لبنان إن حكى.. ولو كذبت الكلمات

في الصفحات الأولى من كتابه “لبنان إن حكى”، يسأل الشاعر اللبنانيّ جدّاً سعيد عقل: من أين نبدأ رحلتنا في الحكي عن لبنان؟ آخذاً بعين الاعتبار تلك الأمجاد الماضية لهذا البلد وتاريخه المُتخيّل على الأرجح. يردّ عقل على نفسه بالإجابة الآتية: نحن أحرار حيال بداية الحكي عن لبنان، “فلنتنقّل إذن على هوانا”.

لست أدري على وجه التحديد طبيعة الـ”لالا لاند” التي كان يقيم فيها شاعرنا اللبنانيّ العظيم أثناء انكبابه على “لبنانه إن حكى”.

في كلّ الأحوال، وكما يقول المثل الشائع عن الشعراء: يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره. إنّما، وانطلاقاً من دعوة سعيد عقل لأن نكون أحراراً حيال البداية التي ننتقيها لدى التطرّق في الحكي عن لبنان، تراني محلّ رغبة عارمة لأن أبدأ بالآتي: يقال إنّ الانتماء فخّ، لكنّ هذا الفخ ّالمُتقن تراه يتحوّل إلى كارثة لحظة انجداله مع عدم اليقين. إنّه لبنان، حيث عدم اليقين إزاء كلّ شيء هو البوصلة، هو سيّد الدروب وهو سيّد المشهد العام منذ أن كان هذا اللبنان.

من الممتع أن يرى المرء لبنان عبر “لبنان إن حكى وكما بثّه سعيد عقل، بيد أنّ ثمّة لبنانات أخرى لا بدّ من الإنصات إليها إن حكت، إذ نحن عندئذ بصدد ماضٍ مُستعار وحاضر مأزوم على الدوام، ومستقبل مؤجّل إلى ما لا نهاية. فأن تكون الحياة في وطن من الأوطان هي محض توضيب صدمات الحاضر بما يتناسب مع التعايش مع صدمات المستقبل، فثمّة شعريّة عندئذ أخال أنّ حتّى شاعرنا العظيم سعيد عقل سيقف أمامها راخياً فكّيه و”كلّ شيء”.

لبنان آخر خلف الحكاية

ترى الحيلة وقد تولّتني عن بكرة أبي لدى انكبابي على الـ”لبنان إن حكى”، “تَبَع” سعيد عقل، ذلك أنّ ثمّة حكياً آخر للبنان لا بدّ من الإنصات إليه، وهو حكي أشدّ وقعاً وأكثر دويّاً، ولا ينفكّ يشكّل وعيي ووعي مئات آلاف اللبنانيّين واللبنانيّات…

أتكلّم تحديداً عن لبنان الارتهان إلى الخارج منذ لحظات تأسيسه الأولى، فلبنان الحروب الأهليّة والمقاومات التي لا أفق لها، ثمّ لبنان البزنس والمحاصصة و”مرّقلّي لمرّقلّك”، ولبنان تجارة المخدّرات والتهريب، ثمّ لبنان السجون المكتظّة، حيث تلك الشاعريّة التي تستغيث إطلاق العنان، وعلى رأس كلّ هؤلاء لبنان الزعامات الطائفيّة، أو لبنان الدمى البونابّارتيّة، كما وصف هؤلاء الزعماء الصحافيّ الإيطاليّ أنطونيو فيراري في كتابه “بيروت عندما كانت مجنونة”، حيث ذلك التعقّب الرائع لحروب بيروت الثمانينيّات (دار النهار – ترجمة جمانة حدّاد).

في كتابه “قرن الريح”، وفي سياق حكيه عن واقع يشبه الواقع اللبنانيّ إلى حدّ كبير، يقول الروائيّ الأوروغويانيّ إدواردو غاليانو إنّ “الأمل اليائس ليس مكتوباً في النجوم بل في الدمّ” (دار الحوار – ترجمة أسامة إسبر).

بقطعة من زمن مُتخيّل

ربّما هي فئة دمنا كلبنانيّين أن نكون رهن مصائر لا تتأسّس إلّا على الآمال اليائسة. لست أدري، لكن، وبالعودة إلى سعيد عقل، تراني أصيح – وبلا مؤاخذة من كلّ الشعراء السذّج منهم وأصحاب الفطنة على حدّ سواء.

 لهو من السذاجة بمكان أن يتشبّث المرء بقطعة من زمن مُتخيّل ويرى الحاضر على ضوئها وعلى هدي شعشعان هذه القطعة المملّ. فأن يستحوذ المُتخيّل بعامّة (والكذب ضمناً) على النفوس، فذلك يعني أنّ الحاضر لن يكون إلّا سلسلة من المناوشات الحادّة تارة مع الموت، وتارة أخرى مع حدث اعتباطيّ أو مع دفعك كلبنانيّ إلى ما لم تحتطْ له لأنّه أصلاً لم يخطر لك ببال!

ربّما هي فئة دمنا كلبنانيّين أن نكون رهن مصائر لا تتأسّس إلّا على الآمال اليائسة.

حين تسقط الكلمات

فأن يدفعك وطنك العزيز إلى أن تكون إزاء تمرين يوميّ على التخلّص من ورطات مستجدّة ومثول أمام هذا الموظّف “التريلاليّ” (مهما علا شأنه) أو ذاك في هذه الدائرة أو تلك، فمن الأجدى عندئذ أن ينصت المرء إلى صمت الوطن أو إلى لعثماته، إنّما ليس إلى تلك الأصوات الجهوريّة، أصوات الأبراج العاجيّة والآمال الكاذبة والوعود التي لن تتحقّق في يوم من الأيّام، حيث نتانة مطلقيها تحايث تفاصيل حياتنا منذ عقود وعقود.

إنّ فتور الصوت في كثير من الأحيان أشدّ وقعاً من هيجانه، إنّ الحكي الذي يقال في الأزقّة المعتمة عندئذ أكثر حقيقيّة من ذلك الذي يقال فوق المنابر الآثمة، وإنّ الهمس المدوّي للمساجين (على سبيل المثال) تراه يعبّر عن الحقيقة أكثر من ببّغاوات البرلمان اللبنانيّ السائل على الدوام، وربّما منذ أن كان.

غالباً ما يؤدّي اللامتوقّع إلى إعادة النظر في اليقينيّات بل وفي العادات اليوميّة. ترى هذا اللامتوقّع يعلّق المعاني المترسّخة للكلمات، بل تراه قد يعيد تدويرها، وكلمة الوطن ضمناً وبالتأكيد. فلبنان، بلد الغبش والضبابيّة الدائمة، لبنان بلد “البقبشة” وتدوير الزوايا والآذان الملتصقة بالجدران، إنّ لبنان هذا تراه يرمي بالاطمئنان لأن يكون قصّة قصيرة أو حلماً مقتضباً أو هذياناً في “عصفوريّة” كبرى مساحتها 10452 كيلومتراً مربّعاً.

من ثمّ، ليس ذلك الإعلاء المفرط من شأن الكلمات، الشعريّة منها والسياسيّة، إلّا مقدّمة لسقوطها المدوّي عند كلّ استحقاق… بل عند كلّ مرور في الشارع أو التوجّه إلى السوبّرماركت لشراء الحاجيّات! فسواء حكى لبنان أو لم يحكِ، فإنّ الكلمات في هذا البلد هي على الدوام في رحلة سقوط، سقوطنا نحن المواطنين.

لبنان الذي لم يُحكَ بعد

أكتب هذا المقال وأنا أتابع على تلفزيون لبنان حفل افتتاح معرض “بين سطور الدستور” لمناسبة مرور 100 سنة على إقرار الدستور اللبنانيّ وتأسيس الجمهوريّة اللبنانيّة. أتوقّف عن الكتابة قليلاً وأنصت إلى بعض الكلمات، ثمّ أداور نظراتي المرتبكة بين كتاب “لبنان إن حكى” لسعيد عقل وكتاب آخر صودف وجوده فوق الطاولة أمامي للكاتب النمساويّ جوزف روت، وهو بعنوان “الهروب بلا نهاية”.

أحمل هذا الكتاب الأخير وأتصفّح بعض أوراقه بغير انتظام ليفيض إليّ عن طريق الصدفة بهذه العبارة الرائعة: “إنّ هذه المدينة امتلكتْ الجسارة كي تُبنى بشكل قبيح، وهذا يعطيها الشجاعة للغوص في مزيد من القباحة”… وما ينطبق على المدينة في كتاب “الهروب بلا نهاية” ينطبق على الوطن بإطلاق، وعلى الذكرى المئويّة وعلى كلّ الذكريات.

صرفتُ انتباهي عن التلفاز وعن الكتب وعن الذكريات وعن المقال، ورحت أنصت بالسرّ إلى كلمات سجناء عايشتهم لأيّام، حيث ثمّة لبنان آخر سوف أتابع تفاصيله المرهقة عبر كتاب سأكتبه وسيكون بعنوان “لبنان إن حكى”. ولا أجدني مجافياً للحقيقة في هذا الصدد أن أردّد مع غابرييل غارسيا ماركيز قوله: “في بعض الأحيان على الروائي أن يكون كالنسر الذي يتغذّى على جيفة مجتمع في طور التعفّن والانحلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى