تعليم ونزوح في متوسّطة عمشيت الرسميّة

بَين واقِع النزوح الذي حَوّل عديدًا من المدارس إلى مراكز إيواء، وبين استحقاق إتمام العام الدراسيّ، رَسَا الحل وفق القاعدة الآتية: استمرار الاحتضان للواقع الأوّل والسّير لإنجاز الاستحقاق في الثاني، وبين الاثنين تسكن حَكايا وَجع أناس اقتُلعوا من أرضهم وأصبحوا نازحين. وبدلًا من أن يكون أبناؤهم طلّابًا على مقاعد الدراسة، ها هم مع أولادهم نازحون يعيشون في الصفوف نفسها.

هذا هو حال متوسّطة عمشيت الرسميّة التي بلغ عدد النازحين فيها 70، وزّعتهم إدارة المتوسّطة على 15 غرفة، ضمن جَناحَين خاصّين بالنازحين، في الطابقين الأرضيّ والثالث، واستطاعَت أن تتابع تدريس التلامذة حضوريًّا، قبل الظهر وبعده.

إهتمام مَدرسيّ وبَلديّ

أتى النازحون من الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت، ومن شمسطار في بعلبك، ومن إرزاي (صيدا) ومجدل سِلِم (مرجعيون)، وبَافليه (صور) في الجنوب، ولجأوا إلى هذه المتوسّطة التي أمّنَت لهم الكهرباء بشقّيها الرسميّة والمولّدات على مَدار الساعة، أمّا المياه فتصلهم يوميًّا بواسطة صهاريج أمّنتها بلديّة عمشيت عبر الدفاع المدنيّ.

وبخصوص تأمين الطعام، تقوم جمعيّة LSR بشكل دوريّ بتوزيع وجبة غذائيّة كاملة يوميًّا لكلّ نازح، إضافة إلى مُبادرات فرديّة عديدة قام بها أبناء عمشيت، فوَفّروا لهم كلّ ما يتعَلّق بأدوات الطبخ والجَلي والغسيل، وكذلك احتياجات الأطفال من حليب وغيره.

مشكلة فاتورة المولّد

من المشكلات التي تواجه النازحين، تَبرز فاتورة المولّد الكهربائي، والتي بَلغت 300 دولار في شهر نيسان الفائت، ولم تستطع إدارة المتوسّطة دفعها إلى الآن، على الرغم من أنّ إدارة المتوسّطة تواصَلت بشأنها مع “المَعنيّين”، فجاء الجواب “أخذنا عِلمًا بذلك”؛ إلّا أنّ “المَعنيّين” لم يدفعوها حتّى الآن، فكيف سيتصرّفون مَع الفواتير الأخرى؟

خلال جَولتها في المتوسّطة، التقت “مناطق نت” عددًا من النازحين، منهم من آثرَ عدم الكلام، ومنهم من رغب بذلك فتحدّث عن معاناته. يقول النازح رضى حسين كنعان إنّه كان يَملك شّقة فسيحة في حَيّ السلّم، يَسكن فيها مع عائلته المؤلفة من أربعة أفراد (ثلاث صبايا وشاب واحد). وتابع لـ”مناطق نت”: “مَرّ عَليّ أكثر من 70 يومًا وأنا أقيم ضمن هذه المتوسّطة في غرفة مساحتها 20 مترًا مربّعًا مع عائلتي، إضافة إلى عائلة ابنتي المؤلّفة مِن ولدَين”.

وعَن كيفيّة تمضية أيّامهم في هذه الغرفة، يوضِح كنعان “نَتقاسَم إعداد الطعام مُداورَة بين العائلتين، وأيضًا طاولة الطعام، وفي الليل نفترش أرض الغرفة ونخلد إلى النوم”.

متوسطة عمشيت الرسمية التي تستقبل اليوم طلابًا ونازحين في الوقت عينه
“ما إلي نَفَس آكُل”

يضيف كنعان، الذي كان قد أجرى عمليّة قلب مفتوح وتوقّف عن العمل بسبب ذلك: “يلزمني 200 دولار أمريكيّ كلّ شهر لأشتري أدوية، وعلى الرغم من أنّ هناك بعض الجمعيّات والمؤسّسات التي تؤمّن الأدوية لي، إلّا أنّ هذا الأمر لا يتمّ بشكل مُستدام”.

عن حياته قبل الحرب يوضِح: “قبل هذه الحرب المَشؤومة، كانت ابنتي موظّفة في مؤسّسة خاصّة، وكانت تُعيلنا من مُرتّبها، لكنّها اضطرّت للنزوح معنا إلى هذه الغرفة، وتوقّفت قسرًا عن العمل”.

يضيف: “منذ أسبوع تقريبًا قدّموا 50 دولارًا لكلّ عائلة نازِحة في هذه المتوسّطة، وهناك جمعيّات تُسَلّمنا قسائم غذائيّة، كما انّ جمعيّة LSR تقوم بتوزيع وَجبات غذائيّة يوميّة علينا، أمّا الجمعيّة الإنجيليّة فتزوّدنا بالمعلّبات والأجبان”. وبعد ابتسامة متواضعة، يردف: “لا أعَوّل كثيرًا على الأكل، لأنّني أساسًا ما إلي نَفَس آكُل”.

دَمار حَي السلّم

يتنهّد كنعان قبل أن يتابع حديثه، ثم يقول: “خلال اليومَين الأوّلين من الهدنة، تجَوّلت ابنتاي في حَي السلّم، فذُهلتا من حجم الدمار الهائل، ثمّ تفقّدتا شِقّتي فإذا بأبوابها مخلّعة، والزجاج مُتناثِر في كلّ مكان. ما يعني أن لا إمكانية للسكن فيها إلّا بعد ترميمها بشكل كامِل، فمِن أين نأتي بالمال للقيام بذلك؟”.

ويختم حديثه بـ”شروقيّة” مِن تأليفه، فيُنشِد:

«لبنان يا تَاج الدنِي ويا زينِة البلدان
فِيك الفَقير والغَني
ما بْرِيد شَبّ ينهَان
ولا بْريد صَبيّه جبِينها ينحِني»…

14 شخصًا في غرفة واحدة

من ناحيتها، تقول أميرة كنعان النازحة من حَي السلّم: “تَتشاطَر عائلتي غرفة واحدة في هذه المتوسّطة مع عائلة ابني وعائلتَي ابنتَيّ، وعَديدنا هو 14 شخصًا”. تتابع لـ”مناطق نت”: “أنا أهتَمّ بالطبخ يوميًّا مَع كِنّتي وبَناتي، وفق المساعدات الغذائيّة التي تقدّمها لنا الجمعيّات، كالمعلّبات واللحوم والأجبان والخضار، أمّا ألبستنا فنغَسلها مُداوَرة”.

توضِح أميرة أنّ “هذه الحرب فرّقت العائلات بعضها عن بعض، فلقد نزَحَ إخوتي إلى عَرمون، وسَكنوا عند أشخاص يعرفونهم، وكنتُ أطمئنّ عليهم من خلال “الواتساب”، لكنني لم أستطِع أن ألتقيهم بعد”.

وتضيف: “في اليوم الأوّل من الهدنة، تفقّد أخوتي الضاحية الجنوبيّة، وأخبروني أنّ الدمار يَعمّ مختلف الأمكنة، وأنّ بنايتنا مُصَدّعة في حَي السلّم بسبب الغارات، لكنّهم سيَسكنونها على الرغم من أن لا إمكانيّة لديهم حاليًّا لترميمها بالكامِل”. وتختم أميرة: “أتمنّى أن يُرَمّمها أخوتي في أسرَع وَقت ممكن، وأن يستقرّ الوضع الأمنيّ لكي نعود مجدّدًا إلى حَيّنا”.

مَواسم تلَفت بلا تعويض

من ناحيته، يروي الشّاب أحمد حجازي، وهو مُزارع مِن قرية مجدل سِلِم الحدوديّة، حكايته مع النزوح، فيقول: “تركتُ مع عائلتي المؤلّفة من زوجتي وأولادي الثلاثة إضافة إلى أمّي مَنزلنا في مجدل سلم عند الثالثة فجرًا، وأمضينا 19 ساعة في خلال الطريق إلى أن وصلنا إلى هنا عند العاشرة ليلًا من اليوم التالي. إستقبلونا في حَرم المتوسّطة، وسَجّلوا هويّاتنا، ووزّعونا على الغرَف”.

أحمد، الذي كان يعمل مزارعًا قبل الحرب ووَرث الزراعة عن والده، أوضح أنّ الزراعة التي يمارسها بَعليّة تِبعًا للمواسم، وهي تعتمد على مياه الأمطار.

ويتابع حديثه لـ”مناطق نت”، فيقول: “كنتُ أعتمِد بشكل رئيس على موسم الزيتون، لكنّه لم يَعد صالحًا منذ الحرب السابقة بسبب قنابل الفوسفور الإسرائيليّة”. ويردف: “لأنّ قريتنا قريبة من الحدود، نزحَ معظم أهلها ولم يَبقَ فيها أحد كي يهتمّ بالمَحاصيل في أثناء هذه الحرب”.

ينظر حجازي من النافذة إلى جهة الجنوب، فيقول: “قبل ثلاثة أشهر زرعتُ موسمًا يتضمن فولًا وبازلاء وعدسًا وحمّصًا، بعضها فاتَ أوان قطافه وخسرت الموسم، وأخشى أن تطول الحرب وتُتلف بقيّة المواسم، فتكون خسارتي كبيرة جدًّا مثل السنة الماضية، خصوصًا أنّ وزارة الزراعة لم تعوّض عليّ خسائري ولا الجمعيّات ولا أيّ أحد”.

حجازي: قبل ثلاثة أشهر زرعتُ موسمًا يتضمن فولًا وبازلاء وعدسًا وحمّصًا، بعضها فاتَ أوان قطافه وخسرت الموسم، وأخشى أن تطول الحرب وتُتلف بقيّة المواسم

لم تنتهِ الحرب كما كنتُ آمل

وعمّا إذا كان يحاول إيجاد عمل له، يقول حجازي: “لم أسأل عن فرَص عمل هنا، لأنّني كنتُ آمل أن تنتهي هذه الحرب بسرعة، لكنّها لم تَنته”. وعن كيفية تمضية أوقاته، يضيف “أحيانًا أنزل إلى الملعب، وأتسلّى بالفوتبول والڤوليبول، وأتواصَل مع أقربائي وأصدقائي، الذين تشَرذَموا في أماكن مختلفة، من خلال الواتساب، كذلك أتابعُ يوميّات الحرب عَبر مواقع التواصل”.

وعن الأسباب التي حالت دون تفقّد منزله في بلدته بعد إعلان وَقف إطلاق النار، يوضح حجازي: “بعدما أُعلن وَقف إطلاق النار، جَهّزنا أغراضنا وصَمّمنا على العودة إلى مجدل سلم، لكن للأسف عندما سمعنا أنّ البلدة ومحيطها لا يزالان يتعرّضان للقصف، أحجَمنا عن العودة، لكن على الرغم من ذلك علمتُ لاحقًا أنّ هناك أشخاصًا عادوا وتفقّدوا ما بَقي من منازلهم”. وعن كيفيّة تأدية “فرائضه” الدينيّة، يوضِح: “أصلّي مع عائلتي في هذه الغرفة”.

ويختم حجازي: “ليس من العدل أن نُهجَّر كلّ سنة من الجنوب، وتكسد مواسمنا وييبَس كثير من أراضينا بسبب الصواريخ الإسرائيليّة. نريد أن نعيش مثل بقيّة اللبنانيّين، ونتمنّى أن يتعَلّم أولادنا كما يجب، وأن يَنالوا أفضل المراكز، وأن نشعر بالأمان الدائم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى