ثقافة الاستخفاف في استباحة أعمارنا وبيوتنا ومستقبلنا

أفكّر في كلّ الذين ماتوا، وفي البيوت التي تحوّلت إلى ركام، وفي القرى التي مُسحت عن بكرة أبيها، وفي العمر الذي استهلك في انتظار نهاية لم تأتِ حتّى الآن. لكن ما يشغلني أكثر ويلحّ عليّ باستمرار: كيف أصبح كلّ هذا مألوفًا إلى هذا الحدّ؟ كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف أصبح التهجير جزءًا من سيرتنا الجماعيّة، والهدم ثمّ إعادة التعمير جزءًا من دورة الحياة، وانتظار الكارثة التالية أمرًا عاديًّا؟
مشكلتنا لا تكمن في حرب أو أزمة واحدة، بل في نشوء ثقافة كاملة تتعامل مع أعمار الناس وأرزاقهم، وبيوتهم ومستقبلهم كأشياء يمكن التضحية بها مرارًا من دون أن يتغيّر شيء. وكأنّ الخسارة مسألة ثانويّة عابرة وليست استثناءً. لقد صارت الخسارات جزءًا من نمط حياة تُسيّل في حسابات أكبر منّا.
لا يستوي معنى الخسارة في ما نعيشه جرّاء الحروب والتفسير الحقيقيّ لتلك الكلمة. فالخسارة تحصل عادة نتيجة ظرف أو خطأ ما، لكن ما نعيشه اليوم من خسائر فادحة لا تُوصف يصحُّ أن نُطلق فيها “الاستباحة”. فأن تفقد حياتنا وبيوتنا ومستقبلنا وذاكراتنا التاريخيّة حُرمتها، وأن تصبح جميعها عُرضة للمغامرة والمساومة والتضحية فهذا هو المعنى الحقيقيّ للاستباحة.
في لبنان نعيش تجربة مستمرّة منذ عقود، وهي التكيّف مع الأزمات بدل إنهائها، وإعادة بناء ما تهدّم بدل منع تهديمه.
في مديح الصمود ونقده
لطالما نحتفي بقدرتنا كلبنانيّين على التأقلم باعتباره دليلًا على صلابتنا ومرونتنا وحبّنا للحياة. لكن قلّما طرحنا السؤال المعاكس: ماذا لو كانت هذه القدرة هي نفسها التي تسمح بإعادة إنتاج الأزمات؟ فالمجتمع الذي ينجح دائمًا في التكيّف مع الكارثة، يمنح في الوقت عينه لمن تسبّبوا بها للتملّص من تبعاتها والتهرّب من المسؤوليّة عنها، وبالتالي عدم الحاجة إلى التغيير.
في مجتمعاتنا يتحوّل الاستهتار إلى نهج فيصبح دمار البيوت والأرض مسألة قابلة للتعويض، والأعمار المهدورة مجرّد أرقام، أمّا الأرواح والذاكرة فحدّث ولا حرج! وهكذا لا يعود الإنسان محور القضيّة، بل مادّة تُستهلك في خدمة المشاريع السياسيّة وصراعاتها.
لسنوات طوال، جرى ترويضنا على فكرة قبول الاستخفاف بمصائرنا، سواء عبر خطابات رنّانة عاطفيّة أو عبر استخدام الدين والقضيّة والهويّة والكرامة والصبر كعناوين برّاقة. وباسم هذه العناوين، تحوّلت بعض الاحزاب الطائفيّة إلى أدوات في مشاريع تتجاوز حدود الوطن، وصار يُطلب منّا أن ندفع أثمان قرارات لا نصنعها، وصراعات لا نملك حقّ نقدها ومراجعتها.
الاستهتار كثقافة لا حادثة
لعلّ أخطر ما في الأمر أنّ الاستهتار أصبح حاضرًا بكل تفاصيل حياتنا، في القرى التي أعيد بناؤها مرارًا وتُباد الآن، وفي مواسم النزوح وما أكثرها وغيرها كثير، وما يزيد من عبثيّة هذا الواقع الطلب من الناس التزام الصمت، أو تقديم خسائرهم بوصفها ضرورة لا يجوز مساءلتها، وإن حصل فيكون ذلك الحقّ الذي كفلته الشرائع فعلًا مشبوهًا.
يُطلب منّا أن نسمّي الذلّ صبرًا، والنزوح صمودًا، وهذه الإبادة بكلّ أشكالها كرامة، وضياع العمر قدرًا.
الاستهتار كحالة نفسيّة جماعيّة
ربّما لا تكمن خطورة الاستهتار بمصائرنا بما تؤدي إليه اليوم، بل بما تتركه من أثر في دواخلنا بعد سنوات طويلة من التعايش مع ذلك، فالحروب تعيد تشكيل ما نعتبره طبيعيًّا وممكنًا ومقبولًا. لا يحدث ذلك دفعة واحدة، بل ببطء. في البداية تبدو الاستباحة صادمة، ثمّ مؤلمة، ثمّ مألوفة. مع الوقت، نتوقّف عن سؤال أنفسنا: كيف وصلنا إلى هنا؟ وننشغل بالسؤال الآنيّ: كيف سنتدبّر أمرنا هذه المرّة؟ هكذا تتحوّل الكارثة من حدث استثنائيّ إلى جزء من المشهد، ويتحوّل التكيّف معها من ضرورة موقّتة إلى أسلوب حياة.
لكنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا مع الخسارات من دون أن يمنحها معنى، لذلك لا تنتج الحروب الخراب والدمار فقط، بل تنتج أيضًا الروايات التي تجعل الدمار قابلًا للتبرير والتحمّل. فتصبح الأسئلة عبئًا، وتصبح المراجعة ضعفًا، ويصبح الاعتراض نوعًا من الخروج على سيناريو الجماعة.
في المجتمعات الطائفيّة، تزداد هذه العمليّة تعقيدًا. فالجماعة لا تمنح أبناءها الانتماء وحسب، بل تمنحهم شعورًا بالأمان والمعنى والهويّة. عندها لا يعود نقد القرار السياسيّ حقًّا كفله القانون، بل تهديدًا للانتماء نفسه.
لقد اعتدنا كجنوبيّين على أشياء كان ينبغي لها أن تهزّنا من أعماقنا. وفُرض علينا أن نعيش على الحافّة، بين هاويتين، وأن نتعامل مع هذا العبث كأنّه تفصيل عابر في سيرتنا. وربّما كان أخطر ما حدث في لبنان أنّهم أقنعونا بأنّ هذا الثقب الأسود الذي يبتلع أعمارنا وبيوتنا ومستقبلنا، هو قدر لا يمكن الفكاك منه.
تحويل التضحية إلى واجب
لا تكمن المشكلة في التضحية بحدّ ذاتها، فالتاريخ الإنسانيّ مليء بأفراد وجماعات اختاروا أن يضحّوا دفاعًا عن قضيّة أو وطن أو مبدأ. فالتضحية تكتسب قيمتها الأخلاقيّة عندما تكون فعلًا حرًّا واسثنائيًّا ومحدودًا بظرف معيّن. لكنّ الخطر يبدأ حين تتحوّل التضحية من استثناء إلى قاعدة، ومن خيار إلى واجب دائم، ومن فعل فرديّ إلى وظيفة اجتماعيّة تُفرض على الفئة نفسها من الناس مرّة بعد أخرى.
لم تعد التضحية فعلًا حرًّا، بل أصبحت لغة مفروضة علينا. يُطلب منّا أن نسمّي الذلّ صبرًا، والنزوح صمودًا، وهذه الإبادة بكلّ أشكالها كرامة، وضياع العمر قدرًا.
الأخطر أنّ هذا كله لا يُقدّم كاستثناء، بل كنمط حياة نُرمى به، يُفرض علينا فيه أن نبتلع الخناجر، أن نهجّر كلّ فترة، ثمّ نعود إلى اللايقين، أن نبدأ من الصفر ثمّ نستعدّ لصفر جديد، ومع كلّ دورة جديدة من الخراب، يصبح الاعتراض خروجًا على خطاب الجماعة المفروض علينا كجنوبيّين، والألم شأنًا خاصًا لا ينبغي أن يربك الخطاب العام.
نحن لا نريد نصرًا يُعلّق فوق قبور الأبرياء، ولا فوق البيوت المهدّمة والقرى المُبادة. نريد أن نعود إلى أشيائنا الصغيرة والمألوفة، إلى مفتاح باب لم يُكسر، وإلى شرفة لم تسقط.
الاستهتار منظومة متكاملة
ليست ثقافة الاستهتار في لبنان قرارًا سياسيًّا معزولًا، إنّها نهج كامل يتوزّع على مستويات الحياة كلّها: عائليًّا، حين يُطلب من الفرد أن يصمت أو يتنازل عن مواقفه وآرائه باسم العائلة. وسياسيًّا، حين يطلب من الناس الطاعة باسم الطائفة والقضيّة. واقتصاديًّا، حين يصبح الفقر والانهيار والبطالة كأنّها أقدار شخصيّة لا نتائج خيارات وسياسات مستهترة. واجتماعيًّا، حين يتحوّل التأقلم مع الظلم حديثًا يوميًّا عابرًا، والاعتراض عليه أمرًا عرضيًّا.
هكذا لا يعود الاستهتار فعلًا صادرًا عن جهة واحدة فقط، بل يصبح منظومة عامّة، من البيت إلى الدولة، إلى العمل وغيرها من الأماكن التي تشكّل حيّزًا عامًّا.
“نرجع إلنا إشيا نحبّا وعنّا بيت”
ربّما يبدو الحديث عن المشاريع الكبرى والانتصارات الكبرى أقلّ أهمّيّة من سؤال بسيط ومؤلم في آنٍ واحد: ماذا بقي لنا بعد كلّ ما خسرناه في هذه الحرب؟
تختصر فيروز ذلك في أغنية “يا ريت منن”، حين يصبح أقصى أحلامنا أن تعود لنا أشياء نحبّها، وأن يكون لنا بيت وأرض.
نحن لا نريد نصرًا يُعلّق فوق قبور الأبرياء، ولا فوق البيوت المهدّمة والقرى المُبادة. نريد أن نعود إلى أشيائنا الصغيرة والمألوفة، إلى مفتاح باب لم يُكسر، وإلى شرفة لم تسقط، إلى صورة لم تدفن تحت الغبار، إلى بيت لا يحتاج أهله أن يودّعوه كلّما تغيّر مزاج السياسة.
هنا، تحديدًا، تبدأ مواجهة ثقافة الاستهتار والاستخفاف: ألّا تكون حياتنا وقودًا لمشاريع الآخرين، وألّا تكون بيوتنا وأعمارنا وأرضنا تفصيلًا في حساباتهم، وألّا يكون مستقبلنا قربانًا دائمًا على مذبح صراعات لا تنتهي.



