حين يصبح البيت ملجأً وفخّاً في آنٍ واحد

في لحظاتِ الحربِ التي نتجرّعُ سُمّها يوميًّا، لم يتغير العالمُ الخارجيّ فقط، بل تغير المكان الذي يُفترض أنّه الأكثر ثباتًا واستقرارًا في حياتي، البيت. ذلك الفضاء الذي ارتبط دائمًا بالفكرة البسيطة للأمان، تحوّل اليوم تدريجًا إلى مساحةٍ مُتشابكةٍ، تتداخل فيها الطمأنينة مع التوتّر والسكينة مع القلق، حتّى يَصعب عليّ أحيانًا تحديد ما إذا كنت أدخل إليه لأحتمي فيه أو لأنعزل عن العالم أكثر ممّا ينبغي!

في بيروت التي تعيش تحت وطأة هذه الحرب المجنونة، لم يعد البيت، بالنسبة إليّ، مجرّد مكانٍ أعود إليه بعد يومٍ طويلٍ، بل أصبحَ نقطةَ ارتكازٍ أساسيّة تدور حولها الحياة. وكلّما ازداد الخارج اضطرابًا بفعل مشاهد وأصوات القصف والموت والدمار والتهجير، ازداد داخلي ثقلًا. وكأنّ الجدران التي افترضتُ أنّها ستحميني من العالم خذلتني.

الحرب غيّرت علاقتي بالبيت

قبل هذه الحرب، جسّد البيت بالنسبة إليّ مساحةً للعودة، أغادره صباحًا إلى العمل ثمّ أعود إليه في المساء كنوعٍ من استعادة التوازن. لكنّ هذا الإيقاع تغيّر، إذ أصبح البيت هو نقطة البداية والنهاية في آنٍ واحد، وأحيانًا المساحة الوحيدة الممكنة للحركة والحرّيّة.

هذا التحّول ليس تقنيًا وحسب، بل نفسيّ أيضًا، لأنّ البيت صار يحمل بالنسبة إليّ أكثر من وظيفة. فصحيح أنّه مكانٌ للراحة عادةً، لكنّه بات اليوم مكانًا للانتظار ومتابعة الأخبار واتّخاذ القرارات الصغيرة، التي كانت تقرّر في الخارج تلقائيًّا. فأتساءل يوميًّا: “هل أخرج اليوم؟ هل أؤجّل هذا اللقاء؟”.

حتّى إحساسي بالمكان تغيّر كلّيًّا، فلم يعد بيتي مغلقًا تمامًا على الخارج، لأنّ الخارج بات يدخل إليه باستمرار عبر الشاشات والأصوات والإشعارات التي أتابعها باستمرار. ولم يعد هناك فصلٌ واضحٌ بين الداخل والخارج، بل أصبحت أعاني من تداخلٍ دائمٍ بين الاثنين، ما جعل بيتي فضاءً مفتوحًا على قلقٍ مستمر.

في هذا المعنى، لم يعد البيت يجسّد بالنسبة إليّ مجرّد جدرانٍ وأثاث، بل انتقل إلى كونه بنيةً نفسيّةً أيضًا تتأثّر بما يحدث في الخارج، وتعيد إنتاجه بشكلٍ مختلفٍ في الداخل.

المنزل أمان أو عزلة؟

منذ إعادة إغراقنا في هذه الحرب، بات البقاء في البيت خيارًا بديهيًّا في يوميّاتي، إذ يقدّم إليّ شعورًا مباشرًا بالأمان. فالجدران تحمي، الأبواب تُغلق، والمسافة مع العالم الخارجيّ تتدنّى. لكن مع الوقت، يبدأ هذا الأمان في اكتساب وجهٍ آخر، لأنّ البقاء الطويل داخل البيت لا يعني فقط الحماية، بل يعني أيضًا الانفصال التدريجيّ عن إيقاع الحياة في الخارج. وهذا التقليل من الحركة يُنتج نوعًا من العزلة التامّة.

هكذا، تغيّرت علاقتي مع الوقت منذ بداية الحرب، وباتت الأيّام متشابهة أكثر، وأصبحت الحدود بين النهار والليل أقلّ وضوحًا بالنسبة إليّ. فلم يعد الخروج حدثًا يوميًّا طبيعيًّا، بل قرارًا يحتاج إلى تفكيرٍ مسبقٍ وتأكّدٍ من أمان المنطقة التي أرغب في الذهاب إليها أو المرور بها.

والعزلة هنا ليست بالضرورة انقطاعًا عن الناس، بل هي نابعة من متابعتي للعالم من نافذةٍ صغيرة، شاشة الهاتف أو التلفزيون. وبالتالي، أبني تصوّري لما يحدث خارج البيت، من خلال هذه النافذة فقط. وكلّما طال أمد الحرب، يصبح هذا العالم المصغّر هو عالمي الكامل تقريبًا.

لكنّ المفارقة أنّ هذه العزلة لا تُشعرني دائمًا بالضيق، بل تمنحني أحيانًا نوعًا من الاستقرار الموقّت. في الأقلّ أعرف أين أنا، أعرف ما هو محيطي، لذا، تقلّ المفاجآت.

الإنتظار هو العنصر الأكثر حضورًا، انتظار الأخبار وانتظار الهدوء وانتظار الغارة التي هدّد العدوّ بشنّها هنا أو هناك.

الشيطان يكمن في التفاصيل

في تفاصيل الحياة اليوميّة داخل البيت، تظهر التحوّلات بشكلٍ أكثر وضوحًا. صوت الأخبار مثلًا لم يعد مجرّد خلفية، بل بات جزءًا من إيقاع يوميّ وليليّ على حدٍّ سواء. فالتلفزيون يعمل حتّى عندما لا أتابع بتركيز، وكأنّ وجوده وحده يخلق في داخلي شعورًا بأنّني “على اتّصالٍ بما يحدث”، حتّى لو كان هذا الاتّصال مُرهقًا ومُقلقًا ومؤلمًا.

الهاتف أيضًا لا يغيب عن عينيّ أو يديّ، هكذا تبدو الإشعارات المتكرّرة والأخبار العاجلة والرسائل التي تحدّد أماكن وقوع الغارات، كأنّها جميعها تُحوِّل البيت إلى مساحةٍ مفتوحةٍ على الخارج بشكلٍ دائم. فلا يوجد فصلٌ حقيقيّ بين اللحظة الشخصيّة ومشاهد القصف والموت والدمار، بل ثمّة تداخل مستمرّ يخلق توتّرًا خفيًّا يعيش معي يوميّاتي. بينما يضيف الانقطاع أو عدم الانتظام في الكهرباء إلى قلقي واضطرابي طبقةً أخرى من الإيقاع غير المستقرّ.

أمّا الانتظار، فهو العنصر الأكثر حضورًا على الرغم من كونه غير مرئيّ. انتظار الأخبار وانتظار الهدوء وانتظار الغارة التي هدّد العدوّ بشنّها هنا أو هناك، وانتظار اللحظة التي يتوقّف فيها القصف العبثيّ. هذا الانتظار لا يحدث في وقتٍ محدّد، بل يتوزّع على اليوم كلّه ويمنحه ثقلًا موجعًا.

فخًّا أو ملجأ

مع الوقت، يصبح البيت مكانًا يحتوي على كلّ هذه الطبقات معًا. الأمان النسبيّ، والعزلة التدريجيّة، والإيقاع اليوميّ الذي تصنعه التفاصيل الصغيرة. لم يعد المكان ثابتًا كما كان، بل بات، بفعل الحرب، مساحةً تتغيّر بحسب ما يحدث خارجه، ووفق ما أشعر به في داخله.

ربّما لا يمكنني القول إنّ البيت أصبح فخًّا أو ملجأ بشكلٍ مطلقٍ بالنسبة إليّ، بل هو الاثنين معًا، في الوقت عينه. فهو يمنحني حمايةً من الحرب، لكنّه يعكس هذه الحرب إليّ بطريقةٍ مكثّفةٍ أحيانًا، كذلك يبعدني عن فوضى الحرب وجنونها، لكنّه يقرّبني من أثرها النفسيّ.

هكذا، في زمن الحرب، لا يعود البيت مكانًا موحّد المعنى، بل يصبح مساحةً رماديّةً، أعيش فيها بين حاجتي إلى الأمان، وخشيتي من أن يتحوّل هذا الأمان إلى شكلٍ آخر من العزلة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى