بيتنا في الخيام يعاند الريح ويفترش الركام

لم يكتب أحدٌ اسمه في قوائم الخسائر، ولم تتزاحم الكاميرات أمام ركامه، ولم تُرفع صورته على شاشات الأخبار. كان بيتًا متواضعًا يقف عند طرف الحكاية، كشيخٍ متعبٍ اعتاد أن يمرّ الناس بقربه من دون أن يلتفتوا إلى تجاعيد جدرانه.

وحين جاءت الحرب، سقط بصمتٍ يشبه حياته كلّها. لم يهتزّ العالم لانهياره، ولم تُعقد لأجله المؤتمرات، ولم تُحصَ أحجاره بين ما تهدّم من أوطان. اختلط غباره بغبار الطرقات، كأنّ الفقر لا يحرم البيوت من الرفاه فقط، بل يحرمها أيضًا من حقّ الرثاء.

ذلك البيت الذي عاش سنواتٍ طويلة في الخيام، يخبّئ برد الشتاء عن أصحابه، ويجمع فوق سقفه أحلامًا صغيرة بحجم رغيفٍ ساخن أو موسم زيتونٍ كريم، انتهى إلى كومةٍ من حجارة منسيّة. لكنّه، على رغم كلّ شيء كان ذاكرةً كاملة، وأعمارًا معلّقة على الجدران، ودفاتر مدرسة، وصور أعراس، وضحكات أطفال كانت تملأ الغرف الضيّقة دفئًا واتّساعًا.

وحدها الريح تعرف اليوم مكانه. تمرّ فوق الركام وتهمس بأنّ البيوت الفقيرة أيضًا كانت تستحقّ أن يُلتفت إليها، وأنّ الخراب لا يصبح أقلّ وجعًا لأنّ أصحابه كانوا فقراء.

جدّي وبيتنا الذي كان

خسر جدّي في القمار واحدًا من أجمل بيوت الخيام. كان شاعرًا وحلّاقًا وقلّاع أضراس، رجلًا يوزّع حياته بين القصيدة والمهنة والمصادفة، حتّى انتهى به المطاف إلى دونم أرض تركه لأولاده الثمانية. لكنّ الحرب كانت دائمًا أسرع من المواريث؛ خطفت أحد أبنائه مقاتلًا على طريق فلسطين، وتوزّعت الأرض على من بقي منهم.

من حصّتنا في الدنيا قامت غرفتان صغيرتان تحت “القشلة”، في أعلى نقطة من الخيام، تواجهان جبل الشيخ. هناك نشأتُ بين أمٍّ تكافح من أجل خمسة أبناء، وعمّين كانا أقرب إلى الأخوين، أحدهما أصغرنا جميعًا، فقد حملت جدّتي وكنّتها طفلين في الموسم نفسه، كما كانت تفعل نساء الجنوب اللواتي لا يعترفن كثيرًا بالفواصل بين الأجيال.

في تلك الغرفتين، تعلّمتُ أسماء الفصول وأشكال الغيوم. ومن نافذتهما رأيتُ القمر يطلع فوق جبل الشيخ ككريستالة فضّيّة عملاقة، يسكب ضوءه على السهول والوديان والبيوت النائمة. وهناك أيضًا بدأت أولى شذرات الشعر تتجمّع في داخلي، مثل ندى خفيف على عشب الفجر.

لكنّ البيت الذي بناه الفقر لم يتركه التاريخ وشأنه.

نحن قوم نلتهم لقمتنا بعرق جبيننا على عجل بين حرب وأخرى وبين نزوح ونزوح.

حكايا النزوح والعودة

في عدوان الحرب الإسرائيليّة الأولى (1977)، لم يكتفِ القصف بالخوف، بل اقتلع حديد السطح نفسه، على أيدي سكّان جيران القرى، كأنّ السماء أرادت أن تنكشف فوق رؤوسنا دفعة واحدة. ثمّ جاء الاحتلال، وأجبرنا الجنود الإسرائيليّون على النزوح سيرًا على الأقدام نحو حاصبيا. ستّ ساعات طويلة بمحاذاة النهر، نحمل ما خفّ من المتاع وما ثقل من الخوف. كانت الطريق أطول من أعمارنا الصغيرة، وكانت أقدامنا تتعلّم باكرًا معنى أن يصبح الإنسان لاجئًا داخل وطنه.

عدنا لاحقًا إلى الغرفتين، كما تعود الطيور إلى أعشاش أصابتها العاصفة. رمّمنا ما تهدّم، ورتّبنا ما بعثرته الحرب، وأقنعنا أنفسنا أن الحياة أقوى من الخراب.

ثمّ جاءت حرب 2006. هُدم البيت مرّة أخرى، كأنّ القدر لم يكتفِ بالمرّة الأولى. لكنّ العائلة نهضت مجدّدًا من بين الركام. وعلى أنقاض الغرفتين ارتفع منزل من طبقتين. كان ذلك أكثر من بناء؛ كان إعلان انتصار صغير على كلّ ما حاول اقتلاعنا من الأرض.

عن الحروب التي لا تتعب

في العام 2024 عاد الخراب للمرّة الثالثة. هذه المرّة لم يترك جدارًا يستند إلى جدار. سُوّي البيت بالأرض، واختفت الطبقتان مثلما اختفت قبلهما الغرفتان، وكما اختفى قبلهما بيت الجدّ الجميل الذي ضاع على طاولة القمار.

ثلاثة بيوت في عمر عائلة واحدة: بيت خسره الحظّ، وبيت هدمته الحروب مرّتين، وبيت ثالث محته النار تمامًا. ومع ذلك، كلّما نظرتُ إلى الركام، لا أرى حجارة مكسورة. أرى سلالة كاملة من البشر كانت تعيد بناء حياتها كلّما سقط سقف فوق رؤوسها.

لهذا أعتقد أنّ ما ورثتُه حقًّا لم يكن بيتًا ولا أرضًا. ما ورثتُه هو هذه القدرة الجنوبيّة العنيدة على البدء من جديد. وورثتُ أيضًا ذلك القمر الذي ما زال يطلع فوق جبل الشيخ، كأنّ شيئًا لم يحدث، حارسًا صامتًا لكلّ البيوت التي سقطت، ولكلّ القصائد التي وُلدت من أنقاضها.

كنت أسأل نفسي دائمًا: لماذا لا يوجد في بيتنا غرفة طعام كالتي نراها في بيوت الآخرين؟ فكان الجواب يرتسم من كلّ هذا الترحال، نحن قوم نلتهم لقمتنا بعرق جبيننا على عجل بين حرب وأخرى وبين نزوح ونزوح.

بعد كل نزوح كانت تترسّخ في ذهني عبارة جدّتي الأثيرة: “لن أبارح بيتي ولو هدموه فوق رأسي” بيتي الذي بنيته بزرّ ياسمين تارة وبغرزة أظافر لبوة شرسة مرّات.

كأن على رأسه الطير

لم يكن لهذا البيت مهندسٌ ولا خرائط. كان الفقر هو الذي تولّى هندسته، وكان الإصرار هو الذي رسم حدوده. أمّي كانت المخطِّطة الأولى، بيديها اللتين تسندان سقف الحياة فوق 14 عينًا، كأنّهما تمنعان العالم من الانهيار فوق رؤوسنا.

في ورشة البناء كنّا جميعًا جزءًا من الجدار قبل أن يصبح جدارًا. لا عمّال غرباء ولا أصحاب بيت متفرّجون. أطفال يزقّون حجارة اللّبْن بأذرعهم الصغيرة، تنكات “التاترا” تُحمل مملوءة بالماء والرمل، ورفوش الباطون تُجرّ تحت الشمس. كان كلّ حجر يمرّ بين أيدينا يقتطع شيئًا من طفولتنا ليضيفه إلى الجدار.

وحين ارتفع البناء أخيرًا، كان عائلةً كاملةً متجسّدة في شكل إسمنت. ثمّ جاءت الحرب الأولى، فاقتلعته وشرّدتنا ساعات طويلة من النزوح على الأقدام. ثم عاد وانهدم في حرب 2006، فنهضنا من الركام وأعدناه بطبقتين. وفي 2024، سُوّي بالأرض مرّة ثالثة، حتّى بدا وكأن الزمن يصرّ على محو أثره بالكامل.

ومع ذلك، حين أعود إلى الذاكرة، لا أرى النهاية. أرى البداية فقط، الغرفتين الأوليين. هناك، تحت القشلة في أعلى الخيام، حيث يقف جبل الشيخ في مواجهة السماء ويُسكب القمر فضّته على الليل، تكوّنت طفولتي الأولى.

نوم متعب

الغرفتان حملتا كلّ ما عشته: النوم المتعب، الضحك المتداخل، الخوف الأوّل، ودهشة الضوء حين يتسلّل من النافذة. فيهما تعلّمت أنّ البيت يُبنى من الناس قبل الحجر، ومن الأيدي التي تعمل معًا، لا من الخرائط ولا من الإسمنت وحده.

في تلك الغرفتين بالذات بدأت الحياة تتشكّل كحكاية طويلة لا تنتهي، تتقدّم من جيل إلى جيل، وتحفظ نفسها في الذاكرة أكثر ممّا تحفظها الجدران.

بعد كل نزوح كانت تترسّخ في ذهني عبارة جدّتي الأثيرة: “لن أبارح بيتي ولو هدموه فوق رأسي” بيتي الذي بنيته بزرّ ياسمين تارة وبغرزة أظافر لبوة شرسة مرّات. جدّتي التي ماتت من الحزن على شهداء مجزرة قانا في نيسان (1996) عناقيد الغضب.

صور غلاف المقال: كامل جابر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى