حبال غسيل النازحين.. ثياب تلوّح من بعيد للأماكن والعودة

وأنا في طريقي إلى العمل صباحًا، مررت بجانب مدرسة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في محلّة رأس النبع (غرب بيروت)، حيث تتواجد عائلات نازحة منذ بداية الحرب الأخيرة، موزّعة على مختلف غرف المدرسة، ويتوسّط كل غرفة نافذة مستطيلة، مجهّزة بشبك حديديّ قديم بهت لونه، لكنّ ذلك لم يمنع النازحين من استخدامه لأغراض متعدّدة، لذا يمكن أن تجد عليه ليفة استحمام، وبجانبها منشفة صغيرة نشرت كي تجفّ.

تتنوّع وجهات استخدام شبك النوافذ، فأحده يتدلّى منه ربطة صعتر برّي يابس، معقودة بخيط رثّ. داخل الغرف بدا حبل غسيل، أحد طرفيه مربوط بشبك النافذة الحديد، فيما طرفه الآخر معلّق بإحكام في أحد أعمدة الغرفة فيقسمها إلى قسمين، في محاولة لإيجاد مساحة خاصّة، بعيدًا من اكتظاظ قسريّ حوّل حيوات من فيها إلى مشاع.

بعد تلك الجولة، توجّهت ظهرًا نحو الجنوب، أعبر الطريق الساحليّ في منطقة خلدة، لتداهمني مشاهد النزوح نفسها. في موقف سيّارات مسقوف بجانب الجامعة الإسلاميّة، ثمّة خيام زرقاء اللون منصوبة. على الحبال التي تربط أطراف الخيم بعضها ببعض، ثياب باهتة اللون، ملقاة بعشوائيّة من دون ملاقط تثبّتها، أمّا الأعشاب فتفترش جوانب المساحة وكأنّها سياج طبيعيّ يفصل المخيّم الحديث عن محيطه الخارجيّ.

على بعد خطوات من موقف السيّارات، يبدو الصرح الجامعيّ الذي تحوّل إلى مركز إيواء، مكتظًّا بحبال غسيل قصيرة، تمتدّ على طول شرفة صغيرة الحجم. على الحبل، ثياب متراصّة، تحاول إيجاد مكان لها بهذه المساحة الضيّقة، في محاولة كي تجفّ وتعود على أجساد تعبت من كثرة الترحال دون أفق للعودة قريبًا.

حبال غسيل في كل مكان

عصرًا، وصلتُ الى صيدا وتحديدًا إلى مبنى أحد فروع الجامعة اللبنانيّة، الجامعة بدورها فتحت أبوابها لإيواء النازحين والنازحات. في الملعب الكبير خلف مبناها المُقسّم إلى ثلاثة أبنية، ثمّة حبال غسيل كثيرة متشبّثة بجذوع الأشجار المنتشرة قرب سور الملعب. يداعب الهواء الثياب المعلّقة بملاقط خشبيّة قديمة، هاربة من منازل فرغت من ساكنيها إلى أجل غير مسمّى، في لحظة فرار من موت، بدا أقرب إلى القدر نفسه.

حدّقت بحبل الغسيل وهو يتمايل مع ريح تهبّ من الجنوب، فيما النسوة يتحلّقن حول نرجيلة يرتشفن منها أنفاسًا طويلة، وينفثن مع زفيرهن كلّ القهر الذي جمعوه في رحلة التهجير القسريّة.

انتقلت بعدها إلى مدرسة رسميّة في المدينة ذاتها، وقد تحوّلت إلى مركز إيواء هي الأخرى. في الممرّات الداخليّة للطوابق الأربعة، تنتشر حبال غسيل، ملاصقة للجدران، كي تبقى بعيدة من رؤوس وأيدي المارّين من تحتها.

شكّلت هذه التفاصيل في الأماكن التي زرتها، رحلة رمزيّة في شؤون غير مرئيّة، لا تقتصر عل حبال غسيل فقط، بل تتعدّاها إلى انعكاس حيوات، تكرّر تجربة التهجير والانتقال قسرًا من مكان إلى آخر من غير أفق. تختلف هذه الحبال بين مركز إيواء وآخر بحسب الموارد المتاحة والمساحة المتوافرة، لكن المشترك بينها هو التعب. تجدها معلّقة بتردّد على حبل مرتفع عن الأرض كي لا تتّسخ، مغسولة بما تيسّر من مياه، مثبّتة بملاقط إن وجدت.

حبال الغسيل في أحد مراكز الإيواء

أحاديث تحاكي أهوالًا

الثياب على الحبل تحاكي حال ذويها. أجساد مشلوحة على حبال، تحاول الثبات دون جدوى، لكنّها مصرّة على أن تحافظ على توازن انتمائها إلى أرضها وإيمانها. بعد كلّ جولة حرب تخسر جزءًا من قدرتها على الاستمرار، وكلّما زادت الجولات، ازدادت الخسائر وباتت أكبر من قدرتها على الهضم والتأقلم، مع ما ينتظرها من مصير مجهول أصعب، وسط إهمال غير مبرّر من ذوي القربى.

في رأسي لا يتوقّف صخب أحاديث الجنوبيّين عن أهوال ما يمرّون به، في هذه الرحلة القسريّة التي بدأت منذ قرابة ثلاث سنوات، فكلّ ما لديهم أنفقوه على جولات النزوح المتلاحقة، واليوم لم يعد لديهم أيّ شيء. كلّما هدأ الصخب برأسي يعود مشهد الخيام الزرقاء في الجامعة الإسلاميّة ليلحق به صور ثابتة غير متحرّكة، لوجوه شبّان وشابّات لم يبلغوا الثامنة عشرة بعد. وجوه شاحبة بنظرات تتآكلها حسرة متخفّية في ملامح شاخت قبل أوانها، لسان حالها ذكريات بيوت سوّيت بالأرض كأحلام ربيع عمر لم يدركوه بعد.

منذ اليوم الأوّل للحرب، لم تهدأ الأفكار في ذهني. الصور والأصوات لا تغادرني، فيعود الحنق على كلّ شيء حصل وما زال يحصل لنا. أشعر وكأنّني أريد أن أتقيأ الحروب وآلامها، الخسارات ونتائجها ولكن لا جدوى من كلّ ذلك.

أمّة جوفاء

نحن وحدنا شعب أو شعوب في أمّة جوفاء.

مساءً، وفي المقلب الآخر من هذا الوطن الكذبة، هناك من يعود إلى أمان المنزل، يتناول الطعام الساخن، يستحمّ بماء نظيف دافىء، ثمّ يلقي مداخلة عن قوّة الصمود، ويكتب منشورًا عن جدوى كذبة العيش المشترك، قبل أن يختتم يومه في سريره المريح إلى جانب امرأة لا يهمّ من تكون، المهمّ أن تحتوي تعب كذبه الاستراتيجيّ.

أغمض جفنيّ على عجل كي أسرق غفوة، لكن فجأة تقتحم ذهني عبارة قالها لي شابّ جنوبيّ وهو يعرّف عن نفسه: “أني من كفرّرمان، فيها حرف راء مكرّر، دايمًا بغلّطوا فيها لمّا يكتبوها ونحن بنعصّب كتير، لأن هيّي كفرّ رّمان،  بكرا لمّا نرجع وبتجي لعنا بتشوفي قدّيه كفرّرمان حلوة، بس ما تنسي تكتبي الراء مرّتين أحسن ما نزعل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى