القراءة في زمن الحرب صدى مكتوم لأجوائها الملبّدة

تراني أستجدي رفوف الكتب في مكتبتي لعلّها تمدّني بكتاب يخفّف من وطأة الحرب وضجيجها. لكن، ماذا عندما تكون الحرب هي الكتاب الأضخم؟ تراني أقلّب عبر أصابعي صفحات هذا الكتاب أو ذاك وثمّة رغبة ملحّة تحدوني للمكوث بين هذه الصفحات إلى أن تنتهي الحرب.

لكن، ماذا عندما تكون الحرب هي تلك الصفحة الضخمة المترامية الأطراف والتي ترانا ندوّن تفاصيل يوميّاتنا فوق لونها الأسود منذ عقود وعقود؟ بالنسبة إلى عاشق الكتب كلّ “اليوتوبيات” التي في ذهنه لا تؤدّي إلّا إلى مكان واحد: إلى المكتبة، كما يقول المؤرّخ الثقافيّ “شارل لو بلان” في كتابه “الترجمة وتاريخها الطبيعيّ”. ولكن، ماذا لمّا تتحوّل المكتبة إلى صدى مكتوم لأجواء الحرب وقد فاضت هذه الحرب بقذاراتها فوق كلّ الأنحاء؟

ليست القراءة في هذا السياق فعل بداهة على الإطلاق وليست بالواقعة التي تجيز للمرء ملاحقة الطرق الشاسعة للكلمات، فضلًا عن أنّ القراءة ليست – في زمن الحرب – أداة متعة من قريب أو من بعيد. لست أدري إذا ما كان بالمستطاع تعريف القراءة في زمن الحرب حيث الكلمات وقد انكمشتْ وحيث الصفحات وقد تلبّدتْ إلى حدود الهشاشة والخذلان.

حروب بلا نهاية

قيل في القراءة كثير ومن جملة ما قيل إنّها فعل تمرين يوميّ على ابتكار نظرة مختلفة عن العالم وعن الحياة. ولكن، ماذا عندما يكون العالم مصرًّا على ألّا يقدّم نفسه إلّا عبر سلسلة لا نهاية لها من الحروب؟ عندما اندلعتْ الحرب اللبنانيّة في الـ13 من نيسان (أبريل) من العام 1975 كنت في الشهر السادس من العمر وها أنا وقد تجاوزت الخمسين، تراني أعايش يوميّات حرب “إسناد إيران” شئت ذلك أم أبيت؟

لطالما كرّرتُ مع الأرجنتينيّ “ألبرتو مانغويل” ما جاء في كتابه “تاريخ القراءة”، حيث يقول: “إنّ القراءة قد أعطتني عذرًا مقبولًا لعزلتي. إلّا أنّ معايشة الحروب تثبت بالعمق أنّ العزلة مجرّد كذبة أو هي وهم زائف، ذلك أنّ للحرب بعامّة تلك القدرة الفائقة على اختراق العزلة والصمت وعلى تشويه وجوه ناس الروايات من الرجال والنساء وعلى جعل الكلمات المصفوفة فوق بياض الصفحات مجرّد شواش يجرّ شواش”.

إنّ العيون التي تتدفّق فوق كلمات الكتب تراها تأبى الانصياع إلى محض هذه الكلمات في إبّان الحروب، وإذا كان لكلّ معنى في هذا العالم الشاسع حكايته الخاصّة فإنّ معنى القراءة ينزوي في ركن حالك السواد وقد تزامنت هذه القراءة مع أزمنة الحروب.

ترى الكلمات على وقع الحروب تضمحلّ، وأقصى ما تبثّنا إيّاه هذه الكلمات المسكينة هو أخبار انتفاء المعنى وأخبار العبث.

المؤلّف قد مات

ربّما تتعارض القراءة مع مزاج القارىء، وقد تكون تكملة هانئة لهذا المزاج. ترى القارىء في بعض مآربه محلّ تواطؤ مع الكاتب، وتراه في مآرب أخرى محلّ انقلاب على هذا الكاتب أو ذاك ليردّد مع “رولان بارت”: “إن المولّف قد مات”. إلّا أنّ تزامن القراءة مع صوت المسيّرة مثلًا أو مع جدار الصوت فضلًا عن تزامنها المضني مع أخبار الجثث وركام البيوت المهدّمة وقرقعة أصوات “الانتصارات”، فإنّ كلّ هذه الأمور تودي بكلّ نظريات القراءة والتلقّي ونظريات استقبال النصوص وكيفيّة التفاعل معها إلى خبر كان.

فإذا كانت القراءة بالإجمال تملك تلك الحيويّة على قولبة الأمزجة والأذهان فإنّ للحرب لغتها الخاصّة التي تقدر على قولبة فعل القراءة بحدّ ذاته، ليتحوّل هذا الفعل الرقراق إلى محض هشاشة في مستوعب هشاشات العالم حيث الكلمة الأخيرة لمجموعة من السفهاء الأشقياء من سادة الحروب ومنظّريها ومن سادة مضائقها وبحورها، فضلًا عن أولئك “المشحّرين” من ناس أنفاقها وما تعمر به هذه الأنفاق من حيص بيص العزّة والكرامة ومن وهم الانتصارات.

إنّ كلمات الكتب الكثيرة تفرّ مهرولة في حضرة هؤلاء، تراها تحمل عصا الترحال وقد صارت محلّ شرود عن كلّ استقرار. ترى الكلمات على وقع الحروب تضمحلّ، وأقصى ما تبثّنا إيّاه هذه الكلمات المسكينة هو أخبار انتفاء المعنى وأخبار العبث، ولا جدوى كلّ الأدب والشعر والفلسفات ومدوّنات العلوم الاجتماعيّة وكلّ أخبار التاريخ. إنّ الحرب تعزّز بعثرة الكلمات إلّا بما يفي شروطها، شروط الحرب بالذات، ولعلّ الشرط الأكثر هيمنة في هذه الصدد هو شرط ذبح الكلمات.

إنّ أقصى ما تستطيعه القراءة في أزمنة الحروب هو سوق المرء إللاى أن يتأمّل غبار أيديولوجيّاته وطين عقائده ورذاذ يوتوبياته، وفي البال أوهام اليسار وأطفاله العجّز من جماعة كاسترو وغيفارا بشكل خاص.

أمّا القراءة كفعل فتوّة وحيويّة ونشاط، فإنّ الحرب تسوقها لأن تكون نوستالجيّة الطابع، وتراها أقرب إلى أمل نترقّب حضوره على وقع أصوات الصواريخ وبيانات النصر، وعلى وقع نصوص الموت والحطام.

إنّ الويلات والنزوح والموت هي سطور في كتاب لا بدّ من معايشته حتّى الرمق الأخير، كتاب يُدعى الحياة.

الكتب كائنات صامتة

من النافل القول إنّ الكلمات المبثوثة بين دفّتي هذا الكتاب أو ذاك ليست بالكيانات القائمة بذاتها على الإطلاق، إنّما هي كيانات جامدة تتحيّن أن تحيا عبر جملة القرّاء. إنّ كلمات الكتب هي كائنات صامتة تترقّب نظرات عيوننا كقرّاء وتتربّص بتلك الملاحظات التي ترانا ندوّنها على حواف الصفحات أو بين الأسطر والمقاطع وبياض الفراغات.

إنّ الكتب تنتعش عبر انغماسنا فيها وترى الكلمات عندئذ تطالعنا بأسرار قد تكون محلّ غفلة حتّى من قِبل كاتبها بالذات. إنّما فجور الحرب وصخبها تعلّق لعبة الكلمات وتعلّق ضجيجها وهمسها، ولعلّ الكارثة في هذا السياق تحديدًا تكمن في قدرة الحرب على سوقنا كقراء إلى عدم الثقة بكلّ الجمل والعبارات، بكلّ المتون والهوامش، بل وبكلّ المعاجم واللغات. لكن، ما يخفّف من وقع هزيمة القرّاء أمام سطوة الحروب هو ذلك الدم المنساب من بين السطور إذا أردنا أن نستعير ما جاء في رائعة “دماء الكتب” للأسبانيّ “سانتياغو بوستيغيو”.

إنّ دماء الكتب، كما جاء في هذا الكتاب، هي دعوة لعدم الخوف. إنّها دعوة، وإن كانت تلوذ بالصمت على وقع صخب الحروب، لكنّها دعوة يعود صخبها ليحتلّ الأفئدة والأذهان والقلوب والأرواح. إنّ دماء الكتب هي دروب القرّاء حتّى في أزمنة الحرب، فنعود إلى القراءة وإلى الغوص في الكلمات وفي البال أنّ الحروب والهزائم والانتصارات, إنّ الويلات والنزوح والموت هي سطور في كتاب لا بدّ من معايشته حتّى الرمق الأخير، كتاب يُدعى الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى