إن أعادوا لنا الصلحاني والناقورة والتنّور فمن يعيد لنا الرفاق؟

بدأ نوّار، ويليه الصيف، وما زلنا مهجّرين من قرانا الجنوبيّة. تتراكم الأيّام والأسابيع فوق صدورنا، وننتظر العودة على رغم ما خلّفته الإبادة. لكنّ لأيّام العطل حيّزًا خاصًّا من شوقنا وحسرتنا، لأنّنا كنّا نمضيها في أماكن محدّدة مع أحبائنا وأصدقائنا.
لم تكن هذه الأماكن مجرّد جغرافيا، ولا محطّات عابرة، كنّا نحفظها كما نحفظ وجوهنا، ووجوه من فقدنا. لم نكن نعرف أنّ الذاكرة ستصبح طريقنا الوحيد إليها، وأنّ أسماءها ستُقال لاحقًا بشيء من الحسرة والحنين والعجز، وأنّ كلّ مكان صار ينقصه مقعد وكلّ مشوارٍ صار ينقصه صوت.
هذه ليست حكاية أمكنة، بل حكايتنا. وحكايات أسلافنا، كما كانت، وكما لم تعد.
الصلحاني – راميا
قرأت منذ أيّام إنذارًا إسرائيليًّا يحظر الوصول إلى وادي الصلحاني. وكانت حسرتنا التي بدأت منذ تشرين الأوّل (أكتوبر) 2024 أنّنا مُنعنا من الوصول إليه، ثمّ فقدنا أثر شهداء لنا هناك. يرسل هاتفي إشعارات بذكريات منذ ثلاث وأربع وحتّى سبع سنوات، حيث كان للمشوار إلى الصلحاني – راميا رهجة خاصّة.
ننتظر الطقس حتّى يدفأ، والشمس تتوسّط السماء، نقرّر ونجتمع، ونحضّر سلال الفواكه والعصائر والأراغيل (النراجيل)، وأحيانًا التبّولة والمشاوي. ننطلق بموكب، ونغزو التلال بشراشف ملوّنة فوق العشب الأخضر وحقول الأقحوان، نجلس على الصخور المتلئلئة تحت أشعّة الشمس والتي تختزن بداخلها برودة الأرض، وصلابتها.
يطلّ علينا جبل بلاط، ووادي التنّور، وكروم راميا. ويقف جامع الصلحاني بمئذنته شامخًا أمام الزمان والزوّار وأعين العدوّ. ثمّ يأتي الراعي بماشيته، ونتبادل حديثًا عابرًا عن وداعة الحياة، وتبدّل الأحوال. وعند المغيب يبرد الهواء – الذي لا يوجد مثله إلّا في الجنوب- نوقد نارًا، ونجتمع حولها، وتعطينا الحياة أملًا ومعنى في نهاية النهار.

كنّا نقطف وردًا، نضعه على خدودنا، ونلتقط صورة لنا جميعًا، دون أن ندري أنّها ما سيتبقّى لنا؛ إذ استُبدلت ذكرياتنا وخططنا الجميلة بوجوه من فقدنا، وبأصواتهم وأحلامهم الممنوعة. ونفكّر: كم من مشوار خسرناه كان يمكن أن يجمعنا بهم؟ كم من ذكرى كانت يمكن أن نعيشها؟ هل سنجدهم يومًا ما حيث كنا نجلس ونتسامر؟ هكذا صارت الطريق إلى الصلحاني – راميا معبّدة بالدماء، والغربة، والشوق.
بحر الناقورة
كنّا ننطلق من بيت ليف، نمرّ براميا والضهيرة وصولًا إلى الناقورة. نستمع في السيارة إلى أغاني الدلعونا والهوّارة والمواويل القديمة. كانت رائحة البحر تحمل نكهة الألفة والبساطة والمشاعر الحقيقيّة. تجتمع العائلات والأصدقاء، نتشارك الغداء والشاي و”الأرغيلة” وصيد الأسماك.
كنّا نحبّ شاطئ الناقورة، لأنّه حتّى في ذروة ازدحامه يبقى هادئًا، محاطين بوجوه من نحبّ، نسبح معًا، ويأخذ البحر معه كلّ ما يعكّر صفو حياتنا. اليوم، نقف أمام مشاهد الأخبار والصور القادمة من الناقورة، ونحزن: كم صار الطريق طويلًا ومريرًا، ونشعر وكأنّ البحر ما عاد لنا، وأنّه غاب وراء الشمس.
كم فقدنا من الأصحاب هناك، وكم من جثامين ما زالت مفقودة. جُرّفت المعالم، وتبدّلت الطرقات، والبيوت التي كانت تغطّيها الورود الجميلة، والبساتين عن شمالنا ويميننا. اليوم ننظر إلى البحر، فنراه يشكو لنا هول ما رأى، لكنّنا سنعود حتمًا. وربّما سنبكي في المرّات الأولى، ثمّ سنكون هنا مرةً نضحك فيها ضحكاتنا وضحكاتهم، ونغوص في البحر بأجسادنا وأرواحهم.
بئر العسل
تقع بئر العسل في الوادي بين سفوح ياطر وبيت ليف. كانت في القدم يقصدها الجميع من القرى المجاورة لتعبئة المياه منها: ياطر، راميا، عين إبل، بيت ليف، وحتى سعسع الفلسطينيّة. وسُمّيت ببئر العسل، بحسب الروايات الشفهيّة، لتدلّي خليّة نحل من القناطر المعمّرة فوقها. وتقول رواية أخرى إنّها كانت توزَّع على العاملين فيها مرطبانات من العسل.
بنى أهل القرية إلى جانبها بركةً صغيرة، كنّا ننزل إليها في طفولتنا مشيًا على الأقدام لنسبح ونستلقي بين أشجار الكينا والدفلى.
ثم تغيّرت معالم المكان، وتوسّعت البركة وصارت مسبحًا، واستبدلنا العشب الطريّ بالطاولات. وظلّ الصغار والكبار يقصدونها في أيّام الصيف وليالي الأنس، للسباحة، والجلسات العائليّة، ويعمّرون فيها أحيانًا الدبكة والحفلات الخاصّة.
يخبرنا الكبار أنّهم كانوا يستحمّون بين أشجار الدفلى لكثافتها، وينشرون ثيابهم بعد غسلها على شجر البلّان، وكانت لكلّ شخص ذكرياته الخاصّة وقصّته المشوّقة. ومنذ تشرين الأوّل 2024، فقدنا الوصول إليها، ومُنعت الناس من تفقّد كرومها وأرزاقها. اليوم تحوّل هذا المكان، كغيره من وديان ومتنزّهات الجنوب، إلى ذكرى وصدى أصوات.
تصل إلى التنّور فتستقبلك أشجاره المعمّرة الكثيفة، وجبلٌ تعلوه صخرة كبيرة نسمّيها “شقيف خروف” لأنّها تشبه الخروف.
التنّور
هو المكان الأبعد عن وسط البلدة، لكنّه كان الأجمل دائمًا. وادٍ عميق، فيه نبع وبركة قديمة، وأشجار دفلى وزيتون وكينا وجوز.
يقع بين ياطر والصلحاني وزبقين، وكان له النصيب الأوفر من ذكرياتنا. كان الناس قديمًا يصلون إليه مشيًا أو على ظهور الحمير، يحملون جرار الماء والثياب والطعام، ويقضون نهارهم في ظلّ أشجار الزيتون والدفلى، ثمّ يعودون في المساء إلى بيوتهم محمّلين بالأحداث التي لن تنسى، وبما يكفيهم من تذكّره طوال أعمارهم.
تصل إلى التنّور فتستقبلك أشجاره المعمّرة الكثيفة التي تعتّم المكان، وجبلٌ تعلوه صخرة كبيرة نسمّيها “شقيف خروف” لأنّها تشبه الخروف. ويتنقّل بصرك بين مغارة وأخرى. تجتمع العائلات بعضها مع بعض في فيء الأشجار، يتبادلون الأشياء والطعام، وأطراف الأحاديث. يسبحون في البركة، يتسلّقون الجبل وصولًا إلى المغارة، ويتذكّرون كيف كان شكل النبع والمسيل ذات زمن بعيد.
الطريق من ساحة البركة في وسط البلدة إلى التنّور كان مليئًا بالأحاديث والمزاح واللعب، وبالعمر الذي لن يتكرّر. ظلّ التنّور على حاله على رغم مرور السنين، حتّى فقدنا الوصول إليه أيضًا منذ تشرين الأوّل 2024. اليوم يفتقد النبع من كان يشرب منه وينبهر ببرودته في كلّ مرّة. والشجر يفتقد العجوز التي كبرت معه، والبركة تفتقد ضحكات الصغار، والأرض تفتقد من رقص الدبكة في ربوعها، والوادي يفتقد صدى أصوات شبابه، وآثارهم.
كانت لنا في جنوبنا حياة كاملة، وأحلام، وأيّام نعيشها بانتظام مع من نحبّ، في الأمكنة التي أحببناها وتوارثنا حبّها. لم نكتفِ بأنّ نجد للحياة سبيلًا، بل جعلنا الحياة تحبّنا، ولاحقتنا الفراشات قبل أن نلاحقها، وحافظنا على عاداتنا وما عشقه أسلافنا وقاوموا لأجله. ويبقى السؤال الذي يدور في خُلدنا، وهو شبيه بما طرحه محمود درويش يومًا، لكن بنسختنا الخاصّة: “إن أعادوا لنا الناقورة، والصلحاني، والتنّور… من يعيد لنا الرفاق؟”.



























