معرض الكتاب ذاكرة مدينة تبحث عن علاقة بالقراءة
معرض الكتاب ذاكرة مدينة تبحث عن علاقة بالقراءة

تملك بيروت قدرة غريبة على استعادة شيء من روحها كلّما اجتمعت الكتب في مكان واحد. كأنّ المدينة التي استهلكتها الحروب والأزمات والانهيارات الاقتصاديّة، تحتفظ في أعماقها بحاسّة ثقافيّة تستيقظ مع رائحة الورق، وأصوات الناشرين، وازدحام القرّاء حول العناوين الجديدة. في “سي سايد أرينا”، على الواجهة البحريّة، يبدو معرض بيروت العربيّ الدوليّ للكتاب أشبه بمدينة صغيرة داخل المدينة، لها شوارعها ومواعيدها وسكّانها العابرون، ولها كذلك ذاكرتها الخاصّة التي تتراكم عامًا بعد عام.
يدخل الزائر حاملًا فضوله، وربّما قائمة بعناوين يبحث عنها، ثمّ يجد نفسه في جغرافيا أوسع من الكتب. مصافحات تتجدّد، وصداقات تستأنف أحاديثها، وكتّاب يتنقّلون بين الأجنحة، وناشرون يراقبون حركة الزوّار بعيون تجمع الأمل والحسابات الاقتصاديّة. هنا يتحوّل الكتاب من مادّة مطبوعة إلى علاقة اجتماعيّة، ومن عنوان على غلاف إلى مناسبة للقاء. وفي هذه الحركة المتواصلة يمكن قراءة جانب من تاريخ بيروت الثقافيّ، المدينة التي صنعت من النشر والترجمة والصحافة جزءًا أساسًا من شخصيّتها العربيّة.
التوحيد واتّساع الجغرافيا الثقافيّة
تنعقد الدورة الـ67 للمعرض بين التاسع والثامن عشر من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2026، بتنظيم النادي الثقافيّ العربيّ ونقابة اتّحاد الناشرين في لبنان، وبالتنسيق مع وزارة الثقافة، وقد افتتحها رئيس الحكومة نوّاف سلام بحضور رسميّ وثقافيّ وديبلوماسيّ.
تكتسب هذه الدورة خصوصيّتها من جمع الناشرين العرب والفرنكوفونيّين في فضاء واحد، في خطوة تعيد وصل تقاليد ثقافيّة ولغويّة تشكّلت عبر تاريخ لبنان الحديث. فالكتاب في بيروت عاش طويلًا عند تقاطع العربيّة والفرنسيّة ولغات أخرى، وكانت الترجمة إحدى الوسائل التي أتاحت لهذه المدينة أن تتجاوز حجمها الجغرافيّ وتؤثّر في المجال الثقافيّ العربيّ.
وتشير الأرقام المنشورة إلى مشاركة أكثر من 160 دار نشر، بينها 23 دار نشر عربيّة وحوالي 280 شخصيّة فكريّة وأدبيّة. ويتوزّع البرنامج بين نحو 90 موعدًا ثقافيًّا بحسب الموقع الرسميّ، وما يقارب الـ100 فعاليّة.
هذه الأرقام تمنح المعرض حجمه التنظيميّ، فيما تتشكّل قيمته الثقافيّة عبر نوعيّة اللقاءات، وحركة الاقتناء، وقدرة الكتاب على الوصول إلى قرّاء جدد. فالمسألة تتجاوز تعداد الأجنحة والندوات إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يمكن مؤسّسة ثقافيّة كبرى أن تضيفه إلى مجتمع تتغيّر فيه وسائل المعرفة وعادات القرّاءة بوتيرة متسارعة؟
الأشجار والكراسي الصغيرة
من أبرز ما يلفت الزائر هذا العام اتّساع الممرّات والمساحات التي تسمح بحركة أكثر راحة. وفي الباحة الوسطى، حيث الأشجار والضوء الطبيعيّ، يتّخذ المعرض هيئة مختلفة عن الصورة التقليديّة للقاعات المكتظّة بالرفوف.
ثمّة كراسٍ صغيرة من الخشب والقشّ، ودكك (مقاعد) تستقبل المتعبين من التجوال، وزوّار يلتقطون الصور، وآخرون يتصفّحون مشترياتهم أو يتبادلون أحاديث طويلة. ويعمل رسّامون وسط هذه الحركة، فتتجاور الفنون البصريّة مع الكتب في مشهد يمنح المكان حيويّة إضافيّة.
لهذه التفاصيل أهمّيّة تتجاوز وظيفتها الجماليّة. فالمعرض الثقافيّ يحتاج إلى مساحات تسمح للزائر بالبقاء والتأمّل وتكوين علاقة وجدانيّة مع المكان. والمقعد الصغير تحت شجرة ربّما يمدّد الزيارة، ويمنح كتابًا اشتراه صاحبه قبل دقائق فرصة لأن تُقرأ صفحاته الأولى.
وفي زاوية أخرى، تحتفظ الكافتيريا بموقعها المألوف وازدحامها الذي يفوق مساحتها المحدودة. تتداخل رائحة القهوة مع أحاديث الأدب والسياسة والنشر، وتتحوّل الاستراحة إلى امتداد للندوات واللقاءات. كثير من الحوارات الثقافيّة يبدأ على المنابر ويواصل حياته حول طاولة صغيرة، حيث تتّسع الأسئلة وتتفرّع الآراء.

وجوه تحفظ ذاكرة المعرض
ومن أكثر المشاهد حضورًا هذا العام حضور الشاعر أدونيس يوميًّا. يتوقّف الزوار حوله، يتبادلون معه التحيّات، ويلتقطون الصور، ويستعيد بعضهم صلته القديمة بقصائده ومواقفه وتجربته الفكريّة.
وجود أدونيس بين الأجنحة يمنح المناسبة بعدًا يتّصل بتاريخ الحداثة الشعريّة العربيّة. فالشاعر الذي ارتبط اسمه بتحوّلات كبرى في اللغة والقصيدة يقف اليوم أمام أجيال مختلفة؛ قرّاء رافقوا تجربته منذ عقود، وشباب يكتشفون اسمه عبر الكتب والصور والحوارات.
وفي هذا اللقاء بين الأجيال، تتجسد إحدى الوظائف العميقة لمعارض الكتب: انتقال الثقافة من المعرفة المكتوبة إلى الخبرة الإنسانيّة المباشرة، إذ يصبح صاحب الكتاب حاضرًا إلى جانب أثره.
بين خزعل الماجديّ وذاكرة النهضة
يحمل البرنامج الثقافيّ تنوّعًا واضحًا في موضوعاته وأسمائه. يشارك الشاعر العراقيّ الباحث في الحضارات والأديان خزعل الماجدي، ومن أبرز محاضراته “التأريخ يصارع الأسطورة”، بما يفتح مجالًا لمناقشة الأساطير والمعتقدات والتاريخ الطويل للتجربة الإنسانيّة.
وتضمّ الدورة لقاءات مع واسيني الأعرج، وجلال برجس، وريم بسيوني، والحبيب السالمي، ونجوى بركات، إلى جانب أمسية للشاعرة عائشة السيفي، وحديث لرنا إدريس يتّصل بذاكرة النشر البيروتي.
وتتوزّع الموضوعات بين الرواية والتاريخ والهويّة والفلسفة والشعر، بما يمنح الزائر فرصة الانتقال من أسئلة السرد المعاصر إلى الجذور الحضاريّة للأفكار والمعتقدات.
كذلك تستعيد الدورة شخصيّات أساسيّة في التاريخ الثقافيّ اللبنانيّ والعربيّ، من خلال مئويّة غسّان تويني، ومئويّة الشيخ صبحي الصالح، ومرور 150 عامًا على ولادة أمين الريحاني، فضلًا عن تحيّة إلى الفنّان أحمد قعبور، وأمسيات موسيقيّة بينها أمسية لريما خشيش.
أمّا المساحات المخصّصة للفنون الغرافيكيّة والتوثيقيّة والصناعات المرتبطة بالكتاب، فتقدّم امتدادًا بصريًّا لهذه الحركة. تظهر فيها العلاقة التاريخيّة بين الصحافة والكتاب والصورة، وبين الغلاف بوصفه عملًا فنّيًّا والوثيقة بوصفها مادّة تحفظ ذاكرة المجتمع.

أغلفة الذكاء الاصطناعي
وسط الإصدارات الحديثة، تستوقف المتجوّل ظاهرة بصريّة تستحقّ نقاشًا مهنيًّا واسعًا: الانتشار الملحوظ للأغلفة المنتجة بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعيّ.
تظهر على عشرات الكتب صور تحمل خصائص متقاربة في التكوين والألوان والمعالجة، حتّى تبدو بعض الأغلفة وكأنّها تنتمي إلى عائلة بصريّة واحدة، على الرغم من اختلاف موضوعات الكتب ومضامينها.
تكشف هذه الظاهرة عن تحوّل مهم في صناعة النشر. لقد أصبحت الصورة متاحة بسرعة وكلفة أقلّ، واتّسعت قدرة الناشرين على التجريب وإنتاج المقترحات. وفي المقابل، باتت الخبرة الفنّيّة أكثر أهمّيّة في انتقاء الصورة المناسبة، وتحديد علاقتها بالنصّ، وضبط التكوين والخطوط والمساحات والهويّة البصريّة.
تبدو بعض الأغلفة مستعجلة، مأخوذة بسحر الصورة الأولى، إذ يتقدّم الإبهار التقنيّ على التفكير الجماليّ. ويصبح السؤال الأساس متعلّقًا بثقافة المصمّم والناشر، وبقدرتهما على تحويل الإمكانات التقنيّة إلى عمل يمتلك شخصيّة مستقلّة.
من الزيارة إلى القراءة
بين الأجنحة، يظهر جيل جديد من الشبّان والشابّات. يتوقّفون أمام العناوين، يتصفّحون الكتب، يلتقطون الصور، ويتنقّلون بين دور النشر. وفي مشاهد عديدة، تبدو الكتب المحمولة بأيديهم قليلة قياسًا بحجم الحركة.
تفتح هذه الملاحظة أسئلة اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة متشابكة. فالزيارة إلى معرض الكتاب أصبحت تجربة تتضمّن اللقاء والتصوير والاكتشاف، فيما يرتبط قرار الشراء بالقدرة المادّيّة وبعادات القراءة وبأشكال الحصول على المعرفة.
لكنّ المسألة تمتدّ أيضًا إلى التحوّلات التي أحدثتها الهواتف والمنصّات الإلكترونيّة في توزيع الوقت والانتباه. لقد تغيّرت طرق الوصول إلى المعرفة، وتعدّدت الوسائط التي تنافس الكتاب الورقيّ على ساعات اليوم.
وهنا يبرز سؤال يستحقّ دراسة ميدانيّة تتجاوز الانطباعات: كم زائرًا يدخل المعرض، وأيّ منهم سيشتري، وما الفئات العمريّة الأكثر إقبالًا، وأيّ أنواع الكتب تستقطب الشباب؟



