مطار القليعات: حلم عكار المؤجل يبدأ الطيران

بعد عقود من التسويف والانتظار والوعود المؤجّلة، سلك مطار رينيه معوّض في القليعات درب التنفيذ، وقد تصدّرت أخبار التحضير لإعادة تشغيله إلى جانب أخبار الاعتداءات الإسرائيليّة أحد أبرز عناوين المشهد اللبنانيّ. وعلى الرغم من أنّ الحدث ليس عاديًّا بالنسبة إلى اللبنانيّين، إلّا أنّه أكثر من ذلك بالنسبة لأبناء عكّار الذين يأملون أن يُشكّل الحدث بداية نحو تحوّل إنمائيّ اقتصاديّ جديّ، في محافظة عانت لعقود من التهميش وارتفاع معدّلات الفقر والبطالة.
يوم السبت الماضي، جاءت الصورة من القليعات جميلة. فالمطار الذي أُنشئ أساسًا لأغراض عسكريّة، تحوّل لاحقًا إلى مشروع مدنيّ مؤجّل التنفيذ، بل إلى حلم تنمويّ طال انتظاره. اليوم ترى الأوساط الاقتصاديّة والإنمائيّة في عكّار أنّ نجاح تشغيله يفتح الباب أمام فرص جديدة للعمل والاستثمار والتنمية المحلّيّة.
أكثر من مطار
بالنسبة إلى العكّاريّين، لا يمثّل مطار القليعات مرفقًا للنقل الجويّ وحسب، بل مشروعًا إنمائيًّا متكاملًا يمكن أن ينعكس على مختلف القطاعات الاقتصاديّة في المنطقة.
يصف رئيس بلديّة “القرقف” الشيخ محمّد الرفاعي في حديث إلى “مناطق نت” واقع منطقتهم بالصعب، قائلًا إنّها “محرومة مهمّشة منذ قيام لبنان الكبير، وذلك ليس مصادفة، بل نهج سياسيّ جرى استخدامه من أجل تطويع الناس واستعبادهم واستتباعهم عبر لقمة عيشهم”. أمّا سبل الخروج من ذلك فتتمّ برأي الرفاعي عبر تلبية الاحتياجات “فعكّار تحتاج إلى مشاريع منتجة تخلق فرص عمل فعليّة، والمطار يمكن أن يشكّل نقطة جذب للاستثمارات إذا ترافق مع رؤية تنمويّة متكاملة تشمل البنى التحتيّة والطرق والخدمات”.
ويرى الرفاعي أنّ فوائد المطار كثيرة وكبيرة “إذا تمّ إبعاده عن المصالح الفئويّة أو الحزبيّة الضيّقة” ناقلًا عن رئيس الحكومة وعده الجازم بأن يكون موظّفو المطار من أبناء قرى وبلدات عكّار.
وبحسب المعطيات الاقتصاديّة فإنّ عكّار من أكثر المناطق اللبنانيّة معاناةً من البطالة والفقر، ما يجعل أيّ مشروع استثماريّ كبير فيها محطّ اهتمام وترقّب من قبل السكّان.
فرص عمل وحركة أسواق
من المتوقّع أن يساهم تشغيل المطار في خلق وظائف مباشرة داخل المرفق نفسه، إضافة إلى فرص غير مباشرة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستيّة والسياحة والفنادق والمطاعم والتجارة.
ويعتبر الوزير السابق معين المرعبي أنّ “المطار ربّما يُغيّر صورة المنطقة بالكامل إذا نجح في استقطاب حركة المسافرين والشركات الكبيرة، لأنّ ذلك سينعكس على الحركة التجاريّة والسياحيّة ويشجّع المستثمرين على التوجّه إلى عكّار”.
ويرى أنّ التأثير الاقتصاديّ للمطار لن يقتصر على الوظائف المباشرة، بل يمتدّ إلى تنشيط الأسواق المحلّيّة وزيادة الطلب على الخدمات المختلفة. وبحال تحديثه وتطويره لاحقًا، يمكن أن يسهم في خلق رئة اقتصاديّة تمتدّ إلى مناطق الساحل السوريّ.
ويشرح المرعبي أهمّيّة المطار في رفع مستوى البنية التحتيّة في محافظة عكّار “والمطار بحاجة إلى خدمات مساعِدة داعمة، إلى طرقات وكهرباء، مواصلات واتّصالات” ويغمز المرعبي من قناة الطبقة السياسيّة بعد نقل الكلّيّة البحريّة من عكّار إلى البترون “لأسباب ومصالح سياسيّة واقتصاديّة شخصيّة” بينما يبقى فرع الجامعة اللبنانيّة حلمًا ينتظر القرار السياسيّ ومعه المدارس المهنيّة المجمّدة على رغم جاهزيّة المباني.
وختم المرعبي بالدعوة إلى تأسيس كلّيّة للطيران في عكّار لما لها من نفع مستقبليّ على لبنان وتطوير النقل الجوّيّ والطيران.

بوّابة للشحن الزراعيّ
من أبرز الفرص التي يوفّرها المشروع إمكانيّة تطوير قطاع الشحن الجوّيّ للمنتجات الزراعيّة، خصوصًا وأنّ عكّار من أكبر المناطق الزراعيّة في لبنان.
يؤكّد عدد من المزارعين أنّ كلفة النقل والتصدير تشكّل أحد أبرز التحدّيات التي تواجههم، فيما يمكن أن يساهم وجود مطار قريب في تسهيل عمليّات التصدير وخفض الأكلاف اللوجستيّة وإيصال المنتجات الطازجة إلى الأسواق الخارجيّة خلال فترات زمنيّة أقصر.
في هذا الإطار يقول ابن عكّار العتيقة المزارع محمّد المسلماني “إذا جرى تخصيص خدمات للشحن الزراعيّ، فإنّ ذلك قد يفتح أسواقًا جديدة أمام الإنتاج العكّاريّ ويساعد المزارعين على تصريف إنتاجهم بأسعار أعلى وعلى تحسين مداخيلهم”.
موقع استراتيجيّ
يتميّز مطار القليعات بموقع جغرافيّ يمنحه أهمّيّة خاصّة، إذ يقع بالقرب من الحدود السوريّة ومن مرفأ طرابلس، ما يتيح له أن يلعب دورًا لوجستيًّا مهمًّا في حركة النقل والشحن داخل لبنان والمنطقة.
ويشير خبراء إلى أنّ الموقع الجغرافيّ للمطار يمنحه إمكانات كبيرة في مجال الشحن التجاريّ والخدمات اللوجستيّة، بخاصّة في حال تحسّن الظروف الاقتصاديّة والأمنيّة في المنطقة خلال السنوات المقبلة. ويرى بعض الخبراء أنّ المطار قد يشكّل حافزًا لتطوير مشاريع لوجستيّة مكمّلة، من بينها إعادة طرح فكرة إنشاء مرفأ في منطقة العبدة.
بين التفاؤل والحذر
وعلى رغم الأجواء الإيجابيّة التي رافقت الإعلان عن إطلاق المشروع، يفضّل كثر من أبناء عكّار التعامل مع الملفّ بحذر، مستذكرين سنوات الوعود الطويلة التي لم تترجم على أرض الواقع.
ويطالب ناشطون محلّيّون الدولة بتوفير كامل شروط نجاح المشروع وليس تشغيله فقط. فإلى جانب تأمين البنية التحتيّة المحيطة به من طرقات وخدمات كهرباء واتّصالات، يطالبون بوضع خطّة تنمويّة شاملة تسمح باستفادة المجتمع المحلّيّ من الفرص التي سيوفّرها المرفق الجديد، لا سيّما وأنّ المطارات غالبًا ما تشكّل بوّابة تعريف بالمناطق التي تحتضنها وتضعها على الخرائط الاقتصاديّة والسياحيّة.
وفي انتظار انطلاق أولى الرحلات التجاريّة، يبقى مطار القليعات بالنسبة إلى كثيرين من أبناء عكّار مشروعًا يحمل أملًا كبيرًا في كسر العزلة الاقتصاديّة التي عانت منها المحافظة عقودًا طويلة، وتحويلها من منطقة على هامش الدولة إلى بوّابة تنموية واقتصاديّة تربط لبنان بمحيطه العربيّ والإقليميّ.








