هناء الحامل في شهرها الأخير يوم نزحت فوق درّاجة ناريّة

في خيمة نزوح، جلست هناء زلغوط (28 سنة)، النازحة من بيت ليف في قضاء بنت جبيل إلى بيروت، وهي حامل في شهرها الأخير، تطرح أسئلة ثقيلة لا تجد لها أجوبة: “كيف بدّي ولّد؟ ووين بدّي ولد؟ وكيف رح يعيش ابني؟”.
قبل أيّام قليلة من موعد المخاض والولادة، وفي فجر الثاني من آذار (مارس) الماضي، اندلعت الحرب في لبنان وتحديدًا الجنوب. لم تعد حياة هناء بعد ذلك التاريخ كما كانت قبله، تبدّلت جذريًّا، نهضت بعد منتصف الليل لتجد نفسها مجبرة على مغادرة منزلها، متّجهة نحو مصير مجهول مليء بالخوف والقلق، تاركة خلفها الأمان الذي كانت تعيشه، وتحضيرات الولادة الخاصّة وجهاز الطفل، حتّى إنّها خرجت بثيابها التي كانت ترتديها فقط.
محطّات النزوح على درّاجة ناريّة
نزحت هناء مع زوجها وابنتها البالغة من العمر ثلاث سنوات فوق درّاجة ناريّة، لتواجه زحمة الطريق والبرد والخوف من القصف العشوائيّ. رحلة النزوح كانت مؤلمة وغير آمنة، خصوصًا أنّ هناء حامل في شهرها التاسع. تصف هناء ذلك بالقول: “كانت الطريق متعبة جدًّا، بعد مرور أربع ساعات على المسير، فقدت القدرة على التحمُّل. هدّني التعب، وبسبب التوتّر أصبحت أشعر باشتداد في بطني.”
لم تتمكّن هناء من إكمال الطريق نحو بيروت، فقرّرت التوقّف مع عائلتها في مدينة صور. مكثوا هناك مدّة يومين، قبل أن تتصعّد الأمور مرّة أخرى، وتتوسّع رقعة الاستهدافات والغارات الحربيّة. تقول هناء: “وقعت غارة بالقرب منّا، وأنذروا المبنى الذي كُنّا لجأنا إليه. لم نعد نعرف ماذا نفعل؟ وكيف استطعنا تدبّر أمورنا وترك المكان بسرعة؟.”
كانت لحظات سريعة ومليئة بالذعر، لم تستطع هناء التقاط زمام الأمور مرّة أخرى، لكن وبدون أيّ تخطيط مسبق أو معرفة المصير الذي ينتظرها، عادت العائلة إلى طريق النزوح من جديد.
محطة ثانية على الرصيف ثم الخيمة
بعد ست ساعات من النزوح على الدرّاجة الناريّة، وصلت هناء مع زوجها وابنتها إلى بيروت، وتحديدًا إلى ساحة الشهداء، لكن الوصول إلى هناك لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية معاناة أخرى وقهر أوسع تشاركته هناء وعائلتها مع النازحين الذين التقتهم هناك.
تتذكّر هناء تفاصيل تلك اللحظات “لم نجد مكانًا نأوي إليه سوى رصيف افترشناه. نصبنا شادرًا وداخله بتنا ثلاثة أيّام بنهاراتها ولياليها. كان البرد قاسيًا، ولم يكن بحوزتنا لا فرش ولا أغطية”. تتابع هناء: “ابنتي الصغيرة، عندما كانت تريد النوم، كانت تنام في حضني”.
ما واجهته هناء من مصاعب تؤكّد أنّ النساء غالبًا ما تُلقى على عاتقهنّ أعباءً أكثر بكثير من بقيّة أفراد الأسرة، يحاولنَ دائمًا تخفيف معاناة أطفالهنّ وأفراد عائلاتهنّ، حتّى وإن كان على حساب راحتهنّ، يتحمّلن كلّ ذلك برحابة صدرٍ، يدفئن البرد، ويليّنّ الحجر، ويجعلن للأكل طعمًا أفضل، ومن الخيمة بيتًا قدر المستطاع.
“كيف بدّي ولّد؟ ووين بدي ولد؟ وإذا ولّدت، شو بدّي أعمل؟ بدي ظلّ قاعدة بالخيمة؟ كيف رح يعيش ابني؟”.
طارت الخيمة
بعد أيّام من النزوح والنوم على الرصيف حصلت هناء وعائلتها على بعض المساعدات من فرش وأغطية، ثمّ على خيم بديلة. لكن حتّى إنّ هذه الخيم لم تصمد في مواجهة الطقس العاصف. تقول هناء: “وضعنا الخيم على الرصيف وغطّيناها بالشوادر، لكن عندما هبّت العاصفة طار الشادر وطارت معه الخيمة، لنجد أنفسنا في العراء”. ثمّ تتابع بأسى “كانت الأمطار تتسرّب إلى الخيمة، وفي ليالي الشتاء كنّا ننهض لنجد أنفسنا مبلّلين بالماء، عدا عن الرياح الشديدة التي كانت تعصف بالخيمة وتصيبنا بالذعر”.
مرضت هناء بسبب الظروف الصعبة التي واجهتها، وعانت من حالات صحّيّة صعبة، مثل الاستفراغ والإسهال، وأصابها ألم حادّ في المعدة بسبب البرد وتبلّلها بالماء، الأمر الذي أدّى إلى تأجيل موعد ولادتها. كلّ ذلك في ظلّ غياب واضح لتدخّل الدولة والجمعيّات المعنيّة في تأمين النازحات الحوامل.
لم تكن هناء وحدها تعاني من تلك الأوضاع، بل كانت مع نساء أخريات ومن دون وجود رجال “كنّا نساء لوحدنا، أنا ومعي ابنتي عمرها ثلاث سنوات، وأختي ومعها ابنتها وعمرها أربع سنوات.”
الأيّام الأخيرة: قلق واكتئاب
مع اقتراب موعد وضع هناء لمولودها، واستمرار معاناتها الصحّيّة والظروف الصعبة التي تمرّ بها، إضافة إلى العاصفة والحرب، ازداد الضغط النفسيّ عليها حتى وجدت نفسها تعاني وتعلن: “بلّشت اكتئب”.
جميع أفكارها كانت تتمحور حول الخوف على مولودها من جهة، والخوف من المستقبل المجهول من جهة أخرى. احتشدت الأسئلة في رأسها طوال الوقت: “كيف بدّي ولّد؟ ووين بدي ولد؟ وإذا ولّدت، شو بدّي أعمل؟ بدي ظلّ قاعدة بالخيمة؟ كيف رح يعيش ابني؟”.
“انقضت خمسة أيّام كانت فيها حالتي صعبة جدًّا.” تتذكّر هناء الأيّام الأخيرة قبل أن تضع مولودها. بسبب المخاض والتقلّصات، ذهبت هناء إلى المستشفى ثلاث مرّات، لكن في كلّ مرّة كانت الولادة تؤجّل بسبب وضعها الصحّيّ، ولأنّ وضع مولودها قبل الأوان من خلال عمليّة قيصريّة ربّما يتطلّب عناية خاصّة، لم يكن متوافرًا في المستشفى الحكوميّ، خافت هناء. بدأت تتوجّس الاحتمالات من أن يصيبها مكروه أو يحصل لها نزيف أو يتعرّض مولودها للأذى “كنت ظلّ قاعدة عم إبكي”.
ولادة حسن والعودة إلى الخيمة
في أواخر أيّام حملها أنجبت هناء طفلها وأسمته حسنًا، وذلك في مستشفى حكومي، وبدعم من مبادرات فرديّة ووجود أفراد عائلتها إلى جانبها.
بعد خروجها من المستشفى، عادت هناء إلى الخيمة مع طفل حديث الولادة، لكن مع تبديل مكان الخيمة التي تمّ نقلها من ساحة الشهداء إلى منطقة الواجهة البحريّة لبيروت. وفي ظلّ طقس شتويّ عاصف وبرد قارس، وعدم وجود ملجأ آخر سوى الخيمة. استمرّ القلق، تقول: “كنت أخاف عليه من المرض، فالجوّ كان باردًا جدًّا وعاصفًا.”

ما بعد الولادة: خوف لا ينتهي
مرّ شهر على ولادة حسن، لكنّ الطمأنينة لم تأتِ والحرب لم تنتهِ، ومعهما عاد القلق مرّة أخرى، والذي لا تزال هناء تعيشه بل ربما أكثر، بخاصة مع غياب أيّ أفق للحلّ ووضع حدٍ للحرب القائمة، وبعد خسارتها لبيتها في الجنوب. كلّ ذلك وهناء ما زالت ترزح تحت رحمة خيمةٍ وتحلم بعودة أصبحت بعيدة.
الأسئلة لا تفارق مخيّلة هناء: “كم من الوقت سنبقى هنا في هذه الخيمة؟ وهل من المعقول أن يصبح عمر ابني شهرين أو ثلاثة وهو يقبع هنا في الخيمة؟”.
ما حصل مع هناء، بكلّ تفاصيله، ليس مجرّد حكاية نزوح، أو حالة فرديّة، هو شهادة حيّة على معاناة الأمّهات اللواتي يواجهن الحمل والولادة في ظروف قاسية، ويصمدن من أجل المسؤوليّات التي تقع على عاتقهنّ.
منذ بضعة أيّام، لم تعد هناء وعائلتها يطيقون العيش في بيروت، هم الذين اعتادوا هواء الجنوب وسماءه ورائحته، لذا شدّوا الرحال إلى هناك، لكن ليس إلى بلدتهم بيت ليف التي دُمّرت وجُرّفت واحتُلّت، بل إلى مكان يألفونه ويشتمّون من خلاله رائحة بلدتهم. إلى صور انتقلت هناء ومولودها وعائلتها، لكن إلى خيمة أخرى نصبوها في ملعب إحدى المدارس التي تحوّلت إلى مركز إيواء، يعيشون فيها وزادهم أمل العودة إلى بلدتهم التي لا يرونها إلّا أجمل مكان في العالم.
13,500 امرأة حامل
في تقرير نشرته الأمم المتّحدة بتاريخ الـ 14 من نيسان (أبريل) الماضي، وصفت ممثّلة صندوق الأمم المتّحدة للسكّان في لبنان، بأنّ هناك ما يُقدّر بنحو 13,500 امرأة حامل نازحة بحاجة ماسّة إلى رعاية صحّيّة للأمومة والصحّة الإنجابيّة، من بينهنّ 1700 امرأة لا يزلن موجودات في جنوب لبنان، الذي يتعرّض إلى هجمات مستمرّة.
يولد أطفال في خيم لا تشبه البيوت، وفي ظروف لا تضمن لهم الحدّ الأدنى من الاستقرار والراحة والأمان لهم ولأمهاتهنّ. وتظلّ الأمومة الشعور الوحيد الذي يخفّف المعاناة ومرارة الحياة. فيما تبقى الأسئلة معلّقة، بانتظار وطنٍ أقلّ تعثّرًا، ويحمل مستقبلًا أفضل في الأقلّ لمن ولدوا في حرب لا يعرفون عنها شيئًا.




