السعودية تعيد فتح أسواقها فهل تستعيد الزراعة عافيتها؟

أعاد قرار المملكة العربيّة السعوديّة، فتح أسواقها أمام الصادرات اللبنانيّة، إحياء النقاش الاقتصاديّ حول قدرة المنتجات اللبنانيّة على استعادة حضورها في الأسواق الخليجيّة، بعد سنوات من التراجع الذي فرضته الأزمات السياسيّة والأمنيّة وارتفاع كلف النقل.

ومع هذا التطوّر، عاد ملف المعابر البرّيّة إلى واجهة الاهتمام باعتباره أحد العناصر الأساسيّة في أيّ خطّة لزيادة حجم الصادرات وتحريك عجلة القطاعات الإنتاجيّة، ولا سيما الزراعة والصناعة.

ترافق هذا المسار مع خطوات لإعادة تفعيل المعابر الرسميّة بين لبنان وسوريا، واكتسبت زخمًا إضافيًّا عقب الزيارة الحكوميّة الأخيرة إلى دمشق، وما تلاها من بدء أعمال تأهيل معبر العريضة شمالًا.

لكن وعلى رغم أهمّيّة معبر العريضة من حيث إعادة الربط الحدوديّ جغرافيًّا واجتماعيًّا، تتّجه الأنظار اقتصاديًّا نحو البقاع، وتحديدًا نحو معبرَيّ المصنع والقاع، لما يشكّلانه من نقاط عبور رئيسة لحركة الترانزيت نحو العمق العربيّ، وما يمكن أن يؤدّياه من دورٍ في تخفيف كلفة التصدير على المنتجين اللبنانيّين.

المصنع البوّابة التجاريّة الأولى

يستمرّ المصنع بوصفه المعبر البرّيّ الأكثر نشاطًا بين لبنان وسوريا، والخطّ الرئيس لحركة الشاحنات المتّجهة نحو الأسواق العربيّة، على رغم تأثّر حركة العبور في السنوات الأخيرة نتيجة التطوّرات الأمنيّة وتراجع التجارة الإقليميّة، إضافة إلى ارتفاع الكلفة التشغيليّة على المصدّرين اللبنانيّين.

بهذا الخصوص ترى الصحافيّة الاقتصاديّة محاسن مُرسِل، في حديث إلى “مناطق نت”، أنّ إعادة تنشيط المعابر لا تتعلّق بالنقل فقط، بل “بإعادة وصل لبنان، بمحيطه وعمقه العربيّين اقتصاديًّا وتجاريًّا وسياسيًّا وفي محتلف المجالات”.

وتقول إنّ القطاع الزراعيّ، كان من أكثر القطاعات تضرّرًا نتيجة تعطّل خطوط الترانزيت البرّيّة، والاعتماد المتزايد على الشحن البحريّ الأعلى كلفة.

وتوضح مُرسِل، أنّ “المصنع يحتفظ بأهمّيّة لوجستيّة واضحة، بسبب قربه من مرفأ بيروت (نحو 68 كيلومترًا)، لكنّه لا يجب أن يبقى المنفذ البرّيّ الوحيد، لأنّ توزيع الحركة على أكثر من معبر يمنح مرونة أكبر ويخفّف الكلف”.

الرقابة ومنع التهريب

وتُشدد مُرسِل على أنّ نجاح أيّ خطّة تصديريّة “يرتبط أيضًا بتطوير الإدارة الجمركيّة بشريًّا ولوجستيًّا، كذلك تعزيز الرقابة ومنع التهريب”.

وتُظهر المعطيات، أنّ الصادرات الزراعيّة اللبنانيّة، سجّلت تراجعًا حادًّا خلال الأعوام الأخيرة، بعدما بلغت نحو 498 مليون دولار العام 2021 قبل أن تهبط إلى قرابة 184 مليون دولار العام 2024. كذلك تقلّصت بشكل ملحوظ الصادرات إلى الخليج، التي تُعد السوق الرئيسة للمنتجات اللبنانيّة، ما أدّى إلى خسائر كبيرة انعكست مباشرة على القطاع الزراعيّ وقدرته الإنتاجيّة.

من السهول الزراعية في منطقة البقاع الشمالي
معبر القاع فرصة

في المقابل يبرز واقع معبر جوسّيه في بلدة القاع في البقاع الشماليّ، بوصفه نقطة حدوديّة تمتلك إمكانات اقتصاديّة لم تُستثمر بشكل كاف حتّى الآن. فعلى الرغم من موقعه الاستراتيجيّ، وتصنيفه معبرًا درجة أولى (على الورق)، بقي حضوره التجاريّ محدودًا مقارنة بالمصنع، فيما لا يزال تطوير بنيته التشغيليّة موضع مطالبات محلّيّة متكرّرة.

يقول رئيس بلدية القاع، المحامي بشير مطر إنّ “تفعيل المعبر أمام حركة الشاحنات وتوسعة خدماته يمكن أن يفتح فرص عمل كثيرة، بل يمكن أن يُشكِّل رافعة اقتصاديّة كبيرة للبقاع الشماليّ”.

ويتابع لـ”مناطق نت” أنّ المنطقة “تمتلك موقعًا يسمح لها بأن تصبح مساحة داعمة للتجارة والخدمات اللوجستيّة، إذا توافرت الاستثمارات المطلوبة لبناء شبكة مواصلات حديثة، وبنية إداريّة وجمركيّة فاعلة ومناسبة”.

ويرى متابعون محلّيّون للشأن الاقتصاديّ أنّ تنشيط معبر القاع يساعد في تخفيف الضغط عن المصنع، ويوفر مرونة أكبر وأسرع لحركة الشاحنات، خصوصًا خلال مواسم التصدير الزراعيّ.

الزراعة تترقّب

بعيدًا من ترميم المعابر وتطوير بُناها اللوجستيّة، يترقّب المزارعون اللبنانيّون انعكاسات القرار السعوديّ على مواسمهم الزراعيّة المقبلة، بعد سنوات من صعوبة الوصول إلى الأسواق الخليجيّة وارتفاع كلفة الشحن والتصدير وصعوبة التسويق المحلّيّ.

ويقول محمد الشعار، وهو مزارع بطاطا من عكار: “إن إعادة فتح الأسواق الخليجيّة أمام المنتجات اللبنانيّة يشكّل فرصة مهمّة للمزارع اللبنانيّ الذي عانى خلال السنوات الماضية من تراجع القدرة على تصريف الإنتاج وارتفاع الكلفات”.

ويتابع لـ”مناطق نت” أنّ “عودة التصدير ربّما تساعد في تخفيف الخسائر وتحسين قدرة المزارعين على الاستمرار”، لكنّه يشدّد على أنّ “الاستفادة الحقيقيّة تحتاج إلى تسهيل اجراءات العبور وخفض كلفة النقل”.

أمّا علي عزالدين، أحد مزارعي مشاريع القاع، فيرى في حديثه لـ”مناطق نت” أنّ “المشكلة لم تكن فقط في حجم الطلب على المنتجات اللبنانيّة، بل أيضًا في كلفة الوصول إلى الأسواق”، معتبرًا أنّ النقل البرّيّ يبقى خيارًا أكثر ملاءمة للمنتجات الزراعيّة الطازجة من حيث الوقت والكلفة.

ويؤكّد إلى جانب عدد من المزارعين، أنّ الاستفادة الفعليّة “لن تتحقّق بمجرّد فتح الأسواق، بل تحتاج إلى اجراءات ضامنة، من مسارات تصدير مستقرّة، ورسوم واضحة، إلى تدابير أمنيّة سريعة وموثوقة على المعابر”.

أكثر من فتح حدود

إعادة تأهيل المعابر وتنشيط حركة الترانزيت، لا تعني انتعاشًا اقتصاديًّا تلقائيًّا، لكنّها تفتح الأبواب أمام القطاعات الإنتاجيّة لاستعادة جزء من قدرتها على المنافسة.

وفي البقاع الشماليّ تحديدًا، ربّما يتحوّل تطوير معبر القاع من مشروع حدوديّ إلى فرصة إنمائيّة واقتصاديّة، شرط أن يواكبه استثمار في البنية التحتيّة، وإصلاح في الإجراءات الجمركيّة والتجاريّة، إلى جانب دور فعليّ للوزارات المعنيّة، لا سيّما الزراعة والأشغال العامّة.

المعابر وحدها لا تعيد الزراعة، لكن حين تقترن بأسواق مفتوحة وكلفة نقل أقلّ وسياسات داعمة للإنتاج، يمكن أن تُشكّل بداية مسار نحو استعادة جزء من الدور الاقتصاديّ الذي لعبه لبنان تاريخيًّا في محيطه العربيّ.

معبر القاع الحدودي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى