بين غارة وأخرى: الامتداد اللانهائي للانتظار

يوم خرجت الدبّابات الإسرائيليّة من جنوب لبنان العام 2000 بعد 22 عامًا من الاحتلال، رقصت أمّي فرحًا. إذ بات باستطاعتها رؤية جنوب لبنان بكامله. سألتها أختي يومها: “ألن نسمع أصوات الطيران الحربيّ والقصف الإسرائيليّ بعد اليوم”؟ فأجابتها أمّي على الفور: “نعم!”. كان توق أمّي آنذاك للتخلّص من الاحتلال والرغبة بالانفصال عن الواقع السابق هو ما دفعها لجوابها بـ”نعم”، وبيقين مدهش. إلاّ أن هذا لم يحدث بطبيعة الحال. ففي أيلول (سبتمبر) العام 2024، نزحت أمّي من منزلها عقب قصف إسرائيليّ كان يحيك الوديان بالغارات.
أستيقظ منذ عامين ونصف العام تقريبًا على الأخبار العاجلة نفسها، تعلو حدّتها أحيانًا وتخفت أحيانًا أخرى، في دوّامة تتسلّل إلى دماغي تلقائيًّا من فرط تكرارها، إلّا أنّ ثقلها يزداد ويدفعني نحو الإنهاك التامّ. لم تعد تكمن الكارثة في الفعل المأسويّ بحدّ ذاته، بل في الاعتياد الذي حوّل الفاجعة اليوميّة إلى مادّة استهلاكيّة، تسلبني القدرة على الاستجابة للصدمات المتتالية، التي ما زلت أختبر تبعاتها وثباتي المتهالك معها.
دوامة السقوط والاعتياد القاتل
عامان ونصف العام وإسرائيل تشنّ حربًا طاحنة على جنوب لبنان. أنغمس في أتون الأحداث، وتنقلب حياتي مع كلّ منعطف، محاولة استجماع تفاصيل ثباتي المتهالك. دائمًا ما تخطر في ذهني العبارة الوجوديّة في فيلم “المنصّة”(The Platform) الإسباني” هناك ثلاثة أنواع من البشر: من هم في الأعلى، ومن هم في الأسفل، ومن يسقطون “… أشعر أنّني غارقة في تجربة السقوط هذه.
لكن ماذا يعني السقوط فعليًّا؟ هل هو تلاشي الفردانيّة والإنسياق وراء مشاعر مبرمجة تحيل الفاجعة إلى ثرثرة يوميّة؟ أم هو مواجهة الحقيقة العارية بعد تبدّد الأوهام؟ أم إنّه المأساة الكبرى المتمثّلة في خروج الإنسان من حالة اللاشعور بالزمن والانفصال عنه، إلى وعي مؤلم وحادّ؟
“سلسلة غارات جنوب لبنان”
على رغم كثرة التنظيرات الفلسفيّة، إلاّ أنّ الحرب الإسرائيليّة تجسّدها جميعها. ولعلّ أفظع وجوهها هو أنّنا نسقط من شدّة التكرار. أختبر السقوط كلّما قرأت عبارة “سلسلة غارات على مناطق متفرّقة في جنوب لبنان”. أقرًا هذا الخبر العاجل مرّات عدّة في اليوم، حتّى بات يمرّ عليّ باعتياديّة قاتلة، فأرتعب من هذا الهدوء. أتّصل فورًا بصديقتي العالقة تحت القصف هناك، لأذكّر نفسي بأنّ في أحشاء هذا الخبر الجافّ تكمن مأساتنا الجماعيّة اللامتناهية، التي تحوّلت لأن تكون ندوبًا يستحيل التخلّص منها حتّى مع انتهاء الحرب.
تجيب، فأبدأ حديثي بجملة سخيفة تتكرّر مع كلّ اتّصال: “شو وضع الضرب؟ قوي الصوت؟” تخبرني أنّها بخير مع صوت يرتجف، فأحزن أكثر. لماذا توهم نفسها بأنّها بحال جيّدة في ظلّ كلّ هذه البشاعة؟ نفتح الكاميرا، فيطلّ وجهها الشاحب، متأرجحًا بين هدوء مريب وهستيريا مكتومة. بداية، تخبرني عن طنين أذنها مع كلّ غارة، وكيف أنّها بلغت مرحلة الاشمئزاز، الذي تعتبره أشدّ قسوة من الخوف. فجأة ينقطع صوتها، تدير الكاميرا نحو السماء، فأرى الطائرة الحربيّة الإسرائيليّة بالعين المجرّدة.
في تلك اللحظة، أدرك تمامًا ماهيّة الواقع المسخ الذي نتقاسمه. لقد شوّهتنا الحرب، لدرجة أنّنا نتعامل مع أنفسنا على أنّنا وليدي فوضى ظرفيّة، لا تراكمات طبيعيّة لإنسان يعيش حياته. يخلّف عبور الطائرة الحربيّة فوق الجبل الذي طالما تقاسمنا مداه من شرفة غرفتها، هدوءًا مريبًا، تتجلّى فيه كلّ معاني الخوف.
أدخل كلّ ليلة إلى المنزل الذي نزحت إليه،ثمّ أتمعّن في الصور القديمة المعلّقة على الحائط لأناس لا أعرفهم، إلاّ أنّ الحرب الإسرائيليّة شاءت أن تربط مصيري بمصائرهم.
رعب متلازم منذ الصغر
ماذا يعني أن تبقى عالقًا في جنوب لبنان في ظلّ القصف العشوائيّ، وتقتات على رعب متلازم منذ الصغر؟ يعني أن يتمدد الزمن تحت ثقل العجز والاستنفار الداخليّ حتّى يصل إلى مرحلة يبدو وكأنّه لا يمرّ. يتكثّف مراكمًا زخمًا من التوتّرات ثمّ يقذفها دفعة واحدة في الكينونة البشريّة.
إنّه زمن الانتظار المرعب بين غارة وأخرى، الامتداد اللانهائيّ الفاصل بين موت وموت. على رغم أنّني رفضت أن أعيش في ظلّ هذا الانتظار، الذي كان يمكن أن يقتلعني من مسار الزمن الطبيعيّ. إلاّ أنّني وعلى رغم جميع المحاولات، أعاني وبشدّة من انفصال حادّ عن كلّ ما يربطني بما قبل عامين ونصف عام.
هندسة الخراب ومخاض عارٍ
أدخل كلّ ليلة إلى غرفة في المنزل الذي نزحت إليه. تبدو هذه الغرفة منفصلة تمامًا عن العالم، وكأنّها من زمن بعيد. إلاّ أنّها تشكّل بالنسبة إليّ فضاءً من المساءلة والحرّيّة المطلقة. توحي باستقرار سرعان ما ينقلب إلى مواجهة بالغة القسوة مع حقيقتي العارية. أحدّق بالشبابيك الواسعة الكبيرة، ثمّ أتمعّن في الصور الزيتيّة القديمة المعلّقة على الحائط لأناس لا أعرفهم، إلاّ أنّ ماكينة الحرب الإسرائيليّة شاءت أن تربط مصيري بمصائرهم.
تصطدم أشيائي المبعثرة، حصيلة عامين ونصف والعام من حاجات النزوح ولملمة مستعجلة، غير طبيعيّة، ومتكرّرة، بأشيائهم القديمة التي تبرز تاريخهم بشكل واضح وشفّاف. لم يتمّ المساس بتاريخهم، لدرجة أنّهم وعلى رغم مرور الزمن يبدون مرئيّين وموجودين أكثر منّي.
أدرك عندها كم أنا عاجزة عن استيعاب آليّة انفصالي عن الماضي بهذا الزخم، الذي تلاشى ممتدًّا في مساحة من الفراغ. لقد اختبرت خلال العامين الماضيين اللااستقرار بكلّ أنواعه وأشكاله، الذي أفضى بي إلى حال من التصدّع الوجوديّ. أحاول كلّ ليلة، بعد أن أجلس على كرسيّ “بلاستيكيّ” مقابل الخزانة التي يصل عمرها إلى مئة عام، ملء هذا الفراغ عبر تكرار فعل تذكّر منزلنا في جنوب لبنان.
التقاط الذاكرة وإنذارات الإخلاء
لم أرَ المنزل منذ اندلاع الحرب الأولى، والآن يرزح تحت وطأة الثانية. البيت الذي يبدو وكأنهّ لم يسكنه أحد قطّ، وأثر من ماضٍ سحيق أصحابه غير معروفين. أسترجع تفاصيل كنت أحفظها عن ظهر قلب: رسوم البلاط، الثقوب في الجدران، أبعاد المنزل وزواياه، لكنّها تفلت منّي. أجرّب أن أتذكّر حتّى التفاصيل التي كانت تزعجني، كالطلاء المقشّر بفعل الرطوبة، إلاّ أنّ شعور الانفصال يتكرّس أكثر، وتفشل ذاكرتي مرّة أخرى في تثبيت وعيي بكلّ تناقضاته كي لا يتحوّل إلى سراب.
أعاود التقاط ذاكرتي كمن يوجّه كاميرا نحو نقطة ثابتة، إلاّ أنّ الصورة تتشوّه وتضمحل. تخون ذاكرتي وظيفتها. فقد استطاع خوفي المستمرّ من الحاضر اختزال الماضي؛ إذ تمكّنت إسرائيل من تكثيف حياتي كلّها وضغطها في لحظة رعب، تتبخّر معها كلّ التفاصيل الأخرى، وتفصلني عن تاريخي الذي هو أكبر دليل على وجودي.
يحدث الانفصال في كلّ مرّة يصدر فيها الجيش الإسرائيليّ إنذار الإخلاء؛ وهو تهديد بالقتل يعرّيك تمامًا أمام نفسك وأمام كلّ ما حولك. أفتح التلفاز بعد خبر الإخلاء فتنقسم الشاشة إلى ثلاثة أقسام: الأوّل يوثّق الدمار في قرى جنوب لبنان، والثاني يرصد طوابير النزوح الفارّة من القتل الإسرائيليّ، والثالث مقابلة مع خبير سياسيّ يكرّر بارتياب عبارات مثل: “سياسة الأرض المحروقة “، أو ” التدمير الممنهج”، و”عقيدتيّ بيت حانون ورفح”.
أقف اليوم أمام مشهديّة مرعبة، شوارع عبرتها آلاف المرّات، والآن لم يعد بإمكاني التعرّف إليها.
انسلاخ تدريجيّ
تبدو العبارات باردة وتلقينيّة، لكنّها هي لغة الاختزال الأولى، التي تصبح أعنف من فعل القتل بشكله المادّيّ والمتعارف عليه. يضطرّ الفرد في حينه إلى أن يتنازل بملء إرادته عن فرديّته، وأن يقلّص ماهيّته، حتّى يصبح مجرّد كائن بيولوجيّ يعيد صياغة نفسه وفقًا لشروط الخراب.
إنّه الإنسلاخ التدريجيّ، والعيش القسريّ ضمن رفات نسخة قديمة تهاوت وسقطت وتمّ اختزالها لدرجة أنّها لم تعد تترك أيّ مساحة للحرّيّة. بعد الإخلاء، يبدأ التدمير الممنهج للمناطق والقرى عبر القصف الهيستيريّ، ويجبر الإنسان في هذه الحال على قذف نفسه في المنفى.
كيف يتمّ النظر إلى المنزل في اللحظة التي يصدر فيها الجيش الإسرائيليّ تهديد القتل الأوّل، أي الإخلاء؟ ما هو مستوى حدّة تلك النظرة وصخبها المفجوع، وهي تحاول في ثوانٍ معدودات أن تثبت لنفسها أنّها ما زالت تحفظ كلّ شيء، وباستطاعتها حماية نفسها ووجودها قبل أن تتهاوى في المجهول؟ تنهار بعدها كلّ محدّدات الفرادة الإنسانيّة، لأنّ لا أحد يستطيع حمل ما يثبت وجوده الإنسانيّ قبل أن يلقى في مخاض “الحياة العارية”، التي تقيّد تفكيره في تناول ما يجعله ينجو في الأيّام المقبلة.
إعادة صياغة الذات
أقف اليوم أمام مشهديّة مرعبة. لم أكن أظنّ يومًا، أنّ الكارثة ستصل بنا إلى هذا الحدّ. تميتني مشاهد الدمار في جنوب لبنان؛ شوارع عبرتها آلاف المرّات، والآن لم يعد بإمكاني التعرّف إليها. أشعر أنّ كل تجاربي التي راكمتها هناك تحوّلت إلى غبار متناثر في أرض قاحلة تشبه الصحراء. هذا هو وجه التحضّر المزيف الذي يخفي حقيقة البرابرة وقاتلي الحضارات؛ ما تفخّخه إسرائيل اليوم هو تاريخنا البديهيّ والفطريّ.
بعد كلّ ما شهدته وعانيته، وبعد أن عجزت تمامًا عن البقاء في بيتي واحتواء نفسي. أعيش مزيجًا بين العجز والبلادة. لو كان بإمكاني تناول حبوب فقدان ذاكرة عن سابق اصرار وتصميم، لأن النسيان هو محاولتي الأخيرة للنجاة من هذا العالم القذر الذي يصرّ على سحقنا جميعًا.



