فرار من الموت جراء حروب منتهية الصلاحيّة

“لدى البعض إن الحياة شطيرة خبز مدهونة باللعنة” تولستوي
كانت تلوّح لي بكفّها الصغير بينما تلك الإبتسامة التي اعتلت وجهها بخفر كانت أقرب إلى حدث غريب، حدث بمنتهى الغرابة حيال كلّ ما يجري هنا. لم يكن صندوق الـ”بيك أبّ” مقتصرًا على وجودها، إذ ثمّة بضعة أولاد آخرون، فضلًا عن نساء عدّة داخل هذا الصندوق المشدود بقضبان حديديّة. رحت أبادلها التلويح بدوري من خلف مقود سيّارتي وقد جهدتُ بما واتاني من قوّة على مبادلتها الابتسام.
لم تكفّ عن التلويح للحظة واحدة بينما أبواق (زمامير) السيارات من حولي تصمّ الآذان. كلّ شيء في هذا المحيط المشتّت كان يشي بجهنّم مفصّلة على قياس هؤلاء المساكين المكدّسين، بل الممعوسين فوق الطريق باستثناء تلك الفتاة الصغيرة وابتسامتها الدخيلة على المشهد، إلى حدّ الغرابة والروعة، بل إلى حدّ التيهان.
فرار من الموت
فضلًا عن أولئك الذين انحشروا في داخل السيّارات والڤانات وفوق الدرّاجات الناريّة، كان الشارع يمور أيضًا بآخرين اندفعوا بسيقانهم، وقد حملوا معهم ما أمكن من أشياء ضروريّة. كلّ واحد أو واحدة من هؤلاء كان يعجّل المضيّ فوق الرصيف وبين زحمة السيّارات، والوجهة بالتحديد إلى أيّ مكان خارج الضاحية الجنوبيّة لبيروت، التي هي الآن محلّ إنذار بالإخلاء تمهيدًا – كما جاء في أمر الإخلاء الإسرائيليّ – لقصفها.
جرّبتُ متابعة المشهد كلّه، بل رأيتني وقد جرّبتُ حصره بعينين محدّقتين إنّما بلا طائل. يبدو أنّ فرار الخائفين من الموت “يزرك” (يحشر) النظر، يبدو أنّه فرار لَعِين يجيد بدقّة بعثرة نظرات العيون.
حاولتُ عبر نظراتي المشرئبّة أن أفي كلّ مشهد الفرار من الموت حقّه عبر متابعة تفاصيله بدقّة، إنّما، أيضًا وأيضًا، ترى العين محلّ خجل إزاء تحديق الفرار من الموت بها وليس في هذه العبارة مجاز على الإطلاق. إنّ منظر هؤلاء الناس والمشاة منهم بشكل خاصّ، يشي أكثر ما يشي بأنّ انهماك بعض الجماعات البشريّة بالحروب هو بالعمق انهماك يوميّ في حياكة أكفانها.
ابتسامة بملء الوجه
ألحّتْ الرغبة عليّ أن أتابع هؤلاء الرُحّل من المشاة، وهي صفة تناسب متاهة خطواتهم المتعثّرة والمضطربة إلى أقصى الحدود، إنّما تلك الابتسامة الدخيلة على كلّ مشهد الموت هذا، استحوذتْ عليّ واحتلّتْ أقاصي عينيّ وصولًا إلى داخل القلب. عملت جاهدًا على مجاراة حقيقة ابتسامتها من خلال ابتسامة حقيقيّة بادلتها إيّاها بملء الوجه، لكنّ ملامح وجهي كانت بالفعل قد خمدتْ إلّا بما يتوافق مع مصير هؤلاء النازحين، حيث الحياكة اليوميّة للأكفان.
كانت ملامحي وملامح جميع هؤلاء قد صارت محلّ شحوب يتوافق مع حروب ذلك الحزب صاحب التصوّرات المنتهية الصلاحيّة عن العالم، إنّما أكثر عن الذات. رفعتُ يدي من فوق “الدركسيون” أكثر ورحت ألوّح بحماس مصطنع لتلك الغريبة عن الحزب المنتهي الصلاحيّة إلّا صلاحيّة دفع الناس إلى النزوح وإلى الهروب وللنجاة…النجاة من موت مؤجّل لكنّه آت لا محال.
كفّتْ فتاتي عن التلويح، وهي الآن تقضم سندويشّا، رحت أراقبها وأنا أجهد كي أحبس دمعة باغتتني، متمنّيًا من كلّ قلبي ألّا تكون حياة هذه الفتاة الصغيرة مجرّد شطيرة مدهونة باللعنة.
إحباط مشغول باتقان
كومة المخاوف التي أرهقتْ أجساد السائرين فوق الطريق، وأيضًا أولئك الذين انحشروا داخل السيّارات، كانت بمثابة انعكاس جليّ لكلّ ضروب الإحباط. إنّه إحباط من نمط آخر، إحباط مشغول باتقان وقد راكمته تجارب النزوح السابقة، تجارب تلك “الانتصارات” السابقة التي مرّت على هؤلاء مرّات ومرّات. إنّه إحباط واضح المعالم يجيد إحكام القبضات فوق الوجوه والأجساد وفوق الأذهان والأرواح.
تشبّثتُ بنظراتي في تلك الإبتسامة، وفي ذلك الفم، حيث ثمّة فراغ رائع نتيجة سقوط أحد أسنان تلك الرائعة الجمال التي تقبع هناك في داخل صندوقة الـ”بيك أبّ” إنّما السبل كانت قد تقطّعتْ بي إلّا عن الوقوع مجدّدًا في لجّة وجوه أخرى، وجوه اجتاحت ذاكرتي ككومة خراب. إنّها وجوه من أودوا بفتاتي الرائعة إلى هذا المصير. غاب وجه فتاتي الصغيرة خلف تلك الوجوه الأخرى المنتهية الصلاحيّة إلّا صلاحيّة التبشير بالحروب ثمّ دفع الناس إلى الفرار… الفرار إلى الموت!
كانت إطارات السيّارات محلّ جمود إلّا من نأمة حركة من آن لآن، بينما هؤلاء الذين تقطّعتْ بهم السبل من المشاة يعملون على استنشاق ما تبقّى من هواء في الضاحية في أثناء سيرهم المضني فوق الأرصفة وبين متاهات السيّارات والدرّاجات والڤانات… والـ”بيك آبّات”!
أنامل بغاية الرقّة
كفّتْ فتاتي عن التلويح، وهي الآن تقضم سندويشّا ناولتها إيّاها امرأة مجلببة بالسواد. ربما هي أمّها أو جدّتها أو واحدة من الجيران. كانت الصغيرة تمرّر لفافة الخبز بين عينيها والشفاه، وقد شدّت هذه اللفافة عبر أناملها التي أخمّن أنّها تناصب كلّ حملة السلاح في هذا العالم العداء.
كانت أناملها بغاية الرقّة وهي ترفع الخبز إلى فمها الصغير. رحت أراقب حركة فمها أثناء قضم الشطيرة تلك، وهي حركة كانت تراوح بين البلادة وضيق الخلق وضرورة تناول الطعام. رحت أراقبها وأنا أجهد كي أحبس دمعة باغتتني، متمنّيًا من كلّ قلبي ألّا تكون حياة هذه الفتاة الصغيرة مجرّد شطيرة مدهونة باللعنة، لعنة أصحاب الأصابع المرفوعة، وأبد تلك الإنتصارات المنتهية الصلاحيّة منذ بداياتها حتّى لحظات الأمر بالإخلاء ذاك.
ملاحظة: في ما يتعلّق بأولئك الذين كانوا يرفعون شارات النصر أثناء هذا النزوح المذلّ، فإنّهم سوف يكونون موضوع مادّة أخرى تليق بتلك الشارات من جهة، ومن جهة أخرى رأفة منّي بتلك الصغيرة التي أراها تلوّح لي بملء كفّها حتّى هذه اللحظات.



