من السلطانية إلى بيروت.. جذور لا تقطعها المسافات والحروب

منذ عقود، حمل أبناء السلطانيّة وغيرها من بلدات الجنوب، عائلاتهم ولهجاتهم وعاداتهم، ويمّموا وجوههم شطر بيروت وضواحيها، حيث تشكّلت تجمّعات عائليّة ومجتمعات ارتبطت ببلداتها الأمّ بقدر ما ارتبطت بمكان إقامتها الجديد. وبين العمل وتربية الأبناء والسعي إلى التعليم، تبدّلت أحوال كثيرين منهم، لكنّ الانتقال لم يتحوّل بالضرورة إلى قطيعة مع الأرض الأولى.

اختار بعض أبناء جبل عامل الانتقال إلى بيروت، بحثاً عن تحسين ظروف عيشهم بالدرجة الأولى. وبحسب المؤرّخ والباحث في الاقتصاد السياسيّ هشام صفي الدين، فإنّ بداية رحلة انتقال أبناء قرى جبل عامل إلى ضواحي بيروت تعود إلى عشرينيّات وثلاثينيّات القرن الماضي، وإن كانت مرحلة الخمسينيّات والستينيّات، وفق قوله لـ”مناطق نت”: “قد شكّلت الموجة الكبرى الأولى، تلتها موجة ثانية إبّان اندلاع الحرب الأهليّة والاجتياح الإسرائيليّ 1978”.

يرجع صفي الدين أسباب هذا الانتقال إلى “التهميش الاقتصاديّ لجبل عامل الناتج عن إهمال الدولة وجور السلطات الحاكمة، وقيام دولة الاحتلال العام 1948، الذي زاد من إفقار الجنوب نتيجة قطع العلاقات الاقتصاديّة الوثيقة مع فلسطين”.

يشير صفي الدين إلى أنّ “بيروت شكّلت العصب الأساس لاقتصاد لبنان بعد الاستقلال، حيث نشأت وتوسّعت في ضواحيها مناطق صناعيّة، في النسيج ودباغة الجلود وطحن القمح وغيرها من الصناعات الغذائيّة. وقد عمل معظم العامليّين القادمين من القرى، إلى جانب اللاجئين الفلسطينيّين والأرمن، في هذه المجالات، إضافة إلى المرفأ وقطاع النقل والخدمات. وعُرفت المناطق التي سكنها هذا الخليط بأحزمة البؤس. أمّا بعض الميسورين، فقد أسّسوا محالّاً تجاريّة”.

من فقر السلطانيّة للعمل ببيروت

كان الفقر يثقل حياة أهل السلطانيّة، ولم يكن فيها أغنياء. وكانت الزراعة مصدر رزقهم الأساس، من دون أن تؤمّن لهم حاجاتهم طوال السنة. ومع تأسيس إدارة حصر التبغ والتنباك العام 1935 خلال الانتداب الفرنسيّ، أصبح التبغ من أبرز المحاصيل التي اعتمد عليها أبناء القرية، لكنّ مردوده لم يكن كافياً، “كان والدي يستدين طوال السنة من دكّانة في تبنين، وعند تسليم محصول التبغ يردّ المال إلى التاجر، وفي اليوم التالي يعاود الاستدانة”، يقول عبد الرسول عفيف، وهو في العقد التاسع من عمره، لـ”مناطق نت”.

يتابع “كان المرء يعمل طوال السنة هو وزوجته وأولاده، وفي نهاية السنة ينفد كلّ ماله تقريباً”.

لم تكن معاناة المزارعين مرتبطة بمردود المحصول وحسب، إذ كانت المساحة التي يُسمح لكلّ مزارع بزراعتها محدّدة من قبل الريجي، فيما قد تكون أرضه أكبر من المساحة المخصّصة له. يقول عفيف: “كانت الريجي تتعامل مع المزارعين بقسوة. فإذا زرع المزارع مساحة أرض أكبر من المسموح له زراعتها، كانت الريجي ترفض تسلّم الكمّيّة الإضافيّة ولا تدفع ثمنها، وأحياناً كانت تتلفها أو تصادرها”.

