كيف نحبّ في الحرب وهي تطوّقنا بتفاصيلها المرهقة؟

تحيطنا الحرب بتفاصيلها البشعة: موتٌ، دمارٌ، وصوت المسيّرات والطائرات الحربيّة، ودويّ انفجار الصاروخ، وأبواق سيّارات الإسعاف، وصراخ ونحيب. ويظلّ صوت من نحبّ سكينة تربّت فوق أكتافنا عندما يهدّها التعب.

يسير الناس في جموع؛ بعضهم يبحث عن معنى، أو عن بصيص أمل، وبعضهم يبحث عن الحبّ والدفء أو كلمة صغيرة تهدّئ من عكر المزاج في يوم حرب عاديّ.

أمّا أنا، فأسير في أزقّة أكتشفها للمرة الأولى، في المدينة التي لجأت إليها، ألقي نظرات خاطفة إلى وجوه الناس من حولي من دون أن أجذب انتباههم، أحاول استنباط مشاعرهم بما أمكنني من قوّة ملاحظة أو حدس.

لطافة الحبّ أواخر العمر

وقع نظري على عجوز وزوجته يجلسان على شرفة منزلهما الصغيرة، محاطين بأصص الزرّيعة ووردة العطراية، يحتسيان الشاي بفناجين “ليبتون”، ويتبادلان الشرود والصمت.

حاولت تخيّل مستقبلي مع حبيبي عندما نشيخ. كانت لصورة أخترعها في رأسي بعيدًا من الذكاء الاصطناعيّ، أن تمنحني بهجة عابرة للحظات خلال نهاري. ثمّ ما لبثت أن انسحبتْ خلفها صورة أخرى لعجائز الجنوب. اجتاحتني موجة من القهر. أيا ترى، ماذا يفعل عجائز الجنوب الآن في مراكز الإيواء أو شققهم المستأجرة الخالية من أيّ زرع، وأيّ نسمة، وأيّ مشهد طبيعيّ يسرحون فيه؟

تخيّلتهم يحدّقون في مدن الإسمنت (الباطون) الشاهقة، وفي جدران بيضاء خالية من صور أحبابهم، يحدّقون بالعمر الذي يضيع أمام أعينهم يومًا تلو يوم، يحرمهم من فرصة البدء من جديد، فلا يجرؤون على الحلم بالغد. كلّ ما يملكونه في أواخر عمرهم هو الحبّ: حبّ الزوجة العجوز لزوجها أو العكس، حبّ الأبناء، حبّ الأحفاد، وحبّ الأصحاب والأصدقاء على رغم البعد والمرض والعجز.

ولولا هذا الحبّ والترابط الذي يجمعهم كعائلة من رأس الشجرة حتّى أصغر غصن فيها، كيف ستكون حياة عجوز يعاني أزمة آخر العمر إلى جانب حرب لا نهاية قريبة لها؟

أقرّر تغيير طريقي والذهاب للتسوّق هربًا من التفكير المفرط والقلق.

 أسأل نفسي: “ما الذي ينقصني؟”. ينقصني شيء أجهله، ربّما بيت ودار وقطّة وأصحاب وعمل… لكن أين أجد متجرًا يبيع بيتًا؟

بين الولادة والموت

في متجر لبيع الملابس تقف أمامي امرأة حامل في شهرها الأخير، تحضّر بمساعدة أمّها ثيابًا لصغيرها. تحاول اختيار القطعة المناسبة بحسب جنس المولود، والموسم الذي سيولد فيه، وطقس المنطقة التي نزحت إليها. وفي طابور الانتظار ينفتح أمامي بُعدٌ آخر، يعرض لي الجنوب وما يدور فيه من حرب هوجاء. ذهب كثير من الأطفال ضحايا لها، فيما يبحث آباؤهم أو أقرباؤهم عن خرقة ثياب متبقيّة من جثثهم الطريّة التي مزّقتها قذائف الموت الحاقدة.

الحبّ ذاته الذي يجعل هذه المرأة تشتري ثيابًا لابنها وهو لم يعرف معنى الحلم بعد، يدفع أمًّا أخرى للبحث عن قطعة ثياب من أثر ولدها الذي قتل قبل أن يدرك حلمه. إنّه الحبّ إذا ما تشاركناه في الولادة والموت، كما نتشارك الدمع.

أخرج من المتجر محاولةً إبعاد المشهد من رأسي، لصورة طفل يولد في بلد يموت فيه الأطفال، ليس نتيجة مرض أو ارتفاع حرارة، بل بسبب آلية ممنهجة للقتل والدمار.

أتابع باحثة عن شيء لا أعلم ما هو. أسأل نفسي: “ما الذي ينقصني؟”. ينقصني شيء أجهله، ربّما بيت ودار وقطّة وأصحاب وعمل.

لكن أين أجد متجرًا يبيع بيتًا؟

الحب حجّتنا في هذه البلاد

في ليل أطّلع فيه على رسائل النهار التي فاتتني، وعلى الأخبار التي لم أستطع متابعتها. تمرّ صور الضحايا بشكل سريع على الشاشة الباردة، تمتزج معها صور لأماكن في الجنوب: بيوت مدمّرة، وشريط طويل من النوستالجيا لأوقات باتت العودة إليها مستحيلة.

تلفتني “حال” صديقة تقول: “كلّ ما تسكّر الدني بوجّي، بتفاءل فيك… ولّا فكرك شو كان مصبّرني ع هالبلاد؟”؛ ومعها أغنية لأمّ كلثوم: “يا حبيبي إنت فين؟”. أسألها كيف تجد أهمّيّة للحبّ في الحرب؟

تخبرني: “أنّ الحب هو ألطف شعور في ظّل كلّ هذه المأساة. هو المفرّ، المكان الذي نستطيع أن نكون فيه شفّافين أمام أحد غير الله”. وهو نفسه حبّ البلاد الذي يجعلنا نتحمّلها، ولو قسرًا، مهما جارت علينا. والحبّ الذي يجمعنا كجنوبيّين؛ نحن الغرقى، المتيّمون، الهائمون بحبّ الجنوب وأرضه التي تفيض بالحياة.

وأغنّي له: “من يوم اللي تكَوَّن يا وطني الموج كنّا سوى، لَيَوم اللي بيعتق يا وطني الغيم رح نبقى سوى”. لا أظنّ أنّ هناك وصفًا أبلغ من هذه الأغنية التي غنّتها فيروز لوصف علاقتنا بالجنوب. حبّ الأرض نفسه، ما يجعلنا نقف على أقدامنا في كلّ يوم جديد، ونقاوم ولو بتنهيدة ترفض التهجير والدمار والإبادة. ويقولون إنّ الحبّ هو شكل من أشكال المقاومة. ألا يكفي إثباتًا لذلك أنّنا متنا حبًّا؟

حين يصبح المكان حبيبًا

أحاول كلّ يوم أن أتعرّف إلى مكان جديد، هربًا من الذنب والحسرة وهما يتنافسان على قتلي. أبحث على خرائط “غوغل” عن مكان هادئ فيه شجر، أستطيع المشي فيه كما كنت أفعل في ضيعتي. أصل إلى المكان المقصود، أحدّق به كمن يحدّق بقدره، أمشي، أعدو، أبكي، وأحدّث نفسي، لا مكان يشبه المكان الذي أحبّه وأريده. لا تستطيع شجرة أن تستبدل أخرى، ولا وجوه أن تستبدل وجوهًا.

اشتقت إلى حرج (حرش) تبنين، إلى الرجل الذي يأتي عصركلّ يوم  مع كلبه من فصيلة الـPointer، إلى معلّم اللغة الفرنسيّة العجوز الذي أتبادل وإيّاه إيماءة بالعيون منذ سنتين، في كلّ يوم؛ إلى شجر الصنوبر، وإلى حارس المكان في كوخه الصغير على رغم وجهه الدائم العبوس.

عندما نخرج من المشهد نرى كمّ أنّ التفاصيل التي لم نكن لننتبه إليها لولا البعد الحاصل، ثمّ أدرك العمق الذي وصله البعد في هذه الحرب.

في اللحظة التي أشعر فيها بشبح اليأس يظلّلني، أستحضر حبّي الذي وجدته في الحرب، بين رسائل الاطمئنان التي تكسر وحشة ما نمرّ به بين الحين والآخر.

الحبّ حين يتّسع كلّ شيء

وألمس حقيقة أنّ الحبّ مرن ويتّسع كثيرًا؛ فليس حبّنا للإنسان الآخر وحده ما يسكننا، بل أيضًا للشجر الذي مشينا إلى جانبه وظلّ واقفًا عند أطراف الطريق يحدّق بنا ونحن راحلون. للمقاعد التي جلسنا عليها عند غروب الشمس، للشمس التي تغرب بين جبال عاملة، وللقمر الذي غنّينا له كثيرًا في ليالي الصيف: “نحنا والقمر جيران، بيته خلف تلالنا..”.

أجزاءٌ منّا بقيت خلف تلك التلال، وأجزاء أخرى ما زالت تقاوم وتصمد في سبيل حياةٍ نشعر وكأنّها تنتهي بسرعة.

وعلى رغم رحابة الأرض واتّساع السماء، يبقى المكان الذي أحببناه وارتحنا في أرجائه هو الأحبّ إلينا. واستبدلت الشخص في أغاني فيروز بالمكان. أنظر إلى الجبال التي تحوطني، وأستحضر جبال عامل وأغنّي لها:

“بترجع عبالي رغم الحرب والناس، أنت الأساسي وبحبّك بالأساس”. أرهقني حبّي لهذه الجبال، لكنّه وحده من يعطني أملًا بالعودة إلى ربوعها.

الحبّ العابر للزمن

وفي اللحظة التي أشعر فيها بشبح اليأس يظلّلني، أستحضر حبّي الذي وجدته في الحرب، بين رسائل الاطمئنان التي تكسر وحشة ما نمرّ به بين الحين والآخر. وفي شارع الحمرا، الذي تغنّى به كثيرون حول مشاهد الحبّ والعلاقات الإنسانيّة، نسير فيه ليلًا ونغنّي، ونمرّ بجانب ياسمينة، فتجتاح الرائحة المشهد وتترك أثرها كي يعبر الوقت والمكان.

نصل إلى مسرح “مترو المدينة” لنحضر “بار فاروق”. وقبل أن تفتح الستارة يبدأ الجمهور بالوصول. لفتني حضور ثنائيّ من كبار السنّ وجلسا إلى الطاولة خلفنا، واستمتعا بكلّ فقرة وكلّ أغنية وكأنّهما يستعيدان عمرًا عاشاه سويًّا بكلّ تفاصيله، يحملان حبّهما قنديلًا يضيء وحشة العمر.

كانا هما الحدث بالنسبة إليّ. نظرت إلى شريكي الجالس إلى جانبي وقلت له: “عندما نكبر سنكون مثلهما؟”. أجاب: “نعم”. “وسيجلس إلى الطاولة أمامنا شاب وفتاة يهمسان بعضهما لبعض بما نهمس به الآن”.

تستعرض المسرحيّة مراحل عدّة من تاريخ بيروت وأحداثها، لكنّ جلّ ما كنت أفكّر به هو: كيف تبدأ الحروب وتنتهي، ويتعامل الناس معها جيلًا بعد جيل، فيما يبقى الحبّ، والفنّ، والمشاعر الإنسانيّة أقوى من أيّ مرحلة، وأقوى من أيّ شكل من أشكال الموت؟ وأنّ الحرب مهما كانت آلة هائلة للقتل، فهي عاجزة عن إنتاج بديل عن الحبّ؟

خطّ أبيض لكلّ بداية جديدة

وفي زمن الخرافة والدبّابة يظّل الحبّ حقيقتنا المتجدّدة، العابرة لكلّ مكان وزمان. فالحرب تستطيع أن تهدم قرى ومدنًا، وأن تقتلع شجرًا، وأن تقتل بشرًا، لكن يبقى الحبّ الخطّ الأبيض لكلّ بداية جديدة، يدفع بالمرء بعد خسارته كلّ ما يملك أن يجرؤ على الحلم، يهمس بأذن عجوز بأن يقطف وردًا لعجوزته، يمنح الحياة إلى طفلٍ سيولد على رغم كلّ شيء، وأملًا لشخصٍ يحمل في قلبه طريقًا صغيرًا في قريته يؤمن بأنّه سيعود إليه يومًا ما.

تصوير: رياسة اسماعيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى