حولا تحت الركام.. قريةٌ ينسجها أهلها بحنين الذاكرة

منذ أربعة أشهر ونيّف، ننتظر أيّ صورةٍ من داخل حولا كي نرى ما آلت إليه. نترقّب – للأسف – ما قد تنشره تقارير العدوّ، أو ما توثّقه عمليّات حزب الله، أو ما تلتقطه عدسات “قوّات الأمم المتّحدة الموقتة العاملة في جنوب لبنان” (اليونيفيل) أو الصليب الأحمر خلال أنشطتها داخل البلدة. وحتّى الصور التي كنّا نحاول التقاطها من القرى المجاورة، لم تكن تكفي لتكشف حقيقة ما حلّ ببلدتنا وبيوتنا وأرزاقنا.

صورٌ تكشف حجم الكارثة

في الـ16 من تمّوز (يوليو) 2026، نشرت قوّات اليونيفيل صورًا عالية الجودة من داخل حولا أثناء تنفيذ أعمالها. لكنّ السؤال الذي ارتسم في أذهان الجميع كان: أين هي البلدة؟ أين شوارعها وبيوتها وأشجارها، وكلّ ما كان يميّزها؟ لم نرَ سوى أرضٍ أُفرغت من ملامحها، حتّى بدا وكأنّ البلدة التي عرفناها اختفت من المكان.

إذا كانت هذه الصور قد كشفت عن حجم الكارثة على الأرض، فإنّ وقعها على أبناء حولا كان أشدّ قسوة، إذ أعادت إليهم تفاصيل ظنّوا أنّهم قادرون على تأجيل مواجهتها.

كانت مشاهد من الجنّة

“صمتٌ لثوانٍ ثمّ ذهول، أعقبه صراخٌ مدوّ”، هكذا وصفت الأكّاديميّة منى غنوي (42 عامًا) اللحظة التي شاهدت فيها الصور الأولى لبلدتها.

تقول غنوى لـ“مناطق نت”: “لفتت نظري صورة، فأخذت أحدّق بها وأنا أتساءل: أين يقف المصوّر؟ ظللت أبحث بين الركام، إلى أن لمحت أريكة من منزلي. عندها ران الصمتُ لثوانٍ كأنّها دهر، وبذهول المفجوع،  أطلقت صرخة مدوّية: «إنّه بيتي… المصوّر يقف فوق ركام داري». عدت بذاكرتي إلى سنوات ما قبل الحرب، إلى سطح منزلنا الذي كنت أهوى نظافته، وأقف عليه لالتقاط الصور من موقعه الاستراتيجيّ المميّز. فالمشاهد من هناك تمنح الصور سحرًا، وكأنّها تُلتقط من الجنّة”.

وتضيف غنوي: “إنّ ما نعيشه اليوم، ونحن نرزح تحت وطأة النزوح القسريّ ونشاهد قريتنا بهذا الخراب، يشبه، في قسوته، شعور آدم عند خروجه قسرًا من الجنّة وهبوطه إلى الأرض. أمّا الأفعى التي أخرجته منها، فهي نفسها التي أخرجتنا من قرانا، وما زالت تلتفّ حول عنقها، تخنقها وتعيث فيها فسادًا”.

صورة لبلدة حولا بعدما جرّفها الاحتلال الاسرائيلي
بحثٌ عن حولا بين الركام

أمّا حلا عوض (28 عامًا)، التي ترعرعت بين أزقّة حولا، فتشير إلى أنّها لم تتفاجأ بحجم الدمار، لأنّها كانت تعلم مسبقًا أنّ المنازل دُمّرت بالكامل، إلّا أنّ رؤية الصور كانت مختلفة تمامًا.

تقول عوض لـ“مناطق نت”: “لم أُفاجأ بقدر الحزن والقهر اللذين تلبّسانني. حزنت على كلّ شيء، على قرية رماديّة سُلبت منها ألوانها، وكأنّها خالية من الحياة والبشر منذ سنواتٍ طوال”.

ولفتت عوض إلى أنّها حاولت التعرّف إلى الطرقات أو أيّ معلم مألوف في كلّ صورة، إلّا أنّها أخطأت في معظمها بسبب حجم التغيير. وعن أكثر صورة أثّرت فيها، قالت إنّها لم تستطع تمييز الحيّ الذي يقع فيه منزل جدّها، حيث أمضت طفولتها، مضيفةً: “معالم الحيّ غير واضحة أبدًا، لا شيء يبدو كما كان، ماتت كلّ الأشياء وأصبحت غريبة. الحجر كان تراثًا لا يُعوّض، هو ذكرياتنا وحياتنا وطفولتنا”.

انتهاك القانون الدولي

إذا كانت الصور التي نُشرت لا تُشير سوى إلى دمارٍ كامل لبلدة حولا، فهل من أملٍ بالعودة إليها؟

في حديث لـ“مناطق نت”، يؤكّد المهندس طارق مزرعاني (61 عامًا)، مؤسّس تجمّع “أبناء القرى الجنوبية الحدودية”، أنّ ما يجري “ليس تدميرًا غوغائيًّا فرضته الحرب، بل تدميرٌ منهجيّ ومخطّط له يهدف إلى خلق منطقة عازلة خالية من السكّان، بحيث تصبح العودة إليها أو إعادة تعميرها شبه مستحيلة”.

ويوضح مزرعاني أنّ آخر بيان صدر عن الجهات الأهليّة وُجّه إلى الرؤساء الثلاثة، والأمم المتّحدة، والمنظّمات الدوليّة المعنيّة بحقوق الإنسان والتراث والآثار، للمطالبة بتحرّك عاجل أمام ما وصفه بعمليّات الجرف والحرق والهدم المستمرّة.

ويشير إلى أنّ “عمليّات التدمير تتواصل على رغم سريان وقف إطلاق النار”، معتبرًا أنّ استهداف المنازل والمنشآت المدنيّة، في ظلّ غياب أيّ مظاهر عسكريّة في المنطقة، يمثّل انتهاكًا للقانون الدوليّ وقوانين الحرب.

العودة لا يمكن أن تتحقّق بمجرّد نصب خيمة، بل تحتاج إلى مدارس ومستشفيات ومياه وكهرباء وشبكات اتّصال، العاطفة وحدها لا تكفي لإعادة الناس إلى أرضهم.

محو القرى من الخرائط

ويصف مزرعاني حجم الكارثة بأنّه غير مسبوق، لافتًا إلى أنّ قرى مثل حولا، وميس الجبل، ومركبا، وعديسة، وكفركلا (في قضاء مرجعيون)، ويارون، ومارون الراس، وعيترون، وبنت جبيل (قضاء بنت جبيل)، تعرضت لدمار هائل، مضيفًا: “عادةً يحدث التدمير في أثناء الحرب، أمّا ما نشهده اليوم فهو تدمير مستمرّ بعد وقف إطلاق النار، وكأنّه محاولة لمحو هذه القرى من الخرائط”.

بالنسبة إلى مزرعاني، يرى أنّ “التحدّي لا يقف عند إعادة بناء المنازل، بل يتعدّاه إلى إعادة بناء الحياة نفسها. فإزالة الركام وحده ربّما يحتاج إلى سنوات، فيما اختلطت حدود العقارات، وغاب كثير من أصحابها بعد أن هاجروا أو تقدّموا في العمر أو فارقوا الحياة”.

ويشدّد على أنّ العودة لا يمكن أن تتحقّق بمجرّد نصب خيمة، بل تحتاج إلى مدارس ومستشفيات وصيدليّات ومياه وكهرباء وشبكات اتّصال وكلّ مقوّمات الحياة، مؤكّدًا أنّ العاطفة وحدها لا تكفي لإعادة الناس إلى أرضهم.

بناء الحياة قبل الحجر

يمضي الجنوبيّون أيّامهم بين أمل العودة وترقّب اللحظة التي يتمكّنون فيها من الوقوف من جديد فوق ركام بيوتهم، يبحثون بين الحجارة عمّا تبقّى من الذاكرة، ويروون حكايات القرى الحدوديّة حيثما كانوا أو حلّوا، ينشرون صورها القديمة، ويكتبون شعرًا ونثرًا عن جمالها، في محاولة لإبقائها حيّة في ذاكرتهم، إلى أن يحين موعد العودة.

ربّما تبدو العودة، في ظلّ هذا الخراب، حلمًا مؤجّلًا، لكنّ أبناء حولا لا يتعاملون معها بوصفها ذكرى من الماضي، بل حق ينتظرون استعادته. بين الركام الذي طمس ملامح القرية، لا يزالون يبحثون عن بيوتهم وطرقاتهم وأشجارهم، وعن حياةٍ لم يتمكّن الدمار من محوها بالكامل. وإلى أن تصبح العودة ممكنة، تبقى حولا حاضرة في ذاكرتهم، في صورهم وحكاياتهم، وفي إصرارهم على ألّا تتحوّل قريتهم إلى اسمٍ على خريطة، بعدما كانت يومًا بيوتًا وحياةً وذاكرة.

صورة لبلدة حولا جنوب لبنان قبل الحرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى