المونديال من ملاعب الرمل والحارات إلى شاشة العالم

قبل أن تصير كرة القدم هذا الكوكب اللامع من الشاشات والإعلانات والنجوم، كانت عندنا تبدأ من ملاعب الرمل. في الشيّاح، في تلك المساحات المفتوحة التي ترسم حدودها بالكلس، كنّا نتابع فرقًا شعبيّة تحمل أسماء كبيرة على أجساد صغيرة: “النصر”، “الإيمان” و”النسور”. أسماء تشبه أحلام الأحياء، وتقول إنّ الفقير يحتاج إلى فريق مثلما يحتاج إلى نافذة. كان الملعب من رمل، والمرمى خشبتين أو حجرين، والحكم ابن الحيّ، والجمهور رجالًا وأولادًا يتّكئون على الحيطان أو يقفون حول الخطوط البيضاء التي يبدّدها الهواء بعد كلّ مباراة.

هناك عرفنا الكرة قبل كأس العالم. عرفناها كركضة، كعراك شريف، كغبار يرتفع من تحت الأقدام، كصرخة من حارس مرمى، كشتيمة عابرة، كتصفيق مفاجئ، كولد نحيل يراوغ ثلاثة رجال فيصير بطل الحارة حتّى مساء اليوم التالي. في تلك الملاعب، كانت الرياضة فقيرة في أدواتها، غنيّة في أثرها. كرة واحدة تكفي لتجميع شارع كامل. قميص قديم يكفي لصناعة نادٍ. اسم مرسوم على صدر لاعب يكفي كي يشع الحيّ برمّته أنّ له راية، حتّى إن كانت الراية قماشة باهتة فوق حبل غسيل.

ثمّ فجأة، أو هكذا بدا لنا، ارتفعت الأنظار من الرمل إلى الشاشة. صارت الكرة تأتي من بعيد، من ملاعب لا نعرفها، من مدن لا نقدر على لفظ أسمائها بسهولة، ومن وجوه دخلت حياتنا وكأنّها أقارب جدد: مارادونا، بلاتيني، بّيليه، سقراط. صارت الكرة لغة عالميّة تدخل بيوت الشيّاح والغبيري والضاحية وبيروت القديمة عبر شاشة تلفاز مركون في غرفة الجلوس، أو في دكّان، أو في مقهى شعبيّ يزدحم قبل المباراة بساعة.

حين كانت الألوان تخطئ طريقها

في مطلع الثمانينيّات، كانت معظم التلفزيونات تبثّ وتعرض بالأبيض والأسود. تلك ليست تفصيلًا تقنيًّا عابرًا، بل إنّها جزء من ذاكرة كاملة. كنّا نتابع مباريات يتقاتل فيها الأصفر والأزرق والأحمر والأخضر، لكنّ الشاشة تختصرها في درجات رماديّة. البرازيل، التي نعرف اليوم أنّها تدخل الملعب بذهبها الأصفر، كنا نشاهدها بيضاء تقريبًا. الأحمر يتحوّل إلى رماديّ قانٍ. الأزرق يغدو لونًا غامضًا. حتّى الفرق كانت تلتبس علينا، فنحتاج إلى صوت المعلّق، إلى شكل الشعر، إلى رقم القميص، إلى حركة اللاعب كي نعرف من يهاجم ومن يدافع.

كان نقص اللون يمنح الخيال وظيفة إضافيّة. نحن نلوّن المباراة في رؤوسنا. نصدّق أنّ القميص أصفر لأنّ المعلّق قال ذلك، ونرى الأخضر في عشب تحوّل على الشاشة إلى بساط باهت. في تلك العتمة الفضّيّة، ولد جزء من فتنة كأس العالم. فالفقر التقنيّ زاد من سحر اللعبة، وجعل المشاهد شريكًا في إكمال الصورة. الشاشة تمنح نصف المشهد، والطفولة تكمل النصف الآخر.

في الملعب، يستطيع لاعب مغمور أن يهزم نجمًا، وحارس فقير أن يصدّ ركلة جزاء لملك كرويّ، ومنتخب صغير أن يعطّل دولة كبرى.

نجوم من الشاشة دخلوا الذاكرة

“مارادونا” لم يكن لاعبًا فقط. كان ابن الأحياء الفقيرة الذي صار يستطيع أن يجرّ خلفه دولة كاملة بقدم يسرى. في جسده الصغير، رأت الشعوب المتعبة فكرة خطيرة: أنّ المهارة يمكن أن تهزم البنية، وأنّ ابن الهامش قادر على إحراج الإمبراطوريّات الرياضيّة. “بلاتيني” جاء بصورة أخرى: أناقة فرنسيّة، عقل بارد، تمريرة محسوبة كأنّها قرار سياسيّ. “بّيليه” كان أسطورة تسبقنا، نعرفه من الحكايات ومن اللقطات ومن الهيبة التي تحيط باسمه. أمّا “سقراط”، فكان شيئًا مختلفًا: لاعبًا يفكّر، طبيبًا، شاربًا، قائدًا، واسمًا يحمل الفلسفة إلى الملعب من دون خطبة.

هؤلاء جعلوا كأس العالم أكبر من بطولة. صارت حدثًا يشبه امتحانًا جماعيًّا للخيال. كلّ أربع سنوات، يشعر العالم بأنّ له موعدًا مع نفسه. الفقراء يشاهدون أبناء الفقراء وهم يصعدون إلى أعلى درجات الثراء والشهرة. الأغنياء يشترون البثّ والحقوق والإعلانات والقمصان. الدول تدخل المنافسة بأعلامها ونشيدها وجمهورها، والشركات تدخل بشعاراتها، والمشاهد يدخل بقلبه وصحن بزر وفوشار (بوشار) وكأس شاي أو عبوة بيرة أو نرجيلة (أركيلة) في زاوية مقهى.

عدالة صغيرة لعالم قاسٍ

يكمن سرّ كرة القدم في بساطتها القاسية: 11 لاعبًا بمواجهة 11 آخرين، كرة واحدة، مستطيل أخضر، زمن محدّد، واحتمال مفتوح؛ لهذا فتنت الجميع. لأنّها تمنح الإنسان وهم العدالة خلال 90 دقيقة. في الحياة المال يسبق الموهبة غالبًا، والاسم يسبق الجهد، والسلطة تسبق الحقّ. في الملعب، يستطيع لاعب مغمور أن يهزم نجمًا، وحارس فقير أن يصدّ ركلة جزاء لملك كرويّ، ومنتخب صغير أن يعطّل دولة كبرى.

هذه العدالة قصيرة العمر، لكنّها تكفي كي يدمنها الناس. كرة القدم تسمح للفقير بأن يرى نفسه في لاعب صعد من زقاق يشبه زقاقه. وتسمح للثريّ أن يشتري مقعدًا في الصفّ الأوّل، وقميصًا أصليًّا، وسفرًا إلى البطولة، وشاشة ضخمة في بيته. هنا يظهر الالتباس الكبير: اللعبة التي ولدت من بساطة الفقراء تحوّلت إلى صناعة كونيّة للأثرياء. الكرة بقيت مدوّرة، لكنّ العالم حولها صار سوقًا ضخمة.

الشركات تشتري دموع المشجّعين

بات كأس العالم اليوم موسمًا اقتصاديًّا كاملًا. الإعلانات تبدأ قبل المباريات، وتدخل بين التحليلات، وتلاحقنا في الشوارع، وعلى الهواتف، وفي المتاجر، وداخل السيّارات أو عليها. القميص صار إعلانًا للولاء، والقبّعة إعلانًا للانحياز، والعلم إعلانًا عاطفيًّا. يخرج الناس إلى الطرقات وهم يعلنون حبّهم للبرازيل أو الأرجنتين أو ألمانيا أو إيطاليا أو فرنسا. السيّارة تتحوّل إلى جسد مشجّع، يرفرف عليها علم وكأنّها ذاهبة إلى معركة رمزيّة.

المفارقة أن هذا الموسم يفتح بابًا واسعًا للنساء في لبنان. كثيرات يدخلن كأس العالم من باب اللون والفرح والمقهى والصداقة والصورة الجماعيّة، حتّى حين تكون تفاصيل اللعبة بعيدة من اهتمامهنّ اليوميّ. هنا تفعل البطولة شيئًا اجتماعيًّا لافتًا: تخلق مناسبة مختلطة، عائليّة وشبابيّة وشعبيّة. تصبح المباراة ذريعة للخروج، للضحك، للانتماء الموقّت، للخصومة الخفيفة، للزينة، للصور، ولإعلان هويّة رياضيّة قد تستمر شهرًا واحدًا ثمّ تنام أربع سنوات.

صورة من افتتاح كأس العالم 2026 في المكسيك أ.ف.ب 
أرض الثأر الطويل

في ذاكرة كأس العالم، هناك مباريات تتحوّل إلى جروح رياضيّة. البرازيل وألمانيا ليستا مجرّد منتخبين. هما مدرستان في المعنى. البرازيل تمثّل اللعب كرقص منضبط، كخيال يلبس حذاء، كفرح يراوغ. ألمانيا تمثّل الصرامة، والتنظيم، والقدرة على تحويل البرد العقليّ إلى أهداف. وحين يلتقيان، يشعر الجمهور بأنّه يشاهد صدام فلسفتين: المهارة ضدّ النظام، المزاج ضدّ الآلة، الخفّة ضدّ الانضباط.

لذلك بقيت خسارة البرازيل الثقيلة أمام ألمانيا واحدة من تلك العلامات التي تحفر في ذاكرة المشجعين. ليست نتيجة فقط، إنّما هي إذلال رياضيّ لأسطورة. في المقابل، كلّ مواجهة لاحقة تحمل شبهة الثأر. جمهور البرازيل ينتظر استعادة الكرامة، وجمهور ألمانيا يتصرّف كمن يملك وثيقة تفوّق قديمة. وفي المقاهي اللبنانيّة، يجد الناس في هذه الخصومات مادّة جاهزة لـ”التزريك” والشماتة والضحك. الهزيمة هنا تخصّ فريقًا بعيدًا، لكنّها تمنح القريب فرصة كاملة للانتقام الكلاميّ من صديقه الجالس إلى جانبه.

المقهى مدرج الفقراء الجديد

الشاشة الكبيرة في المقهى هي ملعب الذين عجزوا عن السفر. هناك تتشكّل جماعة موقّتة، جمهور من طاولات وكراسٍ وبزر وفوشار ونراجيل. قبل المباراة، يبدأ التحليل. كلّ شخص يصير مدرّبًا. كلّ مشجّع يعرف الخطّة الأفضل، والتشكيلة الأنسب، ونقطة ضعف الخصم. ومع صافرة البداية، يتحوّل المقهى إلى مدرج. الصراخ يسبق الهدف أحيانًا. الصفّير يعلو. الشتائم تطير. النادل يصبح حكمًا بين الطاولات. ثمّة طفل يقف قرب الباب يتابع بلا مقعد. أو رجل صامت ينفجر فجأة عند كرة في العارضة.

في المقاهي، تكشف كرة القدم شيئًا عميقًا في الجماعة. الناس يحتاجون إلى سبب كي يصرخوا معًا. يحتاجون إلى لحظة آمنة للفرح الجماعيّ، للغضب الجماعيّ، للشماتة الجماعيّة. في بلد مرهق مثل لبنان، تصبح المباراة استراحة من الأخبار الثقيلة. الناس تعرف أنّ النتيجة لن تخفّف فاتورة الكهرباء، ولن تعيد الودائع، ولن تصلح السياسة، لكنّها تمنح ساعتين من تنفّس جماعيّ عميق. وهذا وحده سبب كافٍ كي نحبّ كأس العالم، حتّى ونحن نعرف حجم السوق التي تحيط به.

الكرة بين البراءة والصناعة

يعيش كأس العالم على هذا التناقض الجميل والقاسي. هو بطولة الفقراء والأغنياء على حدّ سواء. الفقير يعطيها قلبه، والغنيّ يأخذ منها ربحه. الولد في الحيّ يراها حلمًا، والشركة تراها فرصة. المشجّع يشتري العلم كي يحبّ، والتاجر يبيع العلم كي يربح. التلفزيون يجمع العائلة، والإعلانات تقطع الحلم إلى فواصل محسوبة. اللاعب يدخل الملعب ممثّلًا بلاده، ثم يخرج منه علامة تجاريّة لها سعر ورعاة وصور.

ومع ذلك تبقى الكرة قادرة على النجاة من فائض السوق. لحظة الهدف تفلت من كلّ إعلان. دمعة المشجّع عند الخسارة تفلت من كلّ حساب. الركض الأخير في الوقت بدل الضائع تعيد اللعبة إلى أصلها: جسد يركض خلف احتمال. ربمّا لهذا لا تشيخ كأس العالم. لأنّها في كلّ دورة تعيدنا إلى تلك اللحظة الأولى، إلى ملعب الرمل المرسوم بالكلس، إلى النصر والإيمان والنسور، إلى ولد يصرخ بعد هدف صغير كأنّه فاز بالعالم.

كأس العالم ليست بطولة كرة فقط. إنها موسم ذاكرة، موسم تجارة، موسم انتماءات موقّتة، موسم خصومات وضحكات وأعلام على السيارات. وهي كثير من “تزريك” (مشاكسة) وتنفيس الاحتقان الذي يعيشه المواطن اللبنانيّ لألف سبب وسبب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى