ممرّضات مستشفى تبنين تسع بطلات في خطّ الدفاع الأوّل

عند بداية كل حرب، يذهب المقاتلون إلى الجبهة، ويحاول المدنيّون مغادرة مناطق الخطر، ويستنفر الناشطون الاجتماعيّون وفرق الإسعاف، وتحمل الممرّضات حقائبهنّ الصغيرة ويتوجّهن إلى أماكن عملهنّ. كثير من الأفلام والوثائقيّات وثّقت عمل النساء الممرّضات عبر التاريخ، وعمل النساء اللواتي تبرّعن لمداواة الجرحى، وإرسال البرقيّات، ونقل الأخبار، وتخفيف ثقل الحرب عن الجنود.
ومع توسّع الحرب في الـ23 من أيلول (سبتمبر) 2024 ثمّ في الحرب الأخيرة 2026، وما بينهما من أحداث، كانت ممرّضات مستشفى تبنين الحكوميّ أوّل من يصل إلى المستشفى لممارسة عملهنّ واحتواء الإصابات.
المستشفى الأخير بدائرة الخطر
في أيلول العام 2024، بقيت 11 ممرّضة داخل المستشفى حتّى انتهاء الحرب، وتحمّلن تعرّض محيط المستشفى لغارات عدّة قريبة وإنذارات إسرائيليّة بالإخلاء، إلّا أنّ مدير المستشفى رفض مغادرتها، وكذلك الطاقم الطبّيّ والتمريضيّ، ليصبح مستشفى تبنين الحكوميّ أول مستشفى يعمل داخل منطقة الخطر.
اليوم، ومع استمرار الحرب، وخرق الهدنة، وإنشاء ما يسمّى بـ”الخط الأصفر”، واحتلال الجيش الإسرائيليّ للمستشفيات الحدوديّة، يعتبر مستشفى تبنين الحكومي في الخطّ الأماميّ. ما زال طاقمه الطبّيّ والتمريضيّ صامدًا في وجه الاعتداءات، ومن بينهم تسع ممرّضات تركن كلّ شيء وراءهن، ورابطن في غرف الطوارئ بمرايلهنّ البيضاء وصبرهن وشجاعتهن.
وعلى رغم تعمّد العدو الإسرائيليّ استهداف محيط المستشفى لإجبار العاملين فيه على الإخلاء، إلّا أنّ شهادات هؤلاء الممرّضات تظلّ حصرمًا في عين عدوّ لا يرى بعين الحقّ والحقيقة.
الممرضىة زينب يونس: أتى بي زوجي إلى المستشفى كي يودّعني ثمّ غادر، وبعد ثلاث ساعات أعادوه إليّ شهيدًا.
عاد مستشهدًا
بعضهنّ كنّ في بيوتهنّ، والبعض الآخر في دوامهنّ المعتاد، لكنهنّ جميعهنّ تركن كلّ شيء واتّجهن نحو المستشفى غير آبهات بالمخاطر، لأنّهن يرين أنفسهنّ الخطّ الأوّل للحياة في جنوب الليطانيّ.
وعند سؤالهنّ عمّا إذا فكّرن يومًا بترك العمل أو المغادرة، كان الجواب واحدًا: “لا، لم أفكّر أبدًا، ولا للحظة”.
تخبرنا زينب يونس (30 عامًا) من بلدة شقرا (بنت جبيل)، وهي ممرّضة منذ 10 سنوات، عن أصعب اللحظات التي مرّت بها خلال خدمتها، وعن المشهد الذي حُفر في ذاكرتها، فتقول: “كان المشهد عندما أتى بي زوجي إلى المستشفى كي يودّعني ثمّ غادر، وبعد ثلاث ساعات أعادوه إليّ شهيدًا”.
تتابع لـ “مناطق نت”: “الصوت الذي لن أنساه أبدًا هو عندما قالوا لي: زوجك شهيد، البقيّة بحياتك”.
ثلاث ساعات نوم والبقيّة خوف
عن الخوف اليوميّ والقلق، تضيف زينب “أنام نحو ثلاث ساعات في اليوم، وأحاول التوازن بين خوفي وإظهار العكس. أمّا الموت، فهو كلّ يوم أقرب من ذي قبل، بخاصّة مع تحليق الطائرات الحربيّة والقصف القريب”. وتردف: “بقيت لأنّ لا أحدَ هنا غيرنا في الواجهة الأماميّة، وتعلّمت الصبر”.
بين الشوق والواجب اخترن جميعهنّ الواجب. أن تكون في الخط ّالأماميّ، محاطًا بالموت والقصف وقطع الطرقات والإمدادات، يعني أنّك زاهد بنفسك، وبكلّ متع الحياة والعلاقات والروابط.
نسألهنّ عن أهاليهنّ وبيوتهنّ، فيخبرننا أنّ الشوق يرافقهنّ دائمًا، لكنّهنّ قدّمن الواجب الإنسانيّ على ما عداه. يرفضن ترك المستشفى والعودة إلى عائلاتهنّ، ويخفين الشوق لرؤيتهم داخل قمصانهنّ وكفوفهنّ الملطّخة بدماء الجرحى.
يرين في ذلك تحقيقًا لرسالة أسمى، ويتجاوزن مشاعر الضعف والوهن، ويتركن الحنين خلف باب الطوارئ.
امرأة حديديّة بوجه الفقد
تروي فاطمة السيّد (30 عامًا) من بيت ليف (بنت جبيل)، وهي ممرّضة منذ ستّ سنوات، عن أوّل يوم دوام خلال الحرب: “كان جميلًا لأنّنا اجتمعنا جميعًا في دوام واحد، لكنّه كان صعبًا عندما بدأ العدّ لأيّام البعد عن الأهل”.
كانت فاطمة في منزلها عندما بدأت الحرب، ثمّ توجّهت إلى المستشفى فور الحاجة. وعن أوّل ما خافت عليه تقول: “أرضي”.
تؤكّد فاطمة لـ”مناطق نت” أنّها كانت تحاول دائمًا عدم إظهار خوفها أمام الجرحى “لا مجال للخوف أمامهم”. أمّا عن النوم والقلق فتقول: “لا وجود لحياة يوميّة، هي أيّام مستمرّة ومتواصلة ليس إلّا”.
لم تشعر يومًا بالعجز، على رغم خسارتها أفرادًا من عائلتها في مجزرة، وأصدقاء مقرّبين منها، وتعاملها اليوميّ مع الموت بأشكال مختلفة. ثمّ خسرت منزلها وقريتها، وهي على بعد بضعة كيلومترات فقط منها. ومع ذلك، كان الجميع ينظر إليها كامرأة حديديّة تخفّف معاناة الآخرين. تردّد فاطمة: “بقيت من أجلهم، ومن أجل الجنوب”.
العمر مجرّد رقم
عمّا تعلّمته من المستشفى خلال الحرب تشير فاطمة إلى أنّ “العمر مجرّد رقم، وأنّ الأبطال ليسوا دائمًا كبارًا، كثير منهم كانوا فتية صغارًا، أعجوبتنا من بين عجائب الدنيا السبع. لن أنسى أصواتهم وهم ينادون: يا زهراء، متألّمين من جراحهم”.
وعن الصورة التي تريد إيصالها إلى العالم تقول: “نحن جميلات”. وكأنّها تعيد تجسيد ما قاله محمود درويش: “الجميلات هنّ القويّات”.
هدير الطائرات روتين يوميّ
تخبرنا الممرّضات أنّ الطائرات الحربيّة والاستطلاعّية لا تفارق السماء فوقهنّ. كانت لحظات الموت كثيرة، والنجاة تحدث بأعجوبة في كلّ مرة. وعند اشتداد القصف، كنّ يتجمعن داخل غرفة واحدة، يتشاركن الخوف نفسه، والقلق نفسه، والمصير نفسه.
وفوق ذلك كلّه، يحملن خوفًا دائمًا على أهاليهنّ، وقلقًا من وصول أخبار عن غارات قريبة من المستشفى، فيسارعن للطمأنة، أو للاطمئنان عليهم بحال وقوع غارات من أماكن نزوحهم.
الممرضة حوراء حمد: اللحظة التي شعرت فيها بالعجزكانت عندما حاولنا إنقاذ جريح لكنّه استشهد.
وجوه لا تغادر الذاكرة
تروي حوراء حمد (27 عامًا) من بلدة عيترون، وهي ممرّضة منذ خمس سنوات عن أوّل يوم عمل خلال الحرب “كان كالحلم، وأكثر ما خفت عليه كان عائلتي وأصدقائي”. تتابع لـ”مناطق نت”: “أصعب حالة تعاملت معها كانت لجريح يعاني من حروق شديدة جدًّا، وكان يتألّم على رغم كلّ ما بذلناه من جهد”.
أمّا عن اللحظة التي شعرت فيها بالعجز فتقول: “كانت عندما حاولنا إنقاذ جريح لكنّه استشهد”. وعلى رغم فقدانها منزلها، بقيت حوراء تصبّر نفسها بالإيمان في الله، وتذكّر نفسها بسبب بقائها: “بقيت من أجل من يدافع عن أرضنا”.
أصبح المستشفى بيتهنّ الثاني، ويرون في استمراره فرصة لإنقاذ حياة كثيرين. عن ذلك تضيف حوراء: “تعلّمت الصبر، وأنّ حياتنا البسيطة كانت غالية جدًّا دون أن ندري”.
أمّا الصورة التي لن تنساها أبدًا فهي “وجوه الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجلنا ومن أجل الجنوب”. وعن الأصوات العالقة في ذاكرتها تقول: “صوت الغارات، وصوت الجرحى وهم ينادون: يا زهراء… يا زهراء”. وجلّ ما تريده حوراء أن يعرفه العالم بأسره: “أنّنا صابرات، بطلات، ومحاربات”.
خطّ حياة وحيد
ترى جميع الممرّضات أنّ مستشفى تبنين الحكومي هو خطّ الحياة الوحيد في المنطقة الحدوديّة. تقول فاطمة خريزات ( 27 عامًا) من عيترون، وهي ممرّضة منذ خمس سنوات: “عندما بدأت الغارات كنت في الطابق الذي أعمل فيه خلال دوامي، ولم أفكّر بترك المستشفى، بل بقيت مع أصدقائي”. تتابع لـ”مناطق نت”: “صوت الطائرات والقصف أصبح عاديًّا بالنسبة لنا، أبكي فقط عندما أشعر بالفقد تجاه أهلي، أمّا النوم فاستبدلناه بالقلق”.
مع ازدياد الغارات قرب المستشفى، طلبت منهنّ عائلاتهنّ المغادرة، إلّا أنّ خريزات رفضت ذلك مرارًا على رغم الخطر المحدق. عن ذلك تقول: “على رغم صعوبة التوازن بين الخوف على أهلي وواجبي، فإنّ أوّل ما أفعله دائمًا هو طمأنتهم”.
وكغيرها من الممرّضات، دُمّر منزلها وقريتها بالكامل، لكنّها كانت تقول لنفسها: “هذا واجبي، وهناك أشخاص بحاجة إلينا، ونحن خط النجاة الوحيد هنا”.
تضيف خريزات: “لن يمّحى من ذاكرتي مشهد بكاء أب على ابنه بعد استشهاده أمام عينيه، وصوت الإسعاف، وجملة: جهّزوا حالكن في جرحى”. وجلّ ما تتمنّاه خريزات أن يقدّر الناس الممرّضات وعملهنّ.
تسع يقاومن بالخيط والإبرة
ستنتهي الحرب يومًا ما، وتعود الممرّضات إلى بيوتهنّ المهدّمة، وعائلاتهنّ البعيدة، وحيواتهنّ الطبيعيّة. لكن لا شيء سيكون طبيعيًّا بعدها. ألوان الحياة ستتغيّر في أعينهنّ، وكذلك الأولويّات والعلاقات وقيمة الأشخاص والحياة نفسها.
لن ينسين الأصوات التي عشن معها طوال الحرب، ولا الوجوه التي عالجنها أو فاضت أرواحها بين أيديهنّ.
لن ينسين كيف أفلتن من بين براثن الموت مرّات عديدة، ولا تلك اللحظات التي شعرن فيها بأنّهنّ فقدن كلّ شيء، ثمّ استعدن قوّتهنّ لأن هناك واجبًا يناديهنّ.
هنّ الورود بين الركام، واللون الزهريّ بين الرماديّ والأسود، والخيط الفاصل بين القسوة واللطف، وخيط شمس في يوم ضبابيّ بارد.
أكتب افتخارًا بهنّ، ومن أجل أن يعرف الجميع أنّ على الحدود، وفي الجبهة الأماميّة، وعلى خطوط المواجهة، هناك تسع فتيات يقاومن بالخيط والإبرة، ويسطّرن صمودًا تاريخيًّا في هذه المرحلة الصعبة التي تمرّ بها البلاد.











