انتهت الحرب لكنّ حزننا لم يمرّ فوقنا كغيمة عابرة

هذا مقالي الخامس عن الحرب. الفارق هذه المرّة أنني أكتبه بعد أن توقفت لا في أثنائها.
منذ حرب العام 2024 وأنا أكتب. كنت أكتب يومها لأنّني لم أملك سلاحًا آخر أواجه به المحو، فاخترت الكلمة. واليوم، وقد عدنا فعلًا، أكتشف أنّ الكتابة لم تكن مجرّد وسيلة للمقاومة، بل كانت أيضًا تدريبًا على العودة. كنت، من دون أن أدري، أُعِدّ نفسي لهذه اللحظة: لحظة أن أقف على العتبة، وأدفع الباب، وأرى.
والآن، وقد رأيت، أفهم أنّ جملة “كنّا هنا” لم تكن يومًا جملة عاديّة. أن أكتب عن بيتي، عن قريتي، عن طريق كنت أعرف كلّ حجر فيه، عن مكتبتي، عن زرعاتنا، عن رائحة خبز الصاج التي كانت تملأ الحيّ في الصباحات، لم يكن توثيقًا فقط؛ كان محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاختفاء. واليوم، بعد العودة، أعرف أن بعض ما أنقذته الكلمة كان كلّ ما تبقّى.
أكتب لأنّ الكلمة، حين تخرج، لا تعود إلى العدم. أعلم جيّدًا أنّ القذائف تصل بسرعة، تقتل بسرعة، تُشوّه المكان في لحظة. أمّا الكلمة فتحتاج وقتًا طويلًا: كي تُكتب، وكي تُقرأ، وكي تجد مكانها في قلب أحدهم. لكنّها حين تجد ذلك المكان، تبقى بعد أن يسكت كلّ شيء، وتبقى حتّى بعد أن تسكت الحرب نفسها.
انتهت الحرب. وها أنا أكتب الآن لا عن انتظار العودة، إنمّا عن العودة ذاتها: عن الطريق الذي لم ينتهِ ببساطة عند باب البيت، بل قادنا إلى مواجهة لم نكن مستعدّين لها. عن اللحظة التي اكتشفنا فيها أن طريق العودة كان، هو نفسه، الطريق إلى الفقد.
النجاة قد لا تعني التعافي
في البداية، كنت أظنّ أنّ للنجاة معادلة واضحة: أن تخرج حيًّا. لكنّني فهمت، بعد أن عدنا، أنّ الإنسان ربّما ينجو من دون أن يعرف ماذا يفعل بهذه النجاة. خرجنا من الحرب بأجسادنا، لكنّ نسخة منّا بقيت هناك عالقة بين الأشياء التي ظننّا أنّها ستبقى لأنّها كانت، دائمًا، هناك ولكنّها امّحت بفعل الحرب.
وحين عدنا، وجدنا أن تلك الفجوة بيننا وبين ما صنعته الحرب فينا لا تُملأ بسهولة، ولا تُملأ بمجرّد العودة. هناك هوّة بين الذاكرة والواقع، بين النسخة التي كنّاها قبل الحرب، وبين ما وجدناه حين عدنا. لم نعد فقط إلى مكان تغيّر؛ عدنا ونحن نحمل في داخلنا صورة لم تكن قد تغيّرت بعد. صورة لم يكن الخراب قد وصل إليها في الوقت الذي وصل فيه إلى بلداتنا وأحيائنا.
ولهذا كانت العودة أثقل من الرحيل. النزوح، مهما كان موجعًا، كان واضحًا في شراسته: خرجنا لأنّ البقاء صار خطرًا. أمّا العودة فكانت أكثر التباسًا. عدنا ونحن نحمل في داخلنا مكانًا لم يمسه القصف بعد، مكانًا ظلّ كاملًا في الذاكرة، ثمّ وقفنا أمام واقع مشوّه، مبتور، نهشته الحرب.
ذكرى المدينة التي في ذاكرتي كانت قد نجت أكثر من المدينة التي رأتها عيناي.
الضوء الآتي من نجمٍ مات
في الفضاء، قد تنظر إلى نجمٍ وتظنّ أنّك تراه الآن، لكنّه في الحقيقة قد يكون غاب منذ زمن بعيد. ما يصلك ليس حضوره، ولكن ضوؤه المتأخّر؛ أثرٌ نجا من الفناء، وسافر طويلًا حتّى بلغ عينيك بعد أن تغيّر مصدره أو انطفأ. كأنّ الكون نفسه يقول لنا إنّ الأشياء لا تختفي دفعة واحدة. أحيانًا يرحل الأصل، ويبقى منه ضوءٌ يواصل الوصول.
هكذا كنت أخاف العودة إلى مدينتَيّ: النبطيّة وصور.
كنت أخاف أن أكون أحمل داخلي ضوءًا قديمًا عنهما: شوارع لم يمسّها شيء في ذاكرتي، بيوتًا ما زالت واقفة كما تركناها، وجوهًا تطلّ من عتباتها، أصواتًا عاديّة في المساء، وتفاصيل صغيرة لم أكن أعرف أنّها كانت تمسكني من الداخل. وقد عدت الآن، وأعرف أنّ بعض ما كنت أخافه كان صحيحًا. وصلت، فاكتشفت أنّ ما كان يضيء في قلبي لم يعد يجد مصدره كما كان في الحقيقة، وأن ذكرى المدينة التي في ذاكرتي كانت قد نجت أكثر من المدينة التي رأتها عيناي.
هذا هو الفقد في أقسى صوره، أن يمّحى المكان، وأن تبقى الذكرى المتعلّقة فيه حاضرة فيك كما كانت قبل الحرب.
هل عدنا إلى بعضنا؟
يشير الطبيب النفسيّ بيسيل فان دير كولك، في كتابه “جسمك يتذكّر كلّ شيء”، إلى أنّ الصدمة لا تبقى حبيسة الذاكرة وحدها، ولكنّها تضرب قدرة الإنسان على التواصل والرعاية والتعاون، أيّ إنّها تضرب ذلك النظام الداخليّ الذي يسمح لنا أن نكون جزءًا من الجماعة، لا أفرادًا معزولين.
وهذا ما وجدناه حين عدنا فعلًا إلى قرانا ومدننا: أنّ الامتحان الحقيقيّ لم يكن في ترميم الحجر، بل في شيء أعمق منه.
فالصدمة تغيّر طريقة الإنسان في الاقتراب من الآخرين. تجعله متعبًا من القرب، سريع الانسحاب، أقلّ قدرة على الثقة، وأحيانًا أقلّ قدرة على أن يطلب المساعدة أو يقبلها. الحرب لديها القدرة على تشويهنا، وعلى جعلنا نشعر بالخوف من أن نحتاج إلى أحد، أو من أن لا يفهمنا أحد، أو من أن نكون عبئًا على أحد.
لهذا لا يكفي أن نعود إلى بيوتنا وبلداتنا، كان لا بد أن نعود إلى بعضنا أيضًا.
إذا كانت الحرب قد محت وشوّهت الأرض، فإنّ الصدمة تمحو الجسور بيننا. ولذلك، فإنّ امتحاننا الحقيقيّ، بعد أن عدنا، ألّا نسمح للألم أن يحوّل كلّ واحدٍ منّا إلى جزيرة منعزلة.
ويهرب فينا الغيم الحزين
لم تعد السنوات التي نادتها فيروز حين غنّت: “يا سنين اللي رحتي رجعيلي”. وكذلك لم تعد أرضنا كما كانت، ولا البيوت، ولا كلّ الوجوه التي سرقها الغياب.
ذلك النداء لم يكن طلبًا لعودة الماضي فقط، بل رجاءً لزمنٍ كان فيه شيء من الأمان. زمنٌ بقي فينا كما يبقى ضوء نجمٍ يصل متأخرًا، بعدما يكون مصدره قد تغيّر أو انطفأ.
هكذا عدنا: إلى ما تغيّر، وفي داخلنا صورةٌ تأخّرت عن الخراب. وقفنا بين ما بقي حيًّا في الذاكرة، وما تدمّر وانمحى في الخارج، وفي تلك اللحظة بالذات “يهرب فينا الغيم الحزين”، كلّما عجزنا عن احتمال هذه الهوّة.
لم يكن الغيم الحزين فوقنا هذه المرّة. كان فينا. حملناه معنا، نحن الجنوبيّين، في تلك اللحظة التي فهمنا فيها أنّ الواقع صار أثقل من الذكريات.
انتهت الحرب، لكنّ حزننا لم يمرّ فوقنا كغيمة عابرة. هرب فينا، وبقي فينا، كما يهرب الغيم الحزين في أغنية فيروز، ولا يزال.



