عن جدّتي “أمّ علي” وفلسفة ارتباط الجنوبيّين بأرضهم

من بين الصور التي احتفظت بها الذاكرة عن يوم التحرير، تبرز ملامح جدّتي “أمّ علي” وفرحة عينيها. “أمّ علي”، ابنة الأرض أبًّا عن جدّ، تشهد سهول المرج على كدّها. قبل 26 عامًا، في مثل أيّامنا الحاليّة، وضعت الإبريق فوق رأسها، وخرجت مهلّلة بين جموع الجنوبيّين، بكلّ عفويّتها وكأنّها تصرخ في وجه الكون: “هذه البلاد بلادنا”.
لماذا قالوا: “إنك مشغول بقلوب”؟
منذ أيّام، في الشهر الماضي (25 أيّار/ مايو) مرّت ذكرى التحرير ونحن نعيش اغترابًا قسريًّا، مبعدين عن قُرى أُبيدت بعنجهيّة وخبث، ندر أن شهد التاريخ الحديث مثيلًا لهما. لكن هذه الذكرى في آنٍ معًا، نجدها تثبت فينا اليقين، يقين بأنّ هذه القرى لا بدّ من أن تعود إلى أهلها، إلى ناسها الطيّبين، إلى مزارعيها وفلّاحيها، إلى عمّالها الكادحين، وطلابها، أطفالها، وشيوخها. لنا جميعًا.
في يوم التحرير العام 2000 في كفركلا، التُقطت هذه الصورة التي كانت معلّقة في بيت جدّي في القرية. الصورة كانت لجدّتي، وقد التقطتها والدتي عن الصورة المعلّقة، قبل أن تتحوّل مع مرور السنوات إلى جزء من ذاكرة المكان.
ذلك البيت الذي احتفظ بالصورة لعقود لم يعد موجودًا اليوم بعدما دمّره الاحتلال ونسفه. ولولا أنّنا وثّقنا هذه الصورة وأرشَفناها، لكانت فُقدت مع البيت وكلّ ما كان يحمله من ذكريات. اليوم، لا تمثّل هذه الصورة جدّتي فقط، بل تختصر حكاية بيت وعائلة وقرية، والجنوب برمّته. صورة نجت من الخراب، وبقيت شاهدًا على زمنٍ مضى وعلى ذاكرةٍ ما زالت حيّة على رغم كلّ شيء.
“كلّن رح بيفلّوا وبيبقي الجنوب..”
هكذا غنّت فيروز وقالت: “لما بغنّي إسمك بشوف صوتي غِلي.. إيدي صارت غيمي وجبيني عِلي”. كلماتٌ كتبها الشاعر الجنوبيّ الراحل جوزف حرب (1944 – 2014) بصدقٍ يلامس إحساس كلّ جنوبيّ. غريبة هي علاقتنا مع هذه الأرض، كيف يتبدّل لأجلها النفس، وحتّى التنهيدة، كيف تأخذ كينونتنا من الأرض إلى السماء، كيف نغنَى بها وتغتني بنا؟
علاقتنا نحن الجنوبيّين بأرضنا ليست مجرّد مسألة عقائديّة أو سياسيّة أو أيديولوجيّة. إنّها علاقة أمتن من ذلك بكثير، تضرب في عمق التاريخ والوجود. ومن الجهل أن يُختزل الجنوب اليوم وكأنّ قراه مجرّد قطعة من “كيك”، أو ساحة يُعاقب أهلها ويُنتقم منهم بناءً على هويّاتهم السياسيّة.
علاقتنا به كالشجرة الطيّبة، أصلها ثابت، وفرعها في السماء. أينما يذهب ابن هذه البلاد، وأينما تغرّب في قارّات الأرض وعمل وعاش سنين حياته، يبقَ ملاذه الأخير، ووصيّته المعلّقة، أن يعود كي يدفن في تراب تلك الأرض، وبين حقولها ونسائم أشجارها، أو أن يمضي آخر سنين حياته في حارة من قرية في جنوب لبنان.
العلاقة مع الجنوب هي علاقة فطريّة، أن تنتمي إلى مكانٍ يعرف نبرة صوتك، ويحفظ لمسة خطوتك، وأن تكون قلعة الشقيف هي المعلم الذي يُبشّرك في طفولتك بقرب الوصول إلى قريتك.
إبادة وخوف منافٍ للطبيعة
نحن الجنوبيّون محرومون اليوم حتّى من زيارة قبور أحبّتنا. بل بات يطاردنا خوف منافٍ للطبيعة البشريّة، فهل يُعقل أن يقلق الإنسان حتّى على رفات أحبّته خشية أن تطالها جرّافات الاحتلال؟
محاولات الإبادة أو التهجير القسريّ التي تمارسها قوّات الاحتلال لا تستهدف تدمير البناء الإسمنتيّ وحده، بل تحاول كسر هذا الرابط الوجوديّ بين أهل الجنوب ومستقرّهم. لذا ليس غريبًا أن نرى اليوم مَن جمعوا مِن الشتات، يتفاخرون وهم يلتقطون صورًا فوق أنقاض بيوتنا، كيف لا؟ فهم مجرّد عابرين بلا هويّة، بلا انتماء، وبلا جذور تغرسهم في باطن التراب لو مرّ عليها بعضُ المتطفّلين. يمرّون كالغرباء على الجغرافيا، وبالبروبّاغندا يسعون إلى إسكات صراخ النقص في دواخلهم.
مخزن الذاكرة الجماعيّة
في الفلسفة الوجوديّة، لا يُنظر إلى الأرض باعتبارهَا مجرّد مساحة جغرافيّة نحيا عليها، أو عقارٍ يُشترى ويُباع، يُدمّر ويُعمّر، بل هي المَرسى الوجوديّ الذي يمنح الإنسان كينونته. هذه الشوارع والحارات هي مخزن الذاكرة الجماعيّة، والمرايا التي تعكس وجوه الأجداد والجدّات وحكاياتهم مع الاحتلال وما قبله وبعده.
من لم يسمع فينا عن الضابط حسّان عيّاش، ابن بلدة حاروف، الذي رفض مغادرة منزله، حتّى أنّه أصيب في أكثر من غارة، وكان مصرًّا على البقاء على رغم الوضع الأمنيّ. وغيره كُثر؛ هذه العلاقة هي علاقة فطريّة، أن تنتمي إلى مكانٍ يعرف نبرة صوتك، ويحفظ لمسة خطوتك.
أن تكون قلعة الشقيف هي المعلم الذي يُبشّرك في طفولتك بقرب الوصول إلى قريتك، وطريق الجرمق دليلك على أنّك بتّ على مشارف الوصول عندما تقصد سوق النبطيّة، وأنّ تظل مشاوير نهري الليطاني والوزاني هي الموعد المنتظر الذي تترقّبه في كلّ صيف. هذا الارتباط يتجاوز التفسيرات السياسيّة أو الأيديولوجيّة. إنّه امتدادٌ روحيّ عميق بمكان نحمل ذرّات غباره في مسامنا، بل تغلّف أشغفة قلوبنا، وإليه نؤول في نهاية المطاف.
بتظلّك حبيبي.. يا جنوب
لذا اليوم، لا يفقد الجنوبيّون مكانًا على الخريطة وحسب، بل نحن نفقد جزءًا من اتّزاننا الوجوديّ. لكنّ الواقع والتاريخ يعلّماننا أيضًا أنّ الأرض تتحوّل في لحظات الأزمات من مكان مادّيّ إلى فكرة عصيّة على الانتزاع. فالغاصب ربّما يمر كعابرٍ ثقيل على الجغرافيا، ثقيل جدًّا، لكنّ هذه الأرض لن تقبله يومًا، ولن تكفّ عن مقارعته حتّى تلفظه وتطرده.
أمّا بالعودة إلى “أمّ عليّ”، فأنا اليوم بتُّ أدرك ما وراء فرحتها أكثر من أيّ يومٍ مضى، وسيكون لنا نصيبٌ منها أيضًا، وحتّى ذلك اليوم يبقى لسان حالنا: “بتولع حروب وبتنطفي حروب.. وبتضلّك حبيبي يا تراب الجنوب”.



