حقائب النزوح: حين ينام الوجع بجوارنا كحارسٍ قلق

مدّدوا وقف إطلاق النار 45 يومًا، “ولا شيء يعجبني” يقول محمود درويش، وأقول أنا: لا شيء يعجبني، لا الراديو ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال، فقط أُريد أن أبكي”.

«… يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا للنزول…
فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ، فانطلق!
أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا، أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكنّي تعبتُ من السِّفَرْ».

حقائب النزوح والسفر

تعبت من حقائب السفر، أو بالأحرى حقائب النزوح. أحتار ماذا أسميها؟ فلطالما كانت رفيقة المطارات والرحلات الصيفيّة وعتبة العبور نحو الآفاق البعيدة والراحة. لكن مع الحرب انقلبت رمزيّتها رأسًا على عقب، أصبحت تشكّل تناقضًا مخيفًا يعكس ما أعيشه، تناقض الجغرافيا اللبنانيّة، فحقائب السفر لدى أهل الجنوب والضاحية وبعلبك والهرمل لم يعودوا يحزمونها نسبةً إلى مهمّتها، أيّ للسفر والفرح وقضاء أيّام جميلة على ضفة أخرى من العالم، أصبحت وطنًا بائسًا يختزل حياة كاملًة.

على الرغم من أنّ اسمها لم يتغيّر، إلّا أنّها لم تعد رفيقة للسفر وملازمة له، صار لها وجهة أخرى وهويّة مختلفة، صارت رفيقة النزوح تضمّ بضع ملابس ووثائق رسميّة وبعضًا من ذكريات الماضي لتظلّ الشاهد الصامت على وطنٍ يغنّي فيه بعضهم للحياة، بينما يحزم بعضهم الآخر ما تبقّى من روحه هربًا من الموت.

لا شيء يعجبني، أتلفّت حولي، أرى الحقائب تصطفّ كجرح مفتوح، تنام بجواري كحارسٍ قلق، لتعلن أنَّ الزمان في بلادي ليس إلّا حلقةً مفرغةً من الرحيل. حقيبة تحتضن بقايا عمرنا، اختصرنا فيها وطنًا كاملًا نحمله على أكتافنا أينما ذهبنا، حقيبة مليئة حتى آخرها، لم تعد تتّسع إلّا للفراغ الذي نشعر به ونحن نغادر بيوتنا.

لقد كبر أولادي قبل أوانهم، وأصبحوا يجهّزون حقيبة النزوح “احتياطًا”، يعيدون ترتيبها أمام مسمعي مرةًّ تلو مرّة، دون أن يدركوا ببراءتهم كيف يفتكون بقلبي المنهك.

كتابوت دائم للذكريات

اليوم، أجدني منكسرة الظهر، جهّزت حقائبي كتابوت دائم للذكريات وكأنّنا لا نكبر، بل فقط نزيد عدد الحقائب لتستوعب مزيدًا من الخيبات، فما أن يبدأ الرصاص بالعزف على أوتار خوفنا، حتّى نجد أنفسنا على أهبّة الرحيل، توارثٌ عابر للأجيال صار سلوكًا جماعيًّا يسكن مسامات أجسادنا؛ نحترف فنّ الفرار وكلّ شيء يتكرّر بالوتيرة ذاتها، عجز مرير أن نفقد سقفًا ونملأ حقيبة أو حقائب، تتناسل بعضها من بعض.

أولادي أفرغوا حقائبهم المدرسيّة من الكتب، وبأيديهم الصغيرة ووجوهٍ يعلوها الذهولٌ، وضعوا فيها ما يحبّونه من بقايا حاضرهم المذعور، وكأنّهم يرمّمون طفولتهم بما تيسّر من ألعابٍ وأشيائهم الخاصّة، يضعونها قرب أسرّتهم وكأنّ قدرهم أن يحملوا أعباء البلاد فوق ظهورهم الغضّة منذ أولى خطوات العمر، ليس لشيء إلّا لأنّهم ولدوا في لبنان.

لقد كبر أولادي قبل أوانهم، وأصبحوا يجهّزون حقيبة النزوح “احتياطًا”، يعيدون ترتيبها أمام مسمعي مرةًّ تلو مرّة، دون أن يدركوا ببراءتهم كيف يفتكون بقلبي المنهك، وكيف يحوّلون فكرة الفرار إلى “تمرينٍ” يوميّ، إلى مستقبل في طريقٍ لا يعرفون نهايته. ماذا أقول لهم، وماذا أفعل؟ هل أشرح لهم أنّها فترة وتنقضي، وأنّ الوطن ليس حقيبة، وهم شركائي في القلق، بدل أن يكونوا أمانتي في كنف الطمأنينة؟ ماذا أقول لهم، لا شيء يعجبني؟

يقول درويش

يقول درويش: “سأقْطعُ هذا الطَّريق الطويل، وهذا الطريقَ الطويلَ، إلى آخِرهْ إلى آخر القلب، أقطعُ هذا الطريقَ الطويلَ الطويلَ الطويلْ.. فما عدتُ أخسرُ غير الغُبار وما مات منِي”.

يضيف درويش: “تضِيقُ بِنَا الأرضُ أَو لا تضِيقُ، سنقطعُ هذا الطَّريقَ الطَويلْ، دَارت بِنَا الرِّيحُ دارتْ، فَمَاذا تقُولْ؟ أَقُولُ: سأَقطَعُ هَذا الطَّريقَ الطَّويلَ إلى آخِرِي… وإلى آخِرِه”.

لقد تحوّل واقعنا إلى إرثٍ ثقيل، أشتهي نزوحًا بعيدًا حتى من البلاد، تسكّعًا في الفضاء الفسيح بحقيبةٍ فارغة، بعيدًا من صراع الجغرافيا. هو طريقٌ طويل يمتدّ إلى آخر القلب، نبحث فيه عن هويّةٍ ضاعت في الزحام والشتات، مدركين بمرارة أنّ الانتماء كذبةٌ كبرى؛ فما الوطن إلّا بيئةٌ آمنة ومكانٌ طيّب للعيش، وما دون ذلك ليس سوى “حقيبة” نجرُّها خلفنا ونحن نقتفي أثر ذواتنا التي فقدناها في الطريق.

حقيبة منهكة لذاكرة ممزّقة

لقد غدت حقيبتي المنهكة مكانًا لذاكرةٍ ممزّقة وحنينٍ مستحيل، وتجسيدًا حيًّا لذاك الفقدان الدائم، إلى ميزانٍ قاسٍ يعلّمنا “فرض التخلّي” قسرًا؛ فالمساحة ضيّقة والقلب مثقل، وعليك أن تختار بدموعك بين ما تحبّ وبين ما تحبّ أكثر، أن ترتّب أولوياتّك وفقًا لقانون البقاء بين حرب وهدنة ولا هدنة وعودة ولا عودة.

ربّما تعبنا من النزوح، ومن جرّ جراحنا من منطقة إلى أخرى، لكنّنا سنمضي حتّى نصل، إلى مكان يليق بإنسانيّتنا، ومكانٍ لا نضطرّ فيه يومًا إلى إفراغ الحقائب كي نضع فيها بقايا حياة تتفتّت.

لقد تخلّيتُ عن ضحكاتي في الأيّام الآمنة، واستبدلتها بقميصٍ واحد وبنطلون جينز؛ ففي زمن النزوح لا وقت للأناقة، دسستُ هويّتي وجواز سفري، وشهاداتي مع قليلٍ من الذهب والمال، و”لابتوب” يحفظ أعمالي.

أمّا في الحقيبة الأخرى، فثمّة وطنٌ من نوعٍ آخر: زيت زيتون، وزعتر (صعتر)، وكشك.. “مونة” البيت التي لا تُشترى من غربة الشوارع، بل تُحمل كتميمةٍ لعلّها تذكّرنا بطعم الديار. لقد فهمنا أخيرًا “درس الاختصار” بأقسى صوره؛ أن نختار ما يكون أقلّ حملًا فوق الأكتاف، لكنّه “أثقل وجعًا” في الصدور.

لقد غيّرتني الحرب، حوّلت حقيبتي إلى مستودع من عالمي الضيّق، بحثًا عن مكان نُولد فيه من جديد تحت وطأة الرماد.

عُمر في حقيبة

أن يكون المرء نازحًا، يعني أن يختصر ما تبقّى من عُمره في حقيبة، ويمضي خفيفًا من المتاع، بلا عنوانٍ. في نهاية هذا الطريق الطويل الذي يمتدّ إلى آخر القلب، أدركت أنّني لم أعد أملك من نفسي القديمة سوى نسخ باهتة. لقد غيّرتني الحرب، حوّلت حقيبتي إلى مستودع من عالمي الضيّق، بحثًا عن مكان نُولد فيه من جديد تحت وطأة الرماد. غيّرتني الحرب حين خرجتُ من بيتي مجبرة، أجرّ حقائب محمّلةً بالوجع والغضب، وأجرّ معها جراحي من مكان إلى مكان.

في أماكننا الجديدة، تظلُّ الحقائبُ مطبقةً على أفواهها، لا أتجرأ وأخرج محتوياتها إلى العلن؛ تظلُّ حارسًا شخصيًّا لهويّتنا الموقّتة. في حالٍ من الترقّب المستمرّ، إنّها سيكولوجيا “المكان القلق”، حيث يمتنع القلبُ عن بناء أيّ علاقةٍ دائمة مع جدرانٍ يعرف أنّها ستتغيّر، معتادًا على ترقّب انتقالٍ جديد قبل أن يخلع حذاء التعب. لذا، تنام الحقائب بجوارنا، نتحيّن اللحظة التي تتدهور فيها الأوضاع فجأة، لنكون جاهزين للمضيّ إلى المجهول، في رحلةٍ وجهتها الوحيدة الطريق.

وهكذا، نمضي في هذا الطريق الطويل لا يحدونا أمل الوصول بقدر ما يرهقنا ثقل الحكايا المكدّسة في حقائبنا. لقد غدت هذه الحقيبة، حقيقة وحيدة لا تقبل التزوير؛ هي “البيت” حين يسقط السقف، وهي “الذاكرة” حين يغدو الحاضر رمادًا. في نهاية المطاف، لسنا سوى مسافرين قسريّين في جغرافيا الوجع، نجرُّ خلفنا أوطانًا معلّبة، ونقتفي أثر ذواتنا التي تآكلت. ولكن، سنظلّ نحمل هذه الحقائب لا خوفًا من الموت وحسب، بل تمسّكًا بحقّنا في أن تكون لنا حياة، حقّنا في مكان لا نضطرّ فيه أبدًا إلى فتح حقيبةٍ أو إغلاق بابٍ خلفنا بدموع الوداع، مكان نضع فيه أحمالنا ونستريح… فقط لنستريح.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى