ما لا تنقله الكاميرا من أحاسيس الصحافيين المكبوتة

في الأيّام الأولى للحرب، وعلى أوتوستراد زحلة – الكرك، اقترب منّي شاب كان يقف بين المتجمهرين حول سيّارة استهدفها القصف الإسرائيليّ. قال بصوت خافت: “خود شوف شو ظلّ من الشهيد… فروة رأسه وأشلاء قليلة”.
لم أستوعب الجملة بداية، حتّى وجدت نفسي أمام كيس شفّاف يمدّه نحوي، وبداخله بقايا أشلاء. كانت تلك المرّة الأولى التي أرى فيها أشلاء إنسان.
أنهيت مداخلتي على الهواء وعدت إلى الفندق. الطريق القصير بدا طويلًا بشكل لا يُحتمل. لم تفارقني كلمات الشاب، ولا صورة ما في الكيس. حاولت خداع نفسي، وضعت يديّ على أذنيّ وكرّرت بصوت مرتفع: “هذه أشلاء قطّة وليست أشلاء إنسان”.
كانت محاولة يائسة للاحتيال على عقلي الذي لم يحتمل ما رأى. في تلك الليلة، لم أنم. كلّما أغمضت عينيّ، عاد الصوت نفسه في كابوس يكرّر: “تعال شوف الأشلاء”.
حقيبة صغيرة
لم أكن أتوقّع أن تمتدّ الحرب إلى هذا الحدّ، ولا أن تترك في داخلي هذا الأثر. حين غادرت، حملت حقيبة صغيرة ظنًّا منّي أنّ مهمتي ستستغرق أيامًا لا أسابيع. ودّعت أهلي على عجل، واتجهت إلى البقاع. اليوم، بعد ما يقارب الستين يومًا على رحلتي كمراسل صحافي، أجد نفسي في جنوب لبنان، أحمل إلى جانب رصيدي المهني شيئًا أثقل: ندوبًا نفسية لا تزول بسهولة.
في البقاع، تنقلت بين بعلبك وبدنايل والنبي شيت وشعث. من مجزرة إلى أخرى. في كلّ منزل مدمّر، لم تكن الأنقاض مجرّد حجارة؛ بل كتب أطفال، وأثاث، وتفاصيل حياة توقّفت فجأة.
في أحد الأيّام، صادفت اسمًا يشبه اسم أخي بين الشهداء. رأيت والدته تبكيه وتناديه. لم أتمالك نفسي. بكيت خلف الكاميرا، كطفل.
وفي مرّة أخرى، التقيت جدّة فقدت حفيدها. كانت ترثيه وتزغرد في آن معًا. لاحظتْ دمعة في عيني، فقالت لي بهدوء: “إبكِ”. فبكيت. بكيت أمّي التي اشتقت إليها، وبكيت هذا البلد الذي يبدو أنّ الحزن كُتب عليه.
لم أخبر أمي أنّني أخذت شالها معي وخبّأته في حقيبتي. كلّما اشتدّ القصف، ألفّه حولي وأتنشّقه، كأنّني أستعيد شيئًا من الأمان.
في جيرة الخيام
لاحقًا، انتقلت إلى محيط بلدة الخيام. هناك، كان صوت القصف أقرب، والخطر أكثر حضورًا. شعرت أكثر من مرّة أنّ الموت بات على مسافة خطوات.
حلّ عيد الفطر، لكنّه مرّ كأيّ يوم آخر. لا كزدورة، ولا صباح عيد، ولا يد أمّ تُقبّل. كانت النيران هي المشهد الوحيد.
خلال وجودي هناك، أتمّت أمّي عامها الثامن والأربعين. للمرّة الأولى، كنت بعيدًا منها في هذا اليوم. اتّصلت بها وغنّيت لها “سنة حلوة يا جميل”. بكتْ، وطلبت إليّ أن أعود. قالت إنّها لم تعتد غيابي عن شهر الصيام رمضان، ولا عن صباح العيد، ولا عن عيدها. أخبرتها أنّني كبرت، وصار لي جناحان.
لم أخبرها أنّني أخذت شالها معي وخبّأته في حقيبتي. كلّما اشتدّ القصف، ألفّه حولي وأتنشّقه، كأنّني أستعيد شيئًا من الأمان. في تلك اللحظات، كنت أتمنّى لو أعود طفلًا، بلا حرب ولا أخبار.
محاولة للتوازن
تحت ضغط العمل والخوف، بدأت أبحث عن وسائل بسيطة لأحافظ على توازني. ذهبت إلى حاصبيّا، اشتريت كرة سلّة، ومضارب تنس، ولعبة “السلّم والأفعى”. سرعان ما تحوّلت الفكرة إلى مساحة مشتركة مع الزملاء. دقائق من اللعب كانت كافية لنلتقط أنفاسنا.
في غرفتي، كنت أضع السمّاعات وأرفع صوت الموسيقى، محاولة لعزل نفسي عن صوت القصف. أحتسي القهوة وأفكر: “إن سقط صاروخ الآن، ربّما يكون الرحيل أقلّ رعبًا من انتظار صوته؟”.
وعلى رغم قساوة الغارات والقصف المدفعيّ المتواصل على بعد كيلومترات قليلة من تواجدنا كمراسلين ومصوّرين، وعلى رغم سقوط قذيفة على بعد أمتار منّا، لم أشعر باقتراب الموت بقدر ما شعرت به حين استشهد زملاء.
عندما استشهدت فاطمة فتوني وشقيقها وعلي شعيب، شعرت أنّ الموت دنا خطوة. وحين استشهدت آمال خليل، التي كنت على تواصل معها بشكل شبه يوميّ، شعرت أنّه اقترب خطوات.
على الهواء مباشرة
لا أدري من أين امتلكت الشجاعة، ووقفت على الهواء؟ ربّما بشكل لا يراه الأكّاديميّون مهنيًّا، وقلت ناعيًا آمال: “لا نريد لأمّهاتنا أن يشعرن بما تشعر به أمّ آمال اليوم، أوقفوا آلة القتل الإسرائيليّة ضدّ الصحفيّين”.
بين حين وآخر، أفتح هاتفي. رسائل تشجيع من زملاء ومتابعين: “أحسنت”، “شاطر”. أشكرهم، وأفكّر في نفسي: “كان يحتمل أن أكون في تغطية هادئة، معرض أو ندوة أو فعاليّة طلّابيّة؟ لكن هذه هي الحرب”.
حرب دفعتني لأن أكبر أسرع ممّا يجب، وتركتْ في داخلي ما لم أخطّط له: تجارب قاسية، وذكريات لا تُنسى. ومع ذلك، حين يسألني صديق: “لو كنت تعرف ما ستواجهه، هل كنت ستختار هذه المهنة؟”. أتوقّف قليلًا ثمّ أجيب: “نعم، ألف مرّة نعم. لأنّ أحدًا يجب أن يكون ليروي ما يحدث”.



