في الحرب ليس مهمًّا احتساب السعرات الحراريّة

مضى شهر على الهدنة الأولى.

باستثناء مشوارين قصيرين إلى بيروت، لم أغادر الضيعة طيلة فترة الهدنة المزعومة.

بدأت الهدنة الثانية وما زلت في الضيعة.

وكغيري لا نفهم طبيعة هذه الهدنة التي دُمرت في خلالها قرى ومنازل وقُتلت عائلات كاملة. ولم يبارح الطيران الحربي خلالها سماءنا خارقًا في عديد من المرّات جدار الصوت والهدوء غير المطمئن.

“أمّ سماح” عزمتني إلى غداء سمك مقليّ على الحطب مع الـ”طرطور”. عندما أتناول “طرطورًا” مع السمك أحبّ أن أضيف إليه بقدونسًا. كما كانت تفعل أمّي، وصديقتها “أمّ سماح” تفعل مثلها.

أصبح حولي ما لا يقلّ عن ستّ قطط يعتمدون عليّ في إطعاهم يوميًّا. واحدة منهنّ حامل، وتريد أكثر من الأكل. تركض أمامي كلّما رأتني متوجّهة من الحديقة نحو الداخل. تترك أكلها وتتبعني لتدخل. أظنّها تخطّط  لإيجاد مكان آمن في الداخل لتستقرّ فيه عند الوضع. لديها خطّة في الأقلّ، أنا لا خطّة لديّ لأكثر من اليوم الذي أعيشه، والوجبة التي أنوي تحضيرها.

من ضمن الوجبات التي حضّرتها “مجدّرة صفرة” وهي مثل المجدّرة المجروشة ولكن من العدس المقشور (برتقاليّ اللون)، أيّ عدس وكمشة أرزّ وبصل مقليّ وملح. وتناولتها مع مكدوس الباذنجان من “بدنايل” ضيعة صهري علي.

في يومٍ آخر طبختُ رزًّا بفول كانت زوجة عمّي فيروز قد اشترت لي من أيّام خلت فولًا أخضر من “الخضرجيّ”، وأخي هشام فصفص قرون الفول وأنا سلقتها وقسّمتها لتشكّل أربع طبخات وثلّجتها، بقي منها ثلاث طبخات في الثلّاجة. طبخت إلى جانبها بطاطا حرّة، مكعّباتها صغيرة وذهبيّة من دون إضافة “بابريكا” باتت أخيرًا تضاف إلى أيّ شيء. بطاطا حرّة تعني: بطاطا، ثوم، كزبرة، حامض وملح… أنا أضيف رشّة حرّ أحمر فوقها ونقطة على السطر.

عادة جديدة أضفتها إلى الرسم والكتابة والطبخ والأكل والجلوس في الحديقة، ألا وهي قراءة “مدوّنة جبل عامل” للصديق حسن ترحيني.

أقرأ الوثائق والمواضيع المؤرشفة (الموثّقة) في المدوّنة، وأعيد رسم ما يهمّني منها كخريطة وخطّ زمنيّ على كرتونة بيضاء كبيرة. يبدأ الخطّ الزمنيّ من القرن الثلاثين ما قبل الميلاد مع مغادرة الكنعانيّين الفينيقيّين لشبه الجزيرة العربيّة واستقرارهم في سوريا ولبنان، مرورًا بهجرة بني عاملة من اليمن ووصولهم إلى شمال لبنان ثمّ جنوبه واستقرارهم في جبلها مع انتهاء العصر الأمويّ، تقريبًا في منتصف القرن الثاني هجريّ وبداية العصر العبّاسيّ الساخط على بني عاملة كونهم كانوا جندًا لخليفة بني أمّيّة وحاربوا إلى جانبهم في معارك عديدة من ضمنها معركة صفّين.

أخذت سامي إلى صيدًا في إحدى الأمسيات وأكلنا كنافة بالجبن. أنا أكلت صحنًا كاملًا، يعني فيه قطعة ونصف القطعة.

الأكل أهمّ محطّات أيّامي. آكل بشراهة وكأنّ كلّ وجبة هي الأخيرة. وكأنّه لم يعد هناك من داعٍ لمراعاة كمّيّة الأكل وما تتضمّنه من سعرات حراريّة وتأثيرها على الوزن والسُمنة. ربّما نموت بعد قليل، وإن حصل فليس مهمًّا كم سيكون وزننا في لحظتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى