المصوّر أحمد فرحات يطوي ألبومات الذاكرة الفوتوغرافيّة ويرحل

يغادرنا اليوم إلى جوار بارئه، أخر مصوّري الزمن الجميل وكبارهم في النبطيّة وكفرّرمان أحمد نعمة فرحات (1936- 2026) “أبو عفيف” المعروف بـ”البطل”، إذ خاض في ريعان شبابه هواية المصارعة الحرّة وحصد جوائز قبل أن يتفرّغ إلى التصوير الفوتوغرافيّ كهواية ومهنة، بيد أنّ لقب البطل لازمه إلى أخر العمر، إلى حين رحيله مساء أمس عن 90 عامًا.

نتذكّره صغارًا، إذ كان نجم كلّ مهرجان أو أحتفال على مسارح وملاعب بلدة كفرّرمان، مسقط رأسه، يوم كانت جارة النبطيّة تتميّز بنشاطها الثقافيّ والرياضيّ والفنّيّ. وحضور أبو عفيف البطل يكاد يوازي حضور أيّ نجم ضيف على البلدة الغنيّة بتنوّعها السياسيّ، في عمل مسرحيّ أو غنائيّ أو مباراة رياضيّة وكانت كفررمان في حينه قبلة رياضة الكرة الطائرة؛ وكان أيّ نشاط لا يكتمل من دون حضور العين الوثّاقة الساحرة.

عينٌ وثّقت الذاكرة

كان “فلاش” كاميرته أشدّ سطوعًا وعينه أكثر إلمامًا، وهو يلتقط ذكريات القرية في حياتها الثقافيّة والاجتماعيّة، حتّى دخلت صوره بالأبيض والأسود إلى كلّ بيت في كفررمان، من صغارها في ريعان النموّ والشباب وفرح الحياة، إلى كبارها في حقولهم وأعمالهم ونشاطاتهم وبين عائلاتهم، وقد رحل معظمهم، فيما تجاوز جيل الصغار ممّن صوّرهم أحمد فرحات اليوم الستين والسبعين.

وعدسة أحمد فرحات لم تكتفِ بتصوير حياة القرية والناس في كفررمان، بل أرّخت لمدينة النبطيّة ومناسباتها وكثيرًا من مظاهراتها التي ملأت الشوارع انتصارًا لقضيّة مزارعي التبغ وحرمانهم من حقوق تعبهم ومشقّات هذه الزراعة، واستنكارًا للحرب الأهليّة اللبنانيّة التي هبّت في نيسان (أبريل) 1975 وما خلّفته من خسائر دامية وتشريد وفرز للسكّان أبناء الوطن الواحد. ناهيك بالمناسبات المختلفة، السياسيّة والحزبيّة منها في عزّ تنامي دور الحركة الوطنيّة اللبنانيّة في الجنوب ومنطقة النبطيّة تحديدًا، إلى الدينيّة ومراسيم عاشوراء واحتفالاتها ومسيراتها ونشاطات المدينة الفنّيّة الثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة.

صورة من أرشيف المصور الفوتوغرافي الراحل أحمد فرحات لمظاهرة في النبطية
والوجوه القرويّة الاستثنائيّة

وصوّر أبو عفيف لمصلحة الصحافة اللبنانيّة، إذ غطّى النشاطات السياسيّة للقوى والأحزاب الوطنيّة في بيروت والنبطيّة ومنطقتها وعلى امتداد الجنوب، والاجتماعات واللقاءات الحزبيّة، إلى الاعتداءات الإسرائيليّة التي بدأت تتعرّض لها النبطيّة منذ العام 1974.

ولم تغب عن أرشيف أحمد البطل الوجوه القرويّة الاستثنائيّة، من شخصيّات وفاعليّات البلدات والقرى، البارزة في الحياة السياسيّة والتربويّة والحزبيّة، إلى وجوه البسطاء والفكاهيّين. هذا الأرشيف الغنيّ الذي جرى نسخه بصيغة رقميّة (ديجيتال) تحت عنوان تكريم صاحبه وكفررمان، سرعان ما انتشرت صوره الرقميّة فيما اختفى “النيكاتيف” (السلبيّ) الغنيّ بآلاف الصور التي تعتبر تاريخيّة بالنسبة إلى نحو خمسة أجيال أو ستّة واكبها أبو عفيف في مراحل مختلفة من حيواتها.

هذا الأمر ترك غصّة وحزنًا في نفس صاحب الذاكرة، إذ باتت صوره القديمة تستخدم هنا وهناك من دون الإشارة إلى مصوّرها وصاحبها، يضاف إلى ما دمّرته الحرب في بيروت، وما تعرّضت له كفررمان، حيث يقيم، من قصف واجتياحات مختلفة، مما جعله لا يملك من أرشيفه شيئًا.

المصوّر الفوتوغرافي الراحل أحمد فرحات

بعين المجلس الثقافيّ الجنوبيّ

حينما تطالعنا الذاكرة من خلال صور فوتوغرافيّة التقطها المبدع “أبو عفيف البطل”، يعترينا إحساس مزدوج متماوج بين الحنين والحزن في آن معًا، فثمّة وجوه ها هي تفرح وتهلّل وترقص وتحتفي بأعيادها وأعراسها، وتلك وجوه غابت وتركت أثرها في النفس والذاكرة، وحدها صور أحمد فرحات من تبقي الذاكرة حيّة ومؤبّدة إن حسنت إدارتها والاهتمام بها.

هكذا فعل أحمد فرحات، فطوبى لعينيه التي رصدت ذاكرة كفررمان والنبطية وعايشت حقبة خمسين عامًا من أفراحها وأتراحها، فضلًا عمّا قدّمه في عالم الصحافة والسياسة.

كرمه المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في النبطيّة وجمعيّة بيت المصوّر في لبنان خلال الـ23 من تموز (يوليو) 2016 وعرض له مجموعة كبيرة من أعماله بالأبيض والأسود، ومنحه وسام المجلس وشهادة تقدير وامتنان من “بيت المصوّر”، نظرًا إلى “ما قدّمه في عالم التصوير الفوتوغرافيّ، من الأسود والأبيض إلى الملّون، وفي إغناء الذاكرة الشعبيّة والوطنيّة وإحيائها من خلال صوره التي التقطها على مدى نصف قرن لتشكّل رصيدًا يغني مكتباتنا ويزين بيوتنا، في كفررمان والنبطيّة وفي جنوب لبنان”.

مصوّراتي كفرّرمان وداعًا

ونعاه موقع كفررمان ضيعتنا تحت عنوان: “مصوّراتي كفرّرمان.. وداعًا”. وجاء: “أقفل المصوّر أحمد فرحات حياته على تاريخ حافل بالعطاء. ابن الجيل الرائد في التصوير في منطقة النبطيّة، وأحد أوائل من حملوا الكاميرا فيها، التحق بجوار ربّه تاركًا خلفه إرثًا كبيرًا من الذاكرة المصوّرة المؤرشفة، التي تختزن تاريخ جنوب لبنان بكلّ أحداثه وتفاصيله وأفراحه وأحزانه”.

وأضاف: “لم تترك عدسة أحمد فرحات حدثًا إلّا ووثّقته، ولا مرحلة إلّا وحفظتها في صورة. كان شاهدًا على تحوّلات الجنوب، وعلى الحروب، وعلى محطّات سياسيّة واجتماعيّة عديدة، من تاريخ أحمد الأسعد إلى زمننا الحاضر. رحل أحمد فرحات، ورحلت معه حكاية مصوّر عاش عمره خلف العدسة، بدأ حياته بصورة، وأنهاها بصورة، تاركًا للتاريخ ما لا تستطيع الكلمات وحدها أن ترويه”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى