إذا انقطع الطمث… الجسد وحده يخوض هبّات التغيير

في غرفة نومها، تفتح عبير، ابنة الجنوب، النافذة على رغم برد الليل. الجميع نائم، إلّا جسدها الذي يرفض أن يهدأ. تزيح الغطاء عنها، والعرق يغمر ثيابها، تحاول أن تطفئ حرارة تجتاحها من الداخل. تتكرّر الهبّات الساخنة، ويتقطّع نومها، وتثقل عليها العصبية والنسيان الليلي وصعوبة التركيز. في بلدتها، كانت الحرب تسرق الطمأنينة من البيوت، لذلك ردّت ما يحدث لها إلى الخوف والغارات والقلق على عائلتها، لم يخطر ببالها أن جسدها يخوض معركة مختلفة، معركة التغيير.

كانت عبير في الـ38 حين بدأت دورتها الشهريّة تضطرب، ثمّ تطول فترات انقطاعها. ومع اشتداد التعب، قصدت الطبيب ظنّاً منها أنّها تحتاج إلى مهدّئ يخفّف توتّرها. لكنّ الفحوص حملت إليها تشخيصاً لم تتوقّعه: “قصور المبيض الأوّليّ”. فهمت عندها أن ما اعتقدته امتداداً للحرب يرتبط أيضاً بتراجع مبكر في وظيفة المبيض. لم يكن وقع الخبر سهلاً عليها؛ إذ تصف شعورها بالقول: “لم أعد أنثى”، بعدما ربطت ما أصاب جسدها بفقدان مبكر لأنوثتها وشبابها.

لم يكن وقع التشخيص أقلّ قسوة من الأعراض نفسها؛ فبينما كان جسدها يعلن تغييراً لم تفهمه، كانت صورتها عن نفسها تهتزّ. وهنا تتجاوز الحكاية امرأة واحدة لتكشف ما تعيشه نساء كثيرات حين يتغير الجسد في هذه المرحلة: أجساد تتبدّل، وأسئلة تتراكم، ومعلومات قليلة تقابلها أحكام اجتماعيّة تربط الأنوثة بالشباب والإنجاب. وكأنّ ما يمسّ الجسد والهويّة شأن خاصّ على المرأة أن تدبّره وحدها، في مجتمع لا يمنحها مساحة للحديث عمّا تمرّ به.

الظروف تسبق الاهتمام بالجسد

خلال أواخر أربعينيّاتها، وجدت عايدة، ابنة الشوف، نفسها أمام فقدان زوجها ومسؤوليّة عائلة عليها أن تتابع حياتها على رغم غيابه. تزامن ذلك مع اضطراب دورتها الشهريّة وانقطاعها، وبدأت الهبّات الساخنة والتعرّق والعصبيّة ترافق أيّامها. لكن ما كان يحدث داخل جسدها لم يجد مكاناً بين انشغالاتها؛ كان البيت يحتاج إلى رعاية، والأولاد إلى من يتابع دراستهم وعملهم ومستقبلهم، انصرفت إلى تدبير حياتهم، فيما بقيت التغيّرات التي تمرّ بها مؤجّلة، حتّى كادت لا تنتبه إليها.

تقول عايدة لـ”مناطق نت”: “أولادي كانوا منشغلين بحياتهم، ولم ينتبهوا دائماً إلى تعبي”. لم تلمهم، لكنّها كانت تشعر بأنّ ما تمرّ به لا يجد مكاناً في انشغالات البيت. كانت تواصل أعمالها، وتتجاوز التعب، وتؤجّل زيارة الطبيب والاهتمام بصحّتها. وحين سُئلت عمّا إذا كانت قد عانت أعراضاً أخرى، لم تستطع تحديدها؛ فظروف الفقد والمسؤوليّة حجبت عنها تفاصيل جسدها.

تربط المعالجة النفسيّة العياديّة يارا روحانا بين هذه التجربة وما قد تثيره التغيّرات الهرمونيّة من أسئلة حول الهويّة والدور والمكانة داخل الأسرة، موضحةً لـ”مناطق نت” أنّ “التغيّرات التي ترافق هذه المرحلة قد تزعزع صورة المرأة عن نفسها، ولا سيّما حين يكون تقديرها لذاتها مرتبطاً بأدوار مثل الأمومة أو المظهر الخارجي أو القدرة على الإنجاز، وقد تتفاقم هذه المشاعر عندما تتزامن التغيّرات الهرمونيّة مع ضغوط نفسيّة أو تجارب مؤلمة سابقة”.

الطبيبة النسائية ديما سلّوم: غياب الدورة أربعة أو خمسة أشهر، لا يعني تشخيص انقطاع الطمث، فهذا يتطلّب مرور 12 شهراً متتالياً من دون حيض.

نزيف يسرق حرّيّة الخروج

بالنسبة إلى سناء، لم يكن اضطراب الدورة الشهريّة لديها مجرّد تغيّر في مواعيد الحيض. بدأت التغيّرات في الـ54، حين أخذت الدورة تغيب شهراً أو شهرين، ثمّ تعود بغزارة. ومع تكرار النزيف، أصبحت تخشى مفاجآته، إذ لم تعد تعرف متى يحدث أو كيف يمكنها التعامل معه.

خلال زيارة إلى منزل أهلها في راشيّا، باغتها النزيف واتّسخ الكرسيّ الذي كانت تجلس عليه، تصف الموقف والتردّد بصوتها بـ”المُحرج”، وتقول: “لم يكن سهلاً عليّ أن أنسى ما حدث”، فلم تعد المسألة تتعلّق بدورة شهريّة غير منتظمة فقط، بل بامرأة تخشى أن يخذلها جسدها أمام الآخرين. كانت تفضّل البقاء في المنزل، وتتخلّى عن الخروج والعمل والزيارات خشية تكرار الموقف. وهكذا ضاقت حرّيّتها خلال هذه الفترة، لأنّ الحرج جعل البقاء في المنزل أكثر أماناً من مواجهة موقف لا تستطيع التحكم به.

لكنّ ما حدث مع سناء لا يمكن فهمه من زاوية الحرج وحدها؛ فتوضح اختصاصيّة أمراض النساء والتوليد الطبيبة ديما سلّوم لـ”مناطق نت” أنّ “اضطراب الدورة وغزارتها قد يظهران خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، نتيجة التقلّبات الهرمونيّة. لكنّ غياب الدورة أربعة أو خمسة أشهر، لا يعني تشخيص انقطاع الطمث، فهذا يتطلّب مرور 12 شهراً متتالياً من دون حيض، كذلك فإنّ النزيف بعد هذه المدّة يستدعي تقييماً طبّيّاً، حتّى لو حدث مرّة واحدة أو توقّف تلقائيّاً”.

علاج يُخشى قبل أن يُفهم

مع دخولها الخمسينيّات، بدأت ليلى ابنة عكّار، تلاحظ أنّ التعب يمتدّ إلى تفاصيل لم تشغل بالها، كانت الهبّات الساخنة تفاجئها خلال النهار، فيما يقطع التعرّق الليليّ نومها، وترافقه آلام في الركبتين والظهر ومنطقة المبيض. أخذت راحتها تتراجع، وأصبحت سريعة الانفعال، تبكي أحياناً من دون سبب واضح. لم تعد قادرة على إنجاز أعمالها بالوتيرة نفسها، وبات أبسط ما اعتادت فعله يحتاج إلى جهد أكبر.

مع مرور الوقت، تراجعت زياراتها إلى الأقارب والجارات، ولم تعد تملك الطاقة لمجاراة أحفادها. حاولت التخفيف من الأعراض بنصائح المحيطات بها؛ فجرّبت شرب الميرميّة (القصعين)، وأبقت نافذة غرفتها مفتوحة. لكنّ النوم ظلّ متقطّعاً، والتعب أخذ يتسلّل إلى تفاصيل يومها، حتّى شجّعتها ابنتها الكبرى على مراجعة طبيبة نسائيّة.

خلال الاستشارة، فوجئت ليلى بأنّ ما تعانيه يرتبط بتغيّرات صحّيّة وهرمونيّة. وعندما طرحت الطبيبة العلاج الهرمونيّ، تردّدت خوفاً ممّا سمعته عن علاقته بالسرطان والجلطات. احتاجت إلى فهم فوائده ومخاطره قبل اتّخاذ القرار، وبعد مراجعة تاريخها الصحّيّ بدأت العلاج بإشراف طبّيّ.

تشرح سلّوم أنّ “العلاج الهرمونيّ يكون فعّالاً في تخفيف الأعراض الشديدة، لكنّه لا يناسب جميع النساء، ولا يُوصف من دون تقييم العمر والتاريخ المرضيّ وعوامل الخطورة. وتختلف الخيارات العلاجيّة وطرق إعطائها بحسب حال كلّ امرأة”، محذّرةً من “المستحضرات العشبيّة والمكمّلات التي تُسوّق لعلاج انقطاع الطمث من دون التأكّد من مكوّناتها ومصادرها؛ فكونها طبيعيّة لا يضمن سلامتها أو فعاليّتها، وقد تتداخل مع أدوية أخرى”.

المجتمع لا يزال يحاصر المرأة بأحكام مرتبطة بالعمر والجمال، فيما يبقى الحديث عن التغيّرات الهرمونيّة محدوداً.

الأثر النفسي على حياة المرأة

تزداد صعوبة فهم التغيّرات النفسيّة في مجتمع اعتاد العيش تحت ضغط متواصل على المرأة، حتّى بات الإرهاق والتوتّر جزءاً من حياتها اليوميّة. تشير روحانا إلى أنّ “ما يستدعي الانتباه هو استمرار هذه التغيّرات وتأثيرها في حياة المرأة. فإذا مالت إلى العزلة، أو أصبحت سريعة الانفعال، أو فقدت قدرتها المعتادة على التواصل مع الآخرين، يصبح طلب الدعم النفسيّ ضرورة لا ينبغي تأجيلها”.

وتضيف: “المجتمع لا يزال يحاصر المرأة بأحكام مرتبطة بالعمر والجمال، فيما يبقى الحديث عن التغيّرات الهرمونيّة محدوداً، ويُطلب من المرأة أن تتحمّل، من دون محاولة فهم ما يرافق هذه المرحلة من تغيّرات جسديّة ونفسيّة. لذلك، يصبح الإصغاء إليها واحترام مشاعرها جزءاً أساساً من الدعم، إلى جانب المساعدة المتخصّصة عندما تؤثّر الأعراض في حياتها”.

أمّا سلوم، فتشدّد على أنّ “شيوع الأعراض لا يعني وجوب احتمالها من دون علاج”، داعيةً إلى “التقييم الطبّيّ عند ظهور نزيف غير معتاد أو أعراض شديدة، وإلى عدم إهمال المتابعة بسبب الاعتقاد بأنّ ما يحدث مجرّد نتيجة طبيعيّة للعمر”.

التوعية أبعد من العيادات

تكشف التجارب الأربع نقصاً في المعرفة يسبق أحياناً ظهور الأعراض ويستمرّ بعدها. لم تعرف عبير أنّ وظيفة المبيض قد تتراجع قبل الأربعين، ولم تجد عايدة وقتاً لفهم ما يحدث وسط الفقد والمسؤوليّات، فيما دفعت سناء ثمن غياب المعرفة في خوفها من مغادرة المنزل، أمّا ليلى، فوجدت نفسها أمام علاج تخشاه بسبب معلومات لم تعرف كيف تتحقّق منها.

تلفت سلّوم إلى أنّ “التوعية ينبغي أن تبدأ قبل انقطاع الدورة، من خلال الاستشارات الطبّيّة الروتينيّة والموادّ التثقيفيّة في العيادات والمراكز الصحّيّة”. وتقترح “توسيع الحملات لتصل إلى النساء في المناطق البعيدة، والاستفادة من التلفزيون والبرامج الصباحيّة والإعلانات في الأماكن العامّة، حتّى لا تبقى المعلومات محصورة بمنصّات التواصل أو بمن يستطعن الوصول إلى طبيب بصورة منتظمة”.

انقطاع الطمث هو تغيّر بيولوجيّ طبيعيّ، لكنّ ما يحيط به من خوف وحرج ونقص في المعرفة ليس طبيعيّاً. فخلف توقّف الدورة الشهريّة تتبدّل تفاصيل كثيرة بحياة المرأة: نومها، علاقاتها، صورتها عن جسدها وقدرتها على مواصلة يومها. وبين جسد يتغيّر ومجتمع لا يحسن الإصغاء، تتشكّل تجربة تتجاوز حدود الطبّ، وتكشف حجم المسافة بين ما تعيشه النساء وما يُتاح لهنّ معرفته والتحدّث عنه، وكم لا تزال صحّتهنّ محاطة بأسئلة لا تجد طريقها إلى الكلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى