مطر فوق الشجر المقتلع.. كيف الطقس ببنت جبيل؟

في الـ10 من أيلول (سبتمبر) 2025، استيقظت بمزاج رائق، الطقس جميل اليوم، أتى عصفور إلى نافذتي هذا الصباح أيضاً، خبّط جناحيه على الزجاج ثمّ طار. أعددت فطوري، فطيرة بيض وجبنة حلّوم، واحتسيت قهوتي عند جارتي زينب.
بعد الظهر ذهبت إلى النادي الرياضيّ، وعدتُ وتناولت حاجتي من البروتين. وفي الليل سهرت مع أصدقائي. كانت المسيّرة منخفضة جدّاً هذه الليلة، لكنّني عدت ونمت في سريري.
اليوم الأربعاء الـ10 من أيلول 2026، الساعة التاسعة وثماني دقائق، قام العدو الإسرائيليّ بتفجير تلّة عليّ الطاهر بأكثر من 1100 طنّ من المتفجرات، زاعماً تدمير شبكة أنفاق، وأحدث الانفجار هزّة أرضيّة بما يعادل زلزالاً بقوّة أربع درجات.
حاول جسدي امتصاص الصدمة. استيقظت في الخامسة فجراً، تقيّأت كلّ ما أكلته في لحظات غضبي، أجّلت مشواري الأخير إلى البحر هذا الصيف، ألغيت كلّ خططي، توقّفت عن متابعة آخر الأخبار.
قضيت نهاري نائمة، وقلبي كلّما دقّ آلمني. على رغم أنّه، منذ تدمير قريتي (بيت ليف في قضاء بنت جبيل)، لم أعد أشعر بالأسف تجاه أيّ شيء آخر، لكنّ الظاهر أن “الجواهري” أخطأ؛ ما زال فيّ ما يبتزّه الألم.
لا أحد بانتظاري
ما زالت الكتابة ترهقني. في كلّ مرّة أشعر وكأنّي أقوم بسلخ جلدي، أو أنّ 1100 طنّ من المتفجّرات تعصف بداخلي.
أتناول كعكاً وفنجان شاي من دون سكّر؛ أغمّس الكعكة قليلاً، آكلها بغضّ النظر عن طعمها، ككلّ الأشياء التي أُجبرت على قبولها بعيداً من تفاصيلها، وأفكّر:
لا أحد هناك بانتظاري
ظلّي مطبوعٌ على حافّة العمر
وقعتُ، ارتفعت، متُّ؛ عشتُ
لستُ أدري.
ظلّي أحفورة بين طبقات الصخر
مرّ عامٌ
مرّ عامان
مرّت أعوامٌ
لستُ أدري.
طبقة فوق طبقة
ممرّ وغرفة
والجدران رطبة
تنبت بها بذور التمر
متاهة الكهف تجعلني أبكي.
وأبكي فوق فنجان الشايّ من دون سكر.
أنتظر نبيّاً معاصراً يحمل نبأً، أو سورةً عن أصحاب “النفق”. قالوا إنّه فارغ، وقالوا إنّهم مجهولو الهويّة والعدد.
لعقوا الندى
في الشهر الأوّل أكلوا ثلاث حبات من التمر، في الشهر الثاني لستُ أعلم، في الشهر الثالث انتظروا الجدران كي تصير رطبة، لعقوا الندى، ولم يهربوا.
هذا العالم كريه.
انتظرت حزناً لائقاً بالموتى، وصمتاً يليق بحجم الكارثة. جلّ ما يفعله البشر الثرثرة، والمضيّ قدماً.
صوت فيروز يتنقّل بين الخلايا العصبيّة في رأسي: “يا حبيبي شو نفع البكي”؟
ما نفع القواعد؟
يتوسّل وسواسي القهريّ معنىً، وجواباً حاسماً، وأنا أتخبّط بين القيل والقال، بالكاد أفصل بين الحلم والواقع. بالأمس كنت أركض في طريق الجبل، اليوم أشكّ بأنّ قدميّ تطآن إسفلت الشوارع الأخرى.
أكمل تغميس كعكتي:
والموتُ دخانٌ أسود
ينتشر بين القرى
وقلبي قمر محاق
يخشى الليالي المظلمة
كيف بعليّ الطاهر وحده
داخل التلّة
يحاول عدّهم
ينادي الأسماء كلّها
والمفجّر يعدّ
אחד, שתיים, שלוש
آخاد، شتايم، شالوش
وعجّ الليل، تلوّى في كبده
طار الحمام من بين اللهب
فرّ الموت بدخانه
مزّق القندول عباءته
شتمنا كي نموت
صرخ بنا كي نموت
لكنّنا التقطنا له الصور
وقرأنا الضحى
والليل إذا سجى
عالمٌ تنهار فيه التلال
لا أستطيع إكمال كعكة أخرى، ولا نصّاً يستوفي الشروط.
لكنّ عالماً تنهار فيه التلال، تتراكم الجثث بعضها فوق بعض، تتسابق الدول من أجل حيازة سلاح أكثر فتكاً، وتُستخدم فيه يوميّاً مئات الأطنان من المتفجرات، ويضطرّ المرء إلى أن يشرح ويبرّر حقّه، ما نفع القواعد والشروط؟
أحاول العودة إلى سجيّتي.
لماذا يضطرّ المرء أن يعيش أيامه في الحاضر، محاولاً العودة إلى كلّ شيء في الماضي؟
ما حال الطقس في بنت جبيل؟
أنهي طعامي وبكائي، وينقلني وسواسي القهريّ إلى أسئلة جديدة:
ماذا بعد عليّ الطاهر؟ هل يتوقّف الاحتلال أو يعود أدراجه؟
كل التحليلات التي قرأتها، لم أجد في أيّ ورقة منها، ولا على الهوامش، أيّ ذكر للعودة إلى القرى الحدوديّة.
ما زلت أضع على شاشة هاتفي إشعاراً بحال الطقس في بيت ليف. هذا التفصيل الصغير جدّاً لم أستطع، في لحظة، أن أغيّره إلى اسم منطقة أخرى أعيش فيها، ويلزمني معرفة حال الطقس فيها أكثر. ما حال الطقس في قرى بنت جبيل؟ متى ستمطر فوق الشجر المقتلع؟
أفكّر في الحيوانات الضالّة، إن وجدت ما تشربه، وفي حال البلبل إن عاد إلى عشّه، والدوريّ الصغير إن وجد سقفه. هل ما زال ذلك العصفور يأتي كي يطرق زجاج نافذتي؟
أفتقد صوت البومة الفضّيّة
كيف أهرب من الشتاء قبل أن يأتي، أو أطرد الغيمات الرماديّة الداكنة من فوقي، ومن فوق بيتي؟ كيف أطلب من حبّات المطر أن تتمهّل في هطولها فوق بيوتنا؟
تدور الأرض، ويمرّ النهار، ويتسّع الكون ويتمدّد، وتولد نجوم وتموت، وتتغيّر حيوات كثيرين من البشر بين الثانية والأخرى. وكلّ هذا الاتّساع، لا يعوّض المرء عن فقدان زاويته المفضّلة.
يبدأ الليل، يهبط مثل مكبس حديد، أفتقد صوت البومة بعد الثانية عشرة. كنّا أصدقاء في الحارة نفسها، ننتظر صوتها حتّى نتراسل ونطمئن بعضنا بعضاً بأن البومة الفضّيّة ما زالت حيّة وتعشش في حارتنا.
إنّها الثانية فجراً؛ أقرأ أنّ المحتلّ سيعيد انتشاره ضمن “الخطّ الأصفر”، (دونالد) ترامب يريد إنهاء حربه مع إيران، نتنياهو يحضّر نفسه للانتخابات، أُلغي عرس ابن علي حسن خليل في قصر سرسق، صديقتي تحاول تخطّي حبيبها السابق، وأغنية أصالة تحصد أكبر عدد من المشاهدات.
لم أقرأ خبراً واحداً عن عودتنا إلى حياتنا التي سُلبت منّا. لا أحد يهتمّ ما إذا كانت البومة الفضّيّة ما زالت تعشش في حارتنا.
أسافر إلى الدار
أنظر إلى السقف ويفتح لي شقّاً زمنيّاً لأسافر إلى الدار، حيث أرى:
عصفوراً يقف فارداً جناحيه
في سماء داري
أين العشّ؟
أين كاسة الماء؟
أين الرزّ المطبوخ على الحافّة؟
يغرّد وحده
هنا كان لي نافذة
على الجانب الآخر
فتاة في سريرها
ألعب معها “الغمّيضة”
تقترب منّي فأطير
تعود لسريرها فأعود
أنقر نقرتين على الزجاج
تضحك لي
أنقر ثلاث نقرات
تغنّي لي
تجهّز نفسها
كي تحلّق معي
فوق المغارة
نحو الحلم
تحت نجم الأصيل.
أخاف عليها من الخذلان
لذا أرفرف لها بجناحَيّ
امتناناً، ووداعاً
ثمّ أطير.



