تراب الجنوب، ووصوله حتّى مشارف النبطيّة. وعلى الرغم من هول الخسائر وفداحتها، فثمّة خسارات من نوع آخر تبدو أكثر قسوة ومرارة من أيّ شيء حصل، وهي استحالة العودة في المدى المنظور.

من بين الخسائر الكارثيّة التي شهدها الجنوب، تبدو فئة الشباب الأكثر تأثّرًا بهذه التحوّلات على المستويات جميعها. إذ فرضت عليهم الحرب عزلة قسريّة، وانتزعت منهم الأمان بفعل النزوح المتكرّر، ووضعت أحلامهم قيد التأجيل المستمرّ.

ما يعيشه شباب الجنوب اليوم يتجاوز الأرقام والإحصاءات الميدانيّة، لينفذ إلى عمق حاضرهم، بعد أن قذفتهم الحرب الطاحنة إلى مصير مجهول يعيدون من خلاله ترتيب أنفسهم بصعوبّة، في وقت لم تعد فيه الحرب محنة موقّتة.

فقد المستقبل معناه

تبرز تجربة الشاب الجنوبيّ يعقوب جوني (25 عامًا)، من بلدة رومين (إقليم التفّاح) في قضاء النبطيّة، كواحدة من بين نماذج كثيرة أثّرت الحرب في مسارها ومستقبلها. كان جوني يمارس مهنته كممرّض في أحد المستشفيات. قبل توسُّع الحرب في الـ23 من أيلول (سبتمبر) 2024، سعى جوني جاهدًا لتأمين ضمان صحّيّ من خلال عمله لوالديه اللذين يعملان في الزراعة. إلّا أنّ استشهاد عائلته (أمّه، وأبوه، وشقيقته الصغيرة) بغارة إسرائيليّة أدخله في عزلة شعوريّة تامّة، أفقدته معنى الحياة وقيمتها.

يقول جوني لـ“مناطق نت”: “شعرت في تلك اللحظة أنّ كلّ شيء فقد قيمته؛ تركت عملي في المستشفى، بعد أن خسرت كلّ ما أملك في هذه الحياة”.

طوال 15 شهرًا، أيّ الفترة الزمنيّة الفاصلة بين توسُّع الحربين الأولى في الـ23 من أيلول 2024 والثانية خلال الثاني من آذار (مارس) 2026، لم تتوقّف الاعتداءات. شهدت القرى تدميرًا كبيرًا للمنازل وقتلًا للمدنيّين، إلى جانب شلل تامّ في الدورة الاقتصاديّة في الجنوب.

توقّفت الحرب عند حدود مدينة صيدا، بينما ظلّت المناطق الواقعة قبلها عرضة للقصف المتقطّع. لم يملك جوني ترف الوقت ليمارس فعل الحداد على عائلته، أو كي يستوعب الفاجعة التي تعرّض لها: “لم أتأثّر باندلاع الحرب الثانية، لأنّني فقدت كلّ شيء في الحرب الأولى، ولم يتبقَّ ما أخشى خسارته”.

أحلام تبخّرت

بقي جوني في بلدته طوال فترة الحرب الثانية نتيجة الاحتكار والاستغلال الماليّ، المتمثّلَين بالدرجة الأولى في الارتفاع الكبير لإيجارات الشقق البديلة، التي لا يصلح كثير منها حتّى للحيوانات كما يقول جوني، ويردف “كنت أُغادر البلدة عند سماع خبر الإخلاء، أنزح ليوم واحد، ثمّ أعود في اليوم التالي مباشرة”. يوقن جوني أنّ الأمور لن تعود إلى سابق عهدها، وأنّ خططه المستقبليّة والأحلام التي تمنّاها تبخّرت بالكامل.

“عجزنا تمامًا عن التخطيط لحياتنا، وشعرنا بأنّنا عدنا إلى الوراء كثيرًا، فالواقع لا يزال قابعًا تحت وطأة الصعاب، وأهل الجنوب ما زالوا نازحين إلى أجل غير محدّد”. يصف جوني واقع أهل الجنوب بالخوف المستمرّ وعدم القدرة على الاستقرار في منازلهم بسبب التهديد الدائم.

اليوم، يعيش جوني قلقًا مستمرًا، يتجسّد في التفكير الدائم في ما إذا كان سيستيقظ في اليوم التالي. فقدت حياته جوهرها، وتحوّلت إلى روتين رتيب، فتمرّ الأيّام ببطء شديد وتشابه مملّ، دون أيّ أمل في التغيير. “الحياة كئيبة. يقولون إنّ الوقت كافٍ لنسيان كلّ شيء، ولكن هذا خطأ، الوقت يذكّر أكثر. لم يعد بإمكاننا لملمة أنفسنا. لا تحرق النار إلّا صاحبها، ولا شيء يمكن أن ينسينا النكبة التي حلّت بنا”.

الدمار لم يقتصر على الحجر بل دمّر أحلام الشباب (تصوير رنا جوني)
نزوح متكرّر واستقرار مستحيل

ما يعيشه جوني من لوعة الفقد واليأس يمتدّ ليشمل آخرين. وتتّخذ المعاناة شكلًا مغايرًا لدى المعالج الفيزيائيّ علاء فنيش (27 عامًا) من بلدة معروب في قضاء صور.

فنيش كان يعيش حياة بسيطة، وبالحدّ الأدنى لأيّ شاب يعيش في بلد متخبّط كلبنان. كان روتينه اليوميّ الذي صمّمه يشعره بنوع من الاستقرار والأمان. يروي فنيش لـ“مناطق نت”: “اتّبعت روتينًا يوميًّا على مدّة طويلة. أستيقظ صباحًا، أذهب إلى النادي الرياضيّ، ثمّ أذهب إلى العمل. كنت أحلم بفتح عيادتي الخاصّة في المستقبل. كانت حياتي لا بأس بها، تشبه حياة أيّ شاب طبيعي يعيش في لبنان”.

لكن، مع توسُّع الحرب في الـ23 من أيلول 2024، فقد فنيش هذا الاستقرار تدريجًا بعد نزوح عائلته إلى بيروت لمدّة 66 يومًا. واجه فنيش وعائلته صعوبات النزوح اليوميّ، وعقب إعلان اتّفاق وقف إطلاق النار الأوّل في الـ27 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، عاد فنيش وعائلته إلى معروب، محاولًا استئناف عمله وحياته.

يقول فنيش: “عشنا حالة قلق وخوف مستمرّين خلال 15 شهرًا قبل اندلاع الحرب مرّة أخرى، لكنّني حاولت بناء روتيني من جديد وتحقيق جزء بسيط من الاستقرار المفقود”.

الحرب تعود أشدّ قسوة

لكنّ الحرب اندلعت مرّة ثانية، وأشدّ قسوة من السابق. وبسبب القصف الهستيريّ العنيف، اضطرّ فنيش إلى النزوح مع عائلته من جديد، حيث استأجروا غرفة واحدة لثمانية أشخاص في بلدة المعيصرة في كسروان، ثمّ انتقلوا لاحقًا إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة فور إعلان الهدنة يوم الـ 17 من نيسان (أبريل) الماضي.

لم يتمكّن فنيش هذه المرّة من العودة إلى بلدته معروب، بسبب حجم الدمار الكبير في منزله وعدم توافر القدرة المادّيّة لترميمه “لم يعد لديّ أيّ أمل في المستقبل. كيف يمكن أن نواجه المستقبل بعد هذه الكوارث؟ أفكّر بأنّني لو قرّرت فتح عيادة، فما الذي يضمن لي أنّ الحياة ستسير بشكل طبيعيّ؟”.

يواجه فنيش حالًا من الإحباط الشديد في ظلّ صعوبات كبيرة يعاني منها. حتّى اليوم، لم يجد فرصة عمل في مجال تخصّصه الطبّيّ في بيروت، كذلك فإنّه يعيش في حال تشتّت تامّة، يقول: “نعيش بضياع، فقدت شغفي في الحياة. تنتزع إسرائيل أراضينا وحياتنا أمام أعين الناس، ويتمّ التعامل معنا اليوم على أنّنا حشرات ولسنا بشرًا”.

أسئلة النجاة والمصير

تمتدّ هذه الحال إلى تفاصيل النزوح القاسية ولحظات الإخلاء المرعبة. يروي الشاب الجنوبيّ علي أبو حمد (29 عامًا)، المقيم في الضاحية الجنوبيّة، تفاصيل الصعوبات النفسيّة والعمليّة التي واجهها مع عائلته منذ اندلاع الحرب الأولى.

ساهم اندلاع الحرب في مضاعفة وضعه الاقتصاديّ الصعب في ظلّ النزوح وارتفاع كلف العيش. يقول أبو حمد لـ“مناطق نت”: “لم أكن أحيا حياة كريمة بسبب انهيار البلد اقتصاديًّا، لكنّ الحرب كانت صعبة لأنّها قلبت الموازين النفسيّة برمّتها، وأشعرتني بأنّني في حال طوارئ دائمة، الأمر الذي استنزفني نفسيًّا بالفعل”.

من أصعب المواقف التي اختبرها أبو حمد في الحرب هي تلك المتعلّقة بإخلاء المنزل والخروج القياسيّ تحت الخطر للنجاة إلى مصير أشدّ صعوبة من الموت “عند الإخلاء كان يداهمني سؤال واحد: ما الذي يمكن حمله من البيت ربّما نحتاجه في أيّام النزوح المقبلة؟ أعجز وألملم أشياء بسيطة لأنّ همّي يكون النجاة جسديًّا. وفي طريق النزوح أبدأ التفكير في التفاصيل الأخرى: أين سنعيش؟ هل سنعود؟ كم ستطول الحرب؟”.

الأزمات الاقتصاديّة المتواصلة منذ سنوات في لبنان أثّرت بشكل سلبي كبير في جيل الشباب، حتّى مجيء الحرب الأخيرة لتقضي على أيّ أمل متبقٍّ لديهم.

ننجو من الحرب ونخسر حياتنا

أثّرت هذه الظروف في حياة أبو حمد الشخصيّة والاجتماعيّة. فبعد انتهاء الحرب الأولى، بدأ علي يعي حجم الضغوط المعيشيّة بوتيرة أشدّ، نتيجة النزوح وزيادة الخلافات بينه وبين خطيبته، التي أفضت إلى الانفصال: “أنشأت الحرب بيننا علاقة جفاء وشوق في آن معًا بسبب النزوح، وكانت العامل الأساس الذي عجّل موضوع الانفصال”.

يرى أبو حمد أنّ الأزمات الاقتصاديّة المتواصلة منذ سنوات في لبنان أثّرت بشكل سلبي كبير في جيل الشباب، حتّى مجيء الحرب ألأخيرة لتقضي على أيّ أمل متبقٍّ لديهم. “تدمّر جيلنا بسبب الحروب المتتالية والأزمات الاقتصاديّة، وجاءت هذه الحرب لتقضي على ما تبقّى منّا؛ لم نعد نعرف سوى الموت، وأصبح مصيرنا المحتوم يتلخّص في احتمالّية موتنا بغارة إسرائيليّة في أيّ لحظة”.

يلخّص أبو حمد جزءًا من المعاناة النفسيّة والتفاصيل المعيشيّة الصعبة التي يعايشها شباب الجنوب اللبنانيّ. وعلى رغم الضغوط التي تفوق قدرة الفرد على الاستيعاب، يجد نفسه مجبرًا على مواصلة العمل والمقاومة اليوميّة من أجل تأمين البديهيّات.

ويختم أبو حمد حديثه لـ مناطق نت”: “أشعر بأنّني مجرد ‘صفر‘ في هذا البلد، والمعيشة باتت صعبة جدًّا. نحن ضحايا هذه الحرب، وما نعيشه في بلدنا حرام؛ لدرجة أنّنا تمنّينا لو أنّنا لم نخرج من بيوتنا أبدًا. ليتنا متنا هناك ولم نعش كلّ هذه الصعوبات والصدمات”.

البحث عن مستقبل مؤجّل

تركت الحرب ندوبًا عميقة في جيل وجد نفسه محاصرًا بالخسارات المتراكمة، بين فقدان الأحبّة، والنزوح المتكرّر، وتعليق الدراسة والعمل، وتبدّد الخطط الشخصيّة والمهنيّة. وبينما تستمرّ الاعتداءات وحالة اللايقين، تبدو قدرة هؤلاء الشباب على استعادة حياتهم مرتبطة بما هو أبعد من إعادة إعمار الحجر، فهي تتطلّب استعادة الحدّ الأدنى من الشعور بالأمان والاستقرار، بما يسمح لهم في استعادة حقّهم في التخطيط للمستقبل، بعد سنوات تحوّلت فيها مجرّد فكرة النجاة إلى أكبر طموحاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى