قطفت الصعتر وزرت قبور أهلي كي تصبح الحياة عاديّة

مرّ العيد الذي لا يعني لي شيئًا، ولكنّني شاركت في طقس زيارة المقبرة عصر اليوم السابق للعيد. سبقتني فيروز زوجة عمّي المرحوم كمال، ويبدو أنّها هي من وضع الريحان على قبر أمّي وأبي. لم أشترِ هذه السنة ريحانًا كعادتي في كلّ سنة بناءً على طلب أمّي.
مررت على أمّي وأبي، ثمّ مررت على قبور بقيّة العائلة. لم أكن وحدي. جميع من في المقبرة يغسلون قبور أحبّائهم ويضعون ورودًا ويشعلون قصعينًا (عيزقان).
المسيّرات فوقنا والطيران الحربّي الذي لم يتوقّف كما لم تتوقّف الغارات والقصف المدفعيّ على القرى المجاورة.
فكّرت أنّه في أحيان كثيرة يُغير الطيران على المقابر عند التشييع. لا يوجد تشييع الآن ولكن لن يشكّل هذا رادعًا، فخفت.
الراقدون.. سِير وتواريخ
أعدت قراءة تواريخ رحيل أقاربي عن هذه الدنيا. تنبّهت إلى أنّهم على قبر عمّي الشهيد بسّام (1982) حفروا “شهيد المقاومة الوطنيّة”، كنت قد نسيت وجود هذه الجملة.
مررت بقبر خالتي سامية، وجدّي “أبو ناصر” وجدّتي “أمّ ناصر” وجدّي “الشيخ نسيب” وجدّتي “أمّ علي”. كلّ هذه القبور مررت عليها سابقًا وسجّلت في دفتري تورايخ وفاتهم ورسمت خريطة تقاطع حيواتهم وموتهم. لكنّني هذه المرّة أردت البحث أكثر، لدي حاجة لأن أعرف بقية أغصان شجرة عائلتي. أردت الشعور بأنّني غصن في شجرة كبيرة.
وجدت قبر جدّ أمّي ناصر وجدّة أمي خديجة وعرفت أنّها من عائلة “الزريراني” من قرية جباع. وجدت عند قبور بعض الأقارب ممّن توّفوا سنة 1965 وقبلها نقشًا بعد اسمائهم واسماء عائلتهم لقب “المنكريّ”. كنت أعرف أنّنا “مناكرة” لكنّني لم أنتبه قبلًا أنّه كان مستخدمًا كتتمّة للاسم. كذلك رأيت عند نقوش بعض القبور من العائلة قبل “المنكريّ” اسم “فاضل”، وهو الكنية الأصليّة التي منها تفرّعت عائلة “الحسين” و”الأسعد” وهي ليست “الأسعد” نفسها المعروفة، فتلك “وائليّة”، أمّا “أسعد” في اللوبية فقد تمّ إلصاق آل التعريف بها حبًّا وتقرّبًا لآل الأسعد الوائليّين في حين أنّ أسعد اللوبية مناكرة.
في اليوم التالي قطفت “أزرار” غاردينا من حديقتنا وأخذتها لأمّي، وقطفت دفلى حمراء وبيضاء وياسمين أبيض وأخذتها لأبي.
وعلى رغم أنّ ضيعتنا لم تهدّد منذ الهدنة، لكن وجدتني أضع سيناريوهات كثيرة، كأن أستحمّ بسرعة أكثر من العادة، خوفًا من غارة أثناء الاستحمام.
ذكريات عمّتي عن أبي
أخبار مجموعات “واتس آب” تؤكّد أنّ الدبّابات صارت قريبة جدًّا من النبطيّة. وصلت إلى قلعة الشقيف. صوت المدفعيّة الذي لا يتوقّف لا يمكن أن تستطيع نشرات الأخبار من دنوّ وصف دويّه، ليلًا نهارًا.
زارتني عمّتي لكن لم تبت في بيتنا. ليس سهلًا عليها أن تدخل البيت وأمّي وأبي ليسا فيه. أفهمها. أخبرتني أنّها عندما كانت في نحو الثامنة من عمرها “نزلت” مع عائلتها للسكن في بيروت، تحديدًا في برج حمود بحثًا عن سبل عيشٍ ليست متوافرة في الضيعة، وتشاركوا مع آخرين غرفة قسّموها بواسطة ستارة، تمنح قسمًا لكلّ عائلة.
أخبرتني أنّ أبي الذي يكبرها بثماني سنوات هو من كان يرشدها إلى كيفيّة العناية باختيار ملابسها، ويعلّمها كيف تجلس حين تصعد إلى سيّارة. وأنّه كان يدرس عند استاذ اسمه علي العجمي، لكنّ جدّي أراده أن يكون معيلًا على رغم أنّ الأستاذ قال إنّه لا يريد مقابلًا. لم يقبل جدّي… دمّعت على أبي الذي كان يرغب في أن يتعلّم بشدّة.
قالت إنّ أبي باع بوظة على عربة في بيروت، دمّعت مجدّدًا. لاحقًا تعلّم أبي مصلحة “الكهربجي” ثمّ سافر إلى مصر وعندما عاد كانوا قد جعلوا عمّتي ترتدي منديلًا أسود أطول منها. فاشترى لها أبي إيشاربًا قصيرًا لونه ليلكيّ لتستبدل المنديل به. لم يقبل جدّي لأنّه غير معتمد في الضيعة ولا يعتبر حجابًا. ولكنّه عاد ورضخ، فأبي كان المموّل. وعلّم عمّتي كيف تقصّر الإيشارب بضع سنتيمترات كلّ أسبوع، وتكشف في كلّ أسبوع سنتيمترات إضافيّة من شعرها. بعد سنوات قليلة خلعت عمّتي الإيشارب كلّيًّا قبل أن تعود وترتديه بعد سنوات طويلة.
ورق عنب و”زعتر” وملوخيّة
لم أطبخ هذا الأسبوع. لم آكل شوكولا. لا أشبع من البقاء في المنزل.
وعلى رغم أنّ ضيعتنا لم تهدّد منذ الهدنة، لكن وجدتني أضع سيناريوهات كثيرة لاحتمال أن تكون أيّ لحظة أعيشها هي الأخيرة. كأن أستحمّ بسرعة أكثر من العادة، خوفًا من غارة أثناء الاستحمام.
“شحّلت” (نظّفت) الأرض خلف المنزل تحت شجرة الكاركاديه. أردت أن أنثر بذور البابونج هناك. سأنتظر من أمّ سماح أن تزوّدني بها لنثرها لاحقًا.
يبدو أنّ القطة اختارت مكانًا آخر كي تلد فيه، على رغم أنّها جلست في حضني، وبعد أن أحضرت لها كرتونة ووضعت فيها غطاءً لتلد فيه اختفت. فحزنت.
طلبت من فيروز أن تشتري لي كيلوغرام ملوخيّة يابسة، وأقليه قليلًا ثمّ أقسمه وأضعه في الثلّاجة وأعطي الجزء الأكبرر منه إلى حسين كي يأخذه معه إلي أختي في برلين. هي تحبّ الملوخيّة أكثر، أنا أفضّل السبانخ.
أبو أيمن قطف لي “ورق عنب” وقال لي: “وين كنتي؟ رحت أعطيكي إيهان كنتيش بالبيت”.
وضّبتها وأحتفظت فقط بالأوراق ذات القياس الصغير كما أحبّ، وكما كانت أمّي تختارها لي. ثلّجتها وسأطبخها عندما يعود أخي من بيروت.
زهّر الزعتر (الصعتر)، أمّ سماح قطفت زعتراتها. وحصدت أنا زعتراتنا وفرشتها في مكان لا تصله الشمس. وصرت في المساء أغطيها كي لا يصلها الندى صباحًا.
هدّدوا قرى جنوب الزهراني، جهّزت شنطتي بالإضافة إلى رسوماتي التي رسمتها خلال الحرب والهدنة، ووضعت كلّ شيء قرب الباب.
عادت القطة وعاد التهديد
عادت القطّة، واضح أنّها أنجبت قططها في مكان آخر. أطعمتها ووضعت لها كأس حليب. حاولت تتبّعها أكثر من مرّة لأعرف أين وضعت صغارها، لم أنجح. يبدو أنّها لا تريدني أن أشاركها في تربيتها. قطّة كلبة.
جاء صديقي حسين من برلين، لم أره بعد لأنّني لم أذهب إلى بيروت، ولا رغبة لي في ذلك. ولكن يجب أن أزورها قريبًا في الأيّام المقبلة في الأقلّ لألتقي بحسين.
هدّدوا قرى جنوب الزهراني وطالبوا سكّانها بالإخلاء إلى شمال النهر. لم أغادر طالما أنّهم لم يذكروا “اللوبية” بالاسم. بعد يومين هدّدوا الصرفند وانصاريّة وعدلون. أيّ كلّ القرى المحيطة باللوبية.
جهّزت شنطتي (حقيبتي) بهدوئي الذي اعتدته عند تجهيزها، بالإضافة إلى الـ”لابتوب” واكسسواراته، وأغراض الرسم ورسوماتي التي رسمتها خلال الحرب والهدنة. ووضعت كلّ شيء قرب الباب.
جليت (غسلت) الأطباق وأفرغت الجلّاية، غسلت ونشرت ولملمت الغسيل عن الحبل وطويته وأعدته إلى الخزائن. أغلقت الستائر المعدنيّة، وتركت الشبابيك مفتوحة جزئيًّا.
صرت جاهزة وبإمكاني ترك البيت خلال خمس دقائق إذا ما هدّدوا اللوبية.
هددوا اللوبية فهربنا
يوم السبت 30 أيار الساعة 1:15 ظهراً، وبعد دقيقة من وصول سامي لزيارتي وصلت رسالة على مجموعة واتس آب العيلة في حي البيدر: هددوا اللوبية.
أخبرت سامي، فقام بمساعدتي في نقل أغراضي الجاهزة قرب باب البيت إلى السيارة. هشام ليس في المنزل، اتصلنا به لم يرد. أكملت نقل الأغراض. ضحك سامي على توتري، قال أنه لم يراني متوترة قبل الآن. اتصلت بهشام مجدداً، رد، أخبرته فوصل بعد دقائق. رسائل اطمئنان وإبلاغ وتحذير من الأصدقاء تصلني على الماسينجر والواتس آب. حاولت طمأنة من استطعت. كل أهالي الحي في الشارع ينقلون أغراضهم إلى سياراتهم. غادر سامي في سيارته وأنا في سيارتي خلفه وهشام خلفنا على الموتوسيك.
على الطريق نحو قاعقعية الصنوبر – التي لم تهدد – حيث بيت سامي وبيت أخيه حسام انتبهت أني نسيت ملف الرسومات وشاحن الموبايل، لكن لا يمكن أن أعود. بعد ساعتين تقريبا من وصولنا إلى بيت حسام الخالي من أهله ضربوا اللوبية. سمعنا الصوت لكن لم نتأكد أنه آتٍ من اللوبية لحين وصلتنا الأخبار. البيت الذي ضربوه يبعد تقريبا 500 أو 600 متر عن بيتنا ولكن خارج الحي.
على مجموعة الواتس أب قررنا ألا يعود أحد إلى اللوبية قبل الأحد.
بيرة بدل الكورتادو
استيقظت الأحد في قاعقعية الصنوبر على وقع إنذار بإخلاء قرى جنوب الزهراني. كان لا بد هذه المرة من المغادرة صوب بيروت. مررت مع سامي سريعاً على اللوبية لأحضر ملف رسماتي، ثم اتجهنا إلى بيروت. أوصلت سامي إلى البيت الثاني لحسام، ثم ذهبت إلى بدارو وجلست في المقهى. لم أشرب كورتادو منذ أن غادرت بيروت.
وصلتني رسالة من سامي أنهم ضربوا قعقعية الصنوبر. ثم أرسل صورة للبيت الذي ضرب تشير أنه يقع على بعد 40 متراً من بيت حسام الذي أمضيت الليلة فيه.
طلبت بيرة بدل الكورتادو.










