هل يرمّم هدوء ألمانيا ما هشمته أصوات بيروت؟

أمشي في الشوارع وكأنّني أشاهد فيلمًا. على رغم مرور شهرين، لم يستطع عقلي إدراك أنّ الحياة يمكن أن تكون طبيعيّة إلى هذا الحدّ. هدوءٌ غير مسبوق، هدوءٌ يبدو لي في كثير من الأحيان… مخيفًا.
لا زعيق لأبواق السيّارات، وليس هناك من يُطلقها، فيما الإصطفاف أمام إشارات المرور يوحي بمشهد الحجارة المرصوصة. ينطلق المشاة بثقة، ودون تلك الردود الغريزيّة التي علّمتنا إيّاها شوارع لبنان: التردّد، التراجع، أو القفز المفاجئ. حتّى الدرّاجات الهوائيّة تنساب في مساراتها المحدّدة بدقّة هندسيّة، لا يعكّر صفوها عابر سبيل متهوّر أو انعطافة غير متوقّعة. كلّ شيء هنا مرسوم، ومحدّد، ومبرمج مسبقًا…
هدوء أضحى مخيفًا
عند وصولنا إلى ألمانيا، وفي غمرة محاولتي ترتيب فوضى الرحيل والاعتياد على المكان الجديد، قرّرت تنظيف البيت، كعادتي في بيروت. ضغطتُ على زرّ المكنسة الكهربائيّة، لينطلق صوتها المألوف في أرجاء الشقّة. أفزعني ردّ فعل أبي الذي أطفأها بسرعة. لا يمكن تشغيل أيّ أداة كهربائيّة بعد الثامنة مساءً، كي لا نزعج الجيران.
عند الثامنة مساءً، تغلق جميع المتاجر والـ«مولات»، إلّا بعض الدكاكين الصغيرة، وتنكمش الحياة داخل جدران إسمنتيّة. ومع حلول الـ11 ليلًا، تنطفئ النوافذ واحدة تلو الأخرى، كأنّ عيونًا غير مرئيّة تراقب عقارب الساعة وتأمر الجميع بالنوم. بعدها يعمّ صمت القبور، لا صرخة ولا همسة ولا حركة تجعلك تستيقظ مذعورًا من وطأة المجهول.
حتى الآن لم يتقبّل جهازي العصبيّ أنّ الحياة يمكن أن تكون متقنة إلى هذا الحدّ. في الليلة الأولى لم أستطع النوم، عقلي لم يستوعب أنّه لن يصدر إنذار مفاجئ، وهاتفي الملقى إلى جانبي لن يرنّ مع كلّ خبر عاجل… أتذكّر قبلها بيومين، خلال أوّل وقف لإطلاق النار وعودتنا إلى ضاحية بيروت، كيف استيقظنا مرعوبين مع صوت إطلاق رصاص جنونيّ، اعتقدنا أنّه إنذار، وبدأنا نتساءل على مجموعات العائلة والأصدقاء: ماذا يحصل؟ لم نعرف إلّا في اليوم التالي، أنّ صاحب أحد المقاهي أطلق النار نتيجة إشكال فرديّ.
اعتدنا صوت الرصاص، أصبحنا نعرف جيدًّا أنّ هذا الرصاص هو رصاص تشييع، أو عرس في المخيم القريب، أو تشجيع لفريق رياضيّ. المناسبات عديدة لإطلاق النار، غير أنّ جهازي العصبيّ المنهك لم يعد يفرّق بين رصاصة تقتل ورصاصة تحتفل، وظلّ يرتعد بالخوف نفسه في كلّ مرة.
في بيتي الجديد، قرب جسر المشرفيّة، كانت الدرّاجات الناريّة هي من يتولّى تفاصيل نومي.
مدينة لا تترك فرصة للهدوء
حتّى أبسط تفاصيل الحياة اليوميّة في بيروت كانت محفوفة بالترقّب والذعر؛ في كلّ مرّة كان ينزل فيها ابني لشراء الخبز من المبنى الملاصق تمامًا لمقامنا، كنت أقضي تلك الدقائق في قلقٍ ينهش قلبي، أنتظر عودته من على الشرفة وكأنّه يخوض معركة بقاء.
في كثير من المرّات، كان يتطاير الرصاص فجأة، فأهرع هاربة إلى الداخل، والسبب؟ جارنا صاحب السوابق قرّر تفريغ شحنته الغاضبة بإطلاق النار في الهواء؛ تارةً لأنّه تشاجر مع زوجته، وطورًا لأنّه غضب من زبون أو عابر سبيل. لا يهمّ السبب. كلّ ما كان بإمكاننا فعله هو الانكفاء واتّقاء شرّه. رجلٌ “مدعوم” بسلطة الفوضى أو “الواسطة”، يدخل السجن ليومين كفسحة ترفيهيّة، ثمّ يخرج ليعربد في الحيّ أشهرًا مديدة دون حسيب أو رقيب.
وفي الشارع عينه، لا تكاد الباصات تتوقّف، خلفها طابور من السيّارات يئنّ تحت وطأة الانتظار، كلّ ذلك لأنّ أحدهم قرّر ببساطة ركن سيارته في وسط الطريق كي يشتري شيئًا ما! ترك سيّارته ومضى بكلّ برود، متوقّعًا من الجميع أن يمنحوه من وقتهم وحياتهم حتّى يقضي أمرًا كان مفعولًا، فيختنق الشارع بالازدحام، ولا يجد العالقون خلفه وسيلة للاحتجاج سوى صبّ غضبهم على أبواق سيّاراتهم في تراجيديا يوميّة من الضجيج.
المفارقة الكبرى تجلّت حين حملتُ هذا السؤال إلى رئيس البلديّة وأعضائها، مستنكرةً صمتهم وغيابهم عن ردع هذه السلوكيّات الشاذّة التي تبتلع هدوءنا وأعصابنا، فجاءني ردّه بعبارة واحدة تختصر العجز: “ليس باليد حيلة، الحلّ الأسهل هو أن تغيّروا مكان سكنكم”.
من “تحت الدلفة” لجسر المشرفيّة
بدّلت مكان سكني مرّات عدّة، كان ملاصقًا لمسجد لا يكتفي بالأذان فجرًا، بل يطلق الأدعية وينقل الخطب في يوم الجمعة أو في المناسبات لساعتين أو أكثر. تحدّثنا إليهم مقدّمين حججًا وتبريرات: “لم نعد نسمع بعضنا بعضًا داخل البيت، ولدينا أطفال صغار لا يستطيعون النوم وغيرها”، بيد أنّ الحقيقة التي كنّا نداريها، هي أنّني أنا من كنت أنهار في صمت. كنت أعاني من صداع ينهش رأسي، ووصلتُ إلى مرحلة من الحساسيّة المفرطة، ولمّا فقدت القدرة على التحمّل، انتقلت إلى «الضيعة».
ماذا أشتغل في القرية؟ لا توجد فرص عمل، أقضي وقتي في الحديقة وفي قراءة الكتب، ولمّا حصلت على فرصة عملٍ هامّة لم أستطع تفويتها، عدت إلى بيروت بعد ثلاث سنوات، ولم يكن أمامي إلّا تحمّل إزعاج المدينة وفوضى سكّانها.
في بيتي الجديد، قرب جسر المشرفيّة، كانت الدرّاجات الناريّة هي من يتولّى تفاصيل نومي، أستيقظ مذعورة على زمجرتها الصاخبة في منتصف الليل، إذ يتباهى الشبّان بقوّة محرّكاتها الهادرة وسط الأحياء السكنيّة. كنت أتقلّب في فراشي وأنا أتحاشى في لحظات غضبي العارم أن أدعو على أحدهم بالسوء، خشية أن تُفجع به أمّه ويحترق قلبها على ولدها الطائش… أبتلع عجزي وأحاول جاهدة أن أستجدي النوم من جديد.
في المكان ذاته، للصخب قصّة أخرى: الجسر الذي كان عصب الضاحية وساحتها المفتوحة للتعبير. هناك، وعند كلّ منعطف سياسيّ أو أمنيّ، صغيرًا كان أم كبيرًا، يحتشد الشباب تحته. تتعالى الأغاني الحماسيّة عبر مكبّرات الصوت، وتختلط بضجيج الهتافات التي تعبّر عن غضبٍ عارم أو فرحة مجنونة. كان صراخهم المحتقن يعكس بوضوح حجم الغضب والقلق الذي يعتري نفوسهم المتعبة جرّاء الأزمات المتلاحقة؛ ومع كلّ ذلك الإزعاج الذي كانوا يسبّبونه لنا، كنت لا ألومهم.
خبيرة “جدارات صوت”
في بداية الحرب على غزة، كنتُ أتابع الأخبار، وصوت الطائرات المُسيّرة يغطّي على صوت المذيع في الميدان، كنتُ أتساءل بذهول: كيف يمكن للبشر أن يتحمّلوا هذا العذاب السمعيّ المتواصل؟ ولم يمضِ وقت طويل حتّى جاء دورنا لنختبر المعاناة ذاتها.
تكاد المسيّرة تدخل إلى شقّتي في الطابق الثامن، أغلق الأبواب والشبابيك والصوت ينهك جهازي العصبيّ، أضع سمّاعات الأذن وأستمع إلى بعض المحاضرات، ولكنّ صوت المسيّرة لا يتوقّف، ومحاولاتي تجاوز الإنهاك لا تتوقّف ولا تفلح.
في بداية الحرب الإسرائيليّة على لبنان العام 2023 وتوسّعها في العام 2024، كانت أصوات «جدار الصوت» تشلّ قدميّي من الخوف، لكنّني اعتدتُ عليها بعد مرّات قليلة. حتّى أولادي، باتوا يكملون لعبهم وكأنّ شيئًا لم يكن، بينما أتولّى أنا مهمّة طمأنتهم بهدوءٍ مصطنع: «لا تخافوا، سيكون هناك جدار صوت آخر بعد قليل». تعلّمنا أنّ هذه الطائرات تُقسّم غاراتها الوهميّة إلى مرحلتين متتاليتين، وحفظنا الدرس عن ظهر قلب.
تأهّب عصبيّ دائم
أعتقد بعد طول الحرب وشدّة الغارات التي كانت تزلزل الأرض تحت أقدامنا، لم نعد نأبه للصوت، ليس لأنّه اختفى، بل لأنّ أولويّة البقاء على قيد الحياة كانت تفقدنا القدرة على الانزعاج أو الغضب، لأنّنا ندرك كم نحن عاجزون عن فعل أيّ شيء. وعندما يراني الجيران متأهّبةً، يضحكون قائلين: “ما دمت تسمعين الصوت فأنت بخير، لأنهّ عندما تموتين لن تسمعي شيئًا”.
في جميع الأحوال، هذه الأصوات لم تكن أصعب من صراخ الجيران في المبنى حينما كان يهتزّ بنا، ونخرج متدافعين نحو الدرج، نسابق ثوان من هزّة أرضيّة قد تتكرّر. أعتقد أنّها كانت في شباط (فبراير) 2023، ومن منّا ينسى تلك الأيّام، حين غضبت علينا الطبيعة أيضًا وأجبرتنا على مدار أكثر من شهر أن نظلّ في حال استنفار دائمة، نترقّب أيّ حركة خفيفة قد تكون مؤشّرًا لهزّة جديدة، حتّى باتت أعصابنا متأهّبة إلى حدٍّ مرضي.
الطائرة التي كانت ترافق ابنة الثماني سنوات، وتجعلني أركض في سباق للوصول إلى البيت قبل دويّ الغارة، لم تغادرني.
لعنة الأصوات
إنّها عشوائيّة ذكرياتي، وعدم تواترها وفق السنوات والأحداث. فمن يتعرّض لعضّة كلب في الصغر ينسى الحدث ويحتفظ بشعور الخوف، ليتحوّل إلى «فوبيا» من الكلاب عندما يكبر. هذا ما أخبرنا إيّاه أستاذي عندما كنت أدرس علم النفس.
لا، لستُ معالجة نفسيّة، ولم أدرس هذا التخصّص بهدف ممارسته كمهنة، بل كنت فقط أحاول سبر أغواري وفهم نفسي؛ كنت أبحث عن تفسير علميّ لردود فعلي المذعورة تجاه أيّ صوت مفاجئ. فالطائرة التي كانت ترافق ابنة الثماني سنوات، وتجعلني أركض في سباق للوصول إلى البيت قبل دويّ الغارة، لم تغادرني، وبقيت ترسم حاضري بنوبات هلع عند أيّ حدث مباغت.
لكلّ منّا في نهاية المطاف نقاط ضعفه وانكساراته الصامتة، وما كان يحدث معي لم يكن سوى ردّ فعل. لا أتذكّر كلّ شيء، ولكنّني أجلس اليوم في حديقة إحدى مدن ألمانيا، أسمع صوت الطيران المدنيّ، فيخفق قلبي وأشعر بضيق نفس، أكابر على نفسي، وأذكّرها: “لستِ في لبنان، عاديّ، تأقلمي مع الصوت”.
أتّصل بأهلي، وأسألهم: “هل هناك مسيّرات اليوم؟”.
عندما أعرف الإجابة، أجدني أعدّ الأيّام المتبقيّة لانقضاء إجازتي، أعدّها بقلب يتوق إلى الرجوع، وفي الآن ذاته يتمنّى لو تطول هذه الأيّام، لعلّ جهازي العصبي يظفر بهدنة أطول كي يلين، ولعلّنا نجد ما ينجّينا من هذه اللعنة الأبدّية: “لعنة الأصوات”.




