حين وطأت قدماي أرضَ يحمر وزوطر آخر مرّة

على مدار السنتين الأخيرتين، مارستُ حقّي في العمل الصحافيّ، فقمت بتغطية الحرب في ثلاث جولات مفصليّة، لا تزال الأخيرة مستمرّة حتّى الآن. لم تكن هذه الحروب في نظري مجرّد آلات لتدمير القرى وتغيير معالمها، بل كانت في جوهرها حربًا لسرقة الأرض؛ هذا ما استشعرتُه بقلبي، ورأيتُه بعيني، وأحسستُه في كلّ خطوة.

كنتُ دائمًا مسكونة بالخوف ممّا سيأتي، وفي كلّ جولة عبر بلدات منطقة النبطيّة – التي أحفظ تفاصيل زواياها عن ظهر قلب – كنتُ أوثّق المشهد يقينًا منّي بأنّ التوثيق هو ما سيحمي الذاكرة في أعماقنا. ثلاثة حروب تدرّجت من العنيف إلى الأعنف، وصولًا إلى هذه المرحلة التي هي الأخطر على الإطلاق.

في تجوالي المهنيّ، لم أكن أسعى إلى النجاح، بقدر ما كنت مهجوسة بمعاينة الواقع ونقل الوجع تحت القصف والغارات. وفي تلك المساحات الضيّقة المسمّاة “هدنة”، والتي يمكن تسميتها أيّ شيء، إلّا ما أُطلق عليها، كانت الأخيرة هي الأقسى على الإطلاق.

يحمر، أرنون

حين وطأت قدماي أرض بلدة يحمر، التي لم يعد إليها أهلها إلّا خلسة لجمع ما تيسّر من حاجيّات، داهمتني غصّة شعرت معها أنّها ربّما تكون زيارتي الأخيرة إليها. هذا الشعور راودني في كلّ بلدة قصدتُها في خلال ما أسمّيه “هدنة الموت”.

عرّجتُ على أرنون، وقفتُ أتأمل قلعتها الشامخة التي تشرف بكبرياء على الجنوب بأسره، ويحاول العدو الوصول إليها واحتلالها من جديد. أمّا في يحمر التي تحمل عند ذكرها اسم الشقيف تمييزًا عن يحمر البقاع الغربيّ، فكانت الحجارة تنطق بقصص الصمود؛ مررتُ بين بيوتها العتيقة، ووقفتُ عند أطلال منزل الساحة المطلّ على بلدة الطيبة (مرجعيون) الصامدة بلا تعب. تسربت إلى مسمعي حكايا الحجر والبيوت والتراب. كلّ تلك القصص وثّقتُها، وسأنشرها تباعًا كي تكون شاهدة على مرحلة مهمّة وربّما تكون الأصعب ممّا حصل حتّى اليوم.

في يحمر الشقيف، ليست الحياة مجرّد صورة معلّقة، بل هي عشق الناس أرضهم. كانت البلدة قبل الحرب تضجّ بالحياة، في مزارعها، ومتاجرها، ومعالمها الجنوبيّة الأصيلة. وحين غادرتها ظلّ قلبي عالقًا بين بيوتها. مررتُ ثانية في أرنون وساحتها المدمّرة، ثمّ كانت قبلتي، “الزوطران” الشرقيّة والغربيّة، وهما حكاية الجنوب المتجدّدة.

“الزواطرة”

وصلتُ إلى الأطراف الشرقيّة لنهر زوطر، “الزوطرين” كما نسمّيهما، زوطر الشرقيّة وجارتها الغربيّة ليستا مجرّد بلدتين تطلّان على مجرى الليطاني، بل إنّهما جزء جميل من سيرة الجنوب وناسه. العدو يطمع فيهما ويسعى إلى كسرهما في كلّ جولة. جلت في الزوطر الأولى بين البيوت الحجريّة، رأيتُ ناسها يحاولون استغلال هدنة “اللاهدنة” لتفقد أرزاقهم؛ فهذا ينفض الركام، وذاك يحاول يرميم ما انكسر، وثالث يبحث عن أثر باقٍ. زوطر “عروس الليطاني” باتت اليوم وحيدة، إذ لا أحد يعرف حالها تمامًا بعدما قُطعت الطرق المؤدّية إليها.

نترك زوطرؤ الشرقيّة باتجاه زوطر الغربيّة، نعبر شارعها الوحيد وسط وجوه يملؤها القلق، لكن تسكنها إرادة البقاء. ثمّة تعلّق هنا بالأمكنة لا يدرك كنهه إلّا أصحاب الأرض. جلتُ بين دمار منازلها أوثّق اللحظات، وكان رفيقي “يوسف” ابني الصغير الذي لم يتجاوز عامه الثالث بعد، معي في تلك الجولات المقتطعة. وقفتُ في منزل شقيقتي، واجتاحني شعور جنائزيّ بأنّها المرّة الأخيرة.

تأملتُ من هناك الطيبة والقنطرة ودير سريان. قضيتُ يومًا كاملًا في زوطر الغربيّة، وكان بالفعل هو الأخير (حتى الآن)؛ فقد سوّي منزل شقيقتي لاحقًا بالأرض مع الدمار الشامل الذي حلّ بالبلدة. أصبح الناس يلجأون إلى الصور الجوّيّة لمعرفة مصير منازلهم، يبحثون عن بقايا جدرانها وسط الخراب الذي حلّ. صور زوطر لا تزال معششة في ذاكرتي وهاتفي، وسأبقيها موثّقة بانتظار نهاية حرب التي لا أفق لها.

قرى أصبحت بعيدة

في “حرب الهدنة” هذه، خسرنا كثيرًا. لم يعد بإمكاني الوصول إلى ميفدون كما فعلت سابقًا، ولا إلى قعقعية الجسر، ولن أتمكّن من معاينة حال كفرصير وجاراتها. هذه القرى أصبحت مناطق محظورة وخطرة للغاية، حتّى النبطيّة الفوقا صارت في دائرة الخطر.

وكأنّنا صرنا في عمق “منطقة عازلة” جديدة خُلقت في زمن الهدنة. لأوّل مرّة أشعر بأنّ هذه الهدنة سرقت أرضنا وأحلامنا وناسنا؛ ففيها ارتُكبت أبشع المجازر وبِيدت قرى. بالأمس، سقط الأطفال شهداء في منزل والدهم في عربصاليم، وفي رومين خيّم حزن ثقيل على عائلة أُجبرت على النزوح. أمّا في النميريّة، فقد كان المشهد سرياليًّا؛ إذ انتهت حكايتهم المستهدفين بالشهادة وهم يرتشفون الشاي.

جنوبنا ينزف، يحترق، ويُهدم بشكل ممنهج. لم نعد بخير، والحياة لم تعد على ما يرام. نحن لسنا على قيد الحياة بالمعنى الحقيقيّ، نحن نقبع “تحت الحياة”، والآتي يبدو أكثر خطورة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى