الشارب المعقوف بين الهيبة والزعامة والفلكلور والدراما

للشارب في الثقافة اللبنانيّة والعربيّة مقام يتجاوز الزينة، فهو خطّ فوق الفم، يحمل تاريخًا كاملًا من الرجولة والهيبة والعهد والجاه والصلح والخصومة.
شوارب السياسة والزعامة
في لبنان، للشارب السياسيّ تاريخ بصريّ خاصّ. أحمد بك الأسعد، رئيس مجلس النواب الأسبق، حمل شارب الزعامة الجنوبيّة، حيث يمتزج المجلس بالبيت الكبير، والبيكويّة بالهيبة، والوجه السياسيّ بصورة الرجل الذي يعقد المصالحات ويفتح الديوان. كان شارب الأسعد معقوفًا، لكنّه لم يكن عريضًا استعراضيًّا.
ولا ينسى أبناء الجنوب والنبطيّة وكفرّرمان شاربي السياسيّ والزعيم البارز يوسف بك الزين (1879 – 1962) ويُعدّ من الجيل المؤسّس للسياسة اللبنانيّة، إذ كان عضوًا في أوّل مجلس استشاريّ عن النبطيّة باهتمام فرنسيّ، وعُين عضوًا في أوّل مجلس تمثيليّ العام 1922. كذلك شغل عضويّة مجلس النوّاب اللبنانيّ مدّة طويلة امتدّت من العام 1926 حتّى العام 1962، وما كان يميّزه شارباه المعقوفان المرتفعان إذ كادا يشكّلان في دقّة العناية بهما نصف دائرة بالتمام والكمال. والأرجح أنّ التنافس السياسيّ بينه وبين أحمد الأسعد والصراع على زعامة الطائفة الشيعيّة في جبل عامل، انعكس على مسألة الاهتمام بالشاربين والتنافس على أيّهما “الأفضل”.
أمّا الأمير مجيد أرسلان فقد حمل شاربًا آخر: شارب الأمير المحارب والسياسيّ الاستقلاليّ. ولد أرسلان العام 1908، وكان من أبرز رجال الاستقلال، وتولّى حقائب وزاريّة عدّة، ومنها وزارة الدفاع في مراحل حاسمة من التاريخ اللبنانيّ. في المقابل بدا أن الزعيم كمال جنبلاط كان منشغلًا بأمور فلسفيّة روحيّة، فلَم يعر شاربه اهتمامًا يذكر، فكان له شارب بسيط، رفيع، لا يخطف النظر، ولا يشكّل مدخلًا لقراءة الوجه.
وقبل الزعامات النيابيّة والوزاريّة، حضرت شوارب يوسف بك كرم وطانيوس شاهين وأدهم خنجر وصادق حمزة في ذاكرة المقاومة والتمرّد. يوسف بك كرم بقي في المخيال الزغرتاويّ واللبنانيّ بطلًا وطنيًّا، ومنزله في زغرتا صار متحفًا يحتضن إرثه. وطانيوس شاهين، قائد ثورة الفلّاحين في كسروان، منح الشارب بعدًا شعبيًّا: الفلّاح حين يرفع رأسه أمام الإقطاع، ويحوّل وجهه إلى راية اجتماعيّة. أمّا أدهم خنجر وصادق حمزة، فقد ارتبطا بمقاومة الفرنسيّين في جبل عامل، فكان الشارب المفتول عندهما من علامات تلك المرحلة، ليشبها بقيّة الناس حيث إنّ عقفة الشارب كانت شائعة عند الاقطاعيّ والفلّاح في آن.
“خلّلي الشوارب على جنب”
في الفن اللبنانيّ، يكاد طوني حنّا يكون أشهر شارب مفتول، إذ إنّ شاربه صار علامة فنّيّة قائمة بذاتها، جزءًا من الصوت واللباس والعصا والدبكة والحضور الجبليّ. ما يؤكّد أنّ الشارب عنده خرج من كونه تفصيلًا جسديًّا ودخل منطقة العلامة الثقافيّة.
أغنيته “لا تحلّفيني بالشنب” تذهب بالرمز إلى ذروته. فالحبيب يقول: “من قلبي بحلفلك يمين، أنا على حبّك أمين”. أيّ إنّه يعرف أنّ الشارب محلّ القسم، ثمّ يضعه جانبًا، لا انتقاصًا من قيمته، بل رفعًا للحبّ إلى مرتبة أسبق من طقس الرجولة، ليقول في مقطع لاحق: “خلّي الشوارب على جنب”.
الأغنية تفهم الموروث ثمّ تلاطفه. تقول للشارب: أنت شاهد الرجال في المجالس، أمّا هنا فالقلب هو الشاهد.
ومثله فعل “عنتر الغناء اللبنانيّ” المطرب الجزّيني ابن قرية كرخا سمير حنّا (1946 – 2020) في إطلاق شاربين عريضين كي يحافظ على الشكل الجبليّ اللبنانيّ، وهو خلال مسيرته لم يقدّم غير هذا اللون الغنائيّ، وأتى شارباه كي يكملان العدّة التراثيّة الجبليّة.
شوارب الدراما اللبنانيّة
في الدراما والكوميديا، صار الشارب أداة بناء شخصيّة. شوشو، حسن علاء الدين، حمل شاربًا جعل الضحك ابن الشارع وابن الجرح معًا. فوجهه كان قريبًا من الناس، وشاربه جزءًا من تلك القربى، جزءًا من هشاشة الكوميديا الشعبيّة وذكائها.
أبو سليم الطبل، (صلاح تيزاني)، حمل شاربه واللباس الشعبيّ كحزمة علامات واحدة. اشتهر باسم أبو سليم نسبة إلى شخصيّة بطل مسلسلاته الكوميديّة، وصار حضوره بيتًا تلفزيونيًّا لبنانيًّا طويل العمر. لكن شارب أبو نصرا (سمير كشتان) كان علامة بارزة بحجمه وطوله، بحيث كان هو الباب والمدخل إلى وجهه.
وأبو ملحم، (أديب حدّاد)، ارتدى الطربوش والشارب ولهجة القرية، فصار الشارب عنده علامة حكمة أهليّة، تدخل البيوت لحل النزاعات الاجتماعيّة بروح أبويّة دافئة.
ولكي تكتمل شخصيّة “أبو المراجل” في الدراما اللبنانيّة التي هلّت على الجمهور بالأبيض والأسود قبل دخول الملّون دعمها أحد روّاد الدراما في لبنان الفنّان الياس رزق بشاربين معقوفين صعودًا، تحوّلا إلى عريضين في مسلسلات أخرى، ثم انعكفا نزولاً في دور “عزيز السلمنكي” مع محمّد شامل في مسلسل “الدنيا هيك”.
أمّا بربر آغا، شخصيّة أنطوان كرباج، فقد جعل الشارب جزءًا من السلطة الدراميّة: الآغا، الفارس، صاحب الصوت العريض والحضور الآمر. وقد ارتبط اسم أنطوان كرباج بهذه الشخصيّة ضمن ذاكرة الدراما اللبنانيّة.
أخوت شانيه بمربّع أسود
تأتي شخصيّة “أخوت شانيه” عند نبيه أبو الحسن كحالة خاصّة. هنا يأخذ الشارب شكلًا مربّعًا أسود تحت الأنف، مختصرًا، هندسيًّا، ساخرًا، كأنّ الشخصيّة كلّها تجمّعت في بقعة صغيرة من السواد. نبيه أبو الحسن، من الرعيل المؤسّس للعمل الدراميّ اللبنانيّ، اشتهر بهذه الشخصيّة التي بقيت في ذاكرة المشاهدين بملامحها الحادّة ونبرتها الخاصة.
هذا الشارب المربّع الذي يشبه شارب أدولف هتلر، وشّارلي شّابلن، يختلف عن شارب القبضاي المفتول. إنّه شارب كاريكاتوريّ حيّ، يرسم الشخصيّة قبل الحوار. وفيه تصبح الشعرة علامة نفسيّة: توتّر، عصبيّة، عبث، تصادم مع العالم. إذا كان الشارب المفتول يعلن الهيبة، فإنّ شارب أخوت شانيه يعلن الغرابة، ويجعل الوجه نكتة سوداء تمشي على قدمين.
الرحابنة والشارب التراثي
في مسرح الأخوين رحباني، حضر الشارب المفتول مع نصري شمس الدين وشخصيّات الضيعة والناطور والآغا وأبو الشباب. هناك لم يكن الشارب تفصيلًا للزينة، بل جزءًا من هندسة القرية الرحبانيّة: رجال يجلسون على المصاطب، يتنازعون على الماء والأرض والكرامة، ثمّ يدخل الغناء فيهدأ الغبار. نصري شمس الدين، بصوته وحضوره، جعل الشارب امتدادًا للصوت العريض والوقفة العريضة.
شارب كاريكاتوريّ
وفي الكاريكاتور، رسم بيار صادق شخصيّة «توما» بشوارب مفتولة، فصار الشارب هنا ضربة خط ّتختصر المواطن اللبنانيّ الغاضب والساخر.. وكذلك فعل جان مشعلاني مع «أبو خليل»، وفعل ملحم عماد مع «اللبنانيّ»، حيث يتحوّل الشارب إلى اختصار بصريّ للبلد: نكتة، وجع، فطنة، وتعب.
الكاريكاتور يرسّخ فكرة الهويّة الشعبيّة التراثيّة المبنيّة على الشارب المفتول، أقلّه في زمن معيّن، بينما نعرف جميعًا أنّ الشارب اليوم لم يعد يحمل تلك العلامة السيميائيّة التي تسبغ خاصّيتها على شعب أو حضارة أو ناحية جغرافيّة.
الشارب على شاشة القرية
في برنامج «الأوّل» على شاشة إل بي سي، مطلع تسعينيّات القرن الماضي، مع رياض شرارة وميراي مزرعاني، دخل الشارب زمن المسابقة والفرح القرويّ. كانت فقرة أطول شارب في القرى واحدة من تلك اللحظات التي تحولّ التراث إلى احتفال. الرجل يأتي بشاربه الطويل، الناس تضحك وتصفّق، والكاميرا تجعل التفصيل الشخصيّ حدثًا عامًّا. وقد أعادت صفحة إل بي سي نشر مادّة عن مسابقة أطول شوارب في دير القمر ضمن أرشيف البرنامج.
هنا يصبح الشارب معلومة تراثيّة مرحة. يقاس بالسنتيمتر، ويحمل سيرة صاحبه، ويفتح باب النكتة. إنّه ينتقل من القسم والهيبة إلى اللعبة التلفزيونيّة، ومن مجلس الرجال إلى شاشة العائلة.
رمزيّة الشارب ودلالاته
في مجتمعات الشرف، للجسد علامات تقرؤها العيون كما تقرأ الوثائق. الشارب بهذا المعنى علامة مكانة، والمكانة يضعها عالم الاجتماع ماكس فيبر داخل حقل الشرف الاجتماعيّ، ويرى أنّ الجماعات تمنح أفرادها مراتب عبر أساليب العيش والاعتبار والتقدير العام. لذلك صار الشارب جزءًا من اقتصاد رمزيّ واسع، يربط الوجه بالسمعة، والسمعة بالسلطة، والسلطة بقدرة الرجل على الوفاء بكلمته.
أمّا دوركايم فيسمح لنا بقراءة الشارب كرمز جمعيّ. فالرموز، عنده، تحفظ وجدان الجماعة، وتعيد ترتيب الصلة بين الفرد والمجتمع. من هنا تبدو لمسة الشارب، والحلفان عليه، طقسًا صغيرًا، فيه يد، ووجه، ونظرة، وشهود. إنّها لحظة تجعل الوعد شأنًا عامًّا، وتمنح الكلام جسدًا.
الشارب بين الشرف والإهانة
حين يُحلق شارب رجل أسير أو مغلوب، فالأمر يتجاوز قصّ الشعر. الحلق القسريّ يصيب المكانة، ويجعل الوجه ساحة عقاب. فالشارب في العرف القديم قرين الكرامة، وحلقه إعلان إذلال أمام العيون. لذلك تقول الذاكرة الشعبيّة: “قصّوا شواربه”، أيّ خفّضوا هيبته. في هذا المعنى، الشارب ليس ملكًا فرديًّا كاملًا، بل وديعة اجتماعيّة على الوجه، والجماعة تشارك في تأويلها.
وقد بيّنت دراسات أنثروبّولوجيّة وتاريخيّة حول شعر الوجه في المجتمعات الإسلاميّة أنّ الشعر يدخل في بناء الهويّة والرجولة والمكانة، وأنّ قصّه أو التحكّم به قد يحمل معنى العقاب أو التشهير أو انتهاك الحميميّة الجسديّة. هكذا يصبح الشارب أرشيفًا صغيرًا للكرامة: يطول فيزداد حضورًا، يفتل فيعلن صرامة، يحلق فيصير الجسد خبرًا مؤلمًا.
“البريانطين” والعناية بالشوارب
لأنّ الشارب علامة مكانة في تلك الأيّام، فقد احتاج إلى عناية خاصّة. الشارب المفتول يحتاج إلى تمشيط صغير، وتدريب يوميّ، ومادّة تثبيت. في البيوت القديمة والصالونات الشعبيّة استعمل الرجال “البريانطين”، أو موادّ دهنيّة قريبة منه، تمنح الشعر لمعانًا وتساعد على تثبيت الأطراف. وفي تاريخ العناية بشعر الوجه استعمل الرجال شمع العسل، و”الفازلين”، و”اللانولين”، وأنواعًا من الدهن المعطّر لتصفيف الشوارب وتثبيت شكلها.
علامة عالميّة
من أشهر حاملي الشارب المعقوف القيصر فيلهلم الثاني، والأرشيدوق فرانتس فرديناند، ورجل الغرب الأميركيّ وايات إيرب، والمناضل الهنديّ بهاغات سينغ، والرئيس الأميركيّ وليم هوارد تافت، ولاعب البيسبول رولي فينغرز، وبالطبع لا ننسى شارب السرياليّ سلفادور دالي، ولا ذلك الفعل التمرّدي الذي قام به الفنّان دوشامب حين رسم للموناليزا شاربًا معقوفًا تحت عنوان الجرأة الدادائيّة.
عربيًّا برز الشارب المعقوف بوصفه علامة للهيبة والرجولة والقيادة، ولا سيّما بين رجال الثورة والسياسة في مطلع القرن العشرين. ويأتي سلطان باشا الأطرش في طليعة أشهر حامليه، إذ صار شاربه الكثيف المرتفع الطرفين جزءًا من صورته الوطنيّة. كذلك عُرف به يوسف العظمة، وإبراهيم هنانو، والملك فيصل الأوّل، وسعد زغلول، وفوزي القاوقجي والملك فاروق.