أمام هذا الواقع، بدأ أبناء السلطانيّة يتوجّهون نحو بيروت بحثاً عن العمل. يقول عفيف: “كانت المعاناة كبيرة. وكلّ عائلة لديها شاب مؤهّل للعمل كانت ترسله إلى بيروت ويشتغل مهما كان. وقد امتهن أهل السلطانيّة بيع الخبز، فكان لكلّ بائع زبائن معيّنون، ومن هذا العمل ربّوا أولادهم ووجهوهم نحو العلم”.

جانب من بلدة السلطانية
في المصيطبة

كان أخوة عفيف الذين يكبرونه من أوائل المنتقلين إلى بيروت في خمسينيّات القرن الماضي، قبل أن يلحق بهم في العام 1964. يقول: “عندما نزلت إلى بيروت، سكنت في منطقة المصيطبة مع أحد أخوتي، ثمّ انتقلت إلى السكن مع أخي الآخر. وكان معظم أبناء السلطانيّة موجودين في المصيطبة، قبل أن يبدأوا لاحقاً بالانتشار في الضاحية الجنوبيّة وغيرها”.

وبحسب عفيف، فإنّ انتقال أبناء السلطانيّة إلى بيروت لم يقطع صلتهم بقريتهم. فقد أسّسوا “جمعيّة النهضة الخيريّة”، التي تولّت دعم بلدتهم والمساهمة في شقّ الطرق، بتمويل من اشتراكات أبناء القرية وتبرّعاتهم.

“طعم الدخّان مرّ”

يروي حسين عبّاني، في العقد الثامن من عمره، لـ”مناطق نت” رحلة انتقاله من السلطانيّة إلى بيروت العام 1968، مستعيداً طفولة لم تكن تشبه طفولة أبناء جيله، وبيروت عرفها شابّاً قبل أن تتبدّل ملامحها. يقول: “كنّا عائلة غير ميسورة، لكن عزيزة النفس. كانت ظروفنا المادّيّة صعبة، وكان علينا أن نساعد أهلنا”.

لم يمنع العمل عبّاني من طلب العلم. يقول: “كنّا نذهب إلى مدرسة تبنين سيراً في الوادي، فلم تكن هناك حافلات للنقل. نحمل زوّادتنا ونتناولها في طريقنا إلى المدرسة. نعبر نهراً بوضع الحجارة فوق الماء، وفي كثير من الأحيان كانت تبتلّ ثيابنا”.

وعن العمل، يقول: “كنّا نزرع التبغ في الضيعة، ونعمل في قطافه بدءاً من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وحتّى السادسة مساءً، وبعد ذلك نذهب لجلب الماء من العين”. ويستطرد: “طعم الدخّان مرّ”، قاصداً بذلك صعوبة إزالة آثاره من “النيكوتين” عن اليدين، حتّى إنّه كان يشعر بمرارة الطعام عندما يأكل.

في ظلّ هذه الظروف، بدا الانتقال إلى المدينة بالنسبة إلى حسين حلماً يمكن أن يحقّق له شيئاً من الراحة ومستقبلاً أفضل. وبالفعل، قدِم حسين إلى بيروت ومكث في الفترة الأولى عند أقاربه، وصبّ اهتمامه على متابعة تعليمه وإيجاد وظيفة تليق بطموحاته.

حياة بين مكانين

عاش بعض الجنوبيّين في بيروت أكثر ممّا أقاموا في الجنوب، حتّى إنّ لهجتهم نزحت معهم، فصارت فيها لكنة بيروتيّة تتسلّل من هنا وهناك.

محمّد جابر، الذي دخل العقد العاشر من عمره، يقول لـ”مناطق نت” إنّه بقي في قريته السلطانيّة مدّة بعد زواجه في العام 1958، قبل أن يقرّر الانتقال إلى بيروت بحثاً عن عمل. هناك، أقام مع عدد من أبناء قريته في شقّة بمنطقة المصيطبة. عمل جابر خلال تلك الفترة في عدد من الأفران، وكان معظم أصحابها من أبناء السلطانيّة. مع الوقت، تمكّن من جمع ما يكفي لاستئجار منزل من غرفة واحدة وتأمين متطلّبات العيش بقدر من الاكتفاء، فاستقدم زوجته إلى بيروت كي تعيش معه.

مع استقراره في منزل مستقلّ في العاصمة، بدأت زياراته إلى السلطانيّة تقتصر على المناسبات، بعدما باتت حياته اليوميّة مرتبطة ببيروت والعمل فيها. في العام 1970، سافر جابر إلى الولايات المتّحدة بعدما استدعاه شقيقه. وهناك، بدأ العمل وإرسال الأموال إلى لبنان لبناء منزل العائلة في القرية. يقول: “تولّت زوجتي تربية أولادنا السبعة وحدها في لبنان، وكانت تتنقّل بهم بين بيروت والسلطانيّة خلال الحرب”.

ويضيف جابر أنّ معظم أفراد عائلته استقرّوا فعليّاً في بيروت، حتّى إنّ شقيقاته بدأن بتملّك شقق فيها. أمّا هو وزوجته، ففضّلا الاستثمار في بيت الضيعة، بدلاً من شراء شقّة في العاصمة. ومن المفارقات أنّ الشقّة التي استأجرها جابر في المصيطبة قبل عقود لا تزال شقّته حتّى اليوم، بموجب عقد إيجار قديم. وبعدما دُمّر منزله في السلطانيّة، عاد إلى الإقامة فيها، ليجد نفسه مجدّداً في المكان الذي بدأ فيه رحلته مع بيروت.

المؤرّخ مصطفى بزّي: الانتقال من جبل عامل إلى بيروت لم يقطع صلة أبناء الجنوب ببلداتهم.

الحياة في بيروت

يوضح الكاتب والمؤرّخ مصطفى بزّي لـ”مناطق نت” أنّ “انتقال أبناء الجنوب إلى بيروت كان يتمّ بصورة تدريجيّة، إذ يبدأ عادةً بفرد واحد من العائلة يأتي إلى العاصمة بحثاً عن العمل والاستقرار، ثمّ يلحق به أخوته وأقاربه”. ويقول بزّي إنّ “الفرد كان يقيم في البداية مع عدد من أفراد عائلته في منزل واحد، ثمّ تتوسّع العائلة في السكن مع الزواج”.

فإذا كان القادم شابّاً أو آتياً بمفرده، كان يقيم مع أشخاص آخرين في غرفة أو غرفتين مع مطبخ وحمّام مشتركين. أمّا العائلة، فكانت تستأجر منزلاً خاصّاً بها. وكانت البيوت صغيرة والإيجارات منخفضة، بخاصّة في الخمسينيّات والستينيّات والسبعينيّات، “إذ كانت هناك منازل لا يتجاوز إيجارها عشرين أو ثلاثين ليرة لبنانية”. وبحسب بزّي، “ساهم هذا النمط في نشوء تجمّعات عائليّة في مناطق عدّة من بيروت وضواحيها، بينها برج حمّود والنبعة والكرنتينا وتلّ الزعتر وغيرها.

يذكر بزّي أن بعض القادمين عملوا في الخياطة وصناعة الأحذية مع الأرمن، بينما عمل آخرون في بلديّة بيروت ومرفئها، وفي بيع اليانصيب والصحف. كذلك عمل عدد من أبناء شحور في المكتبات وبيع الكتب القديمة والحديثة، ولا سيّما في منطقة العازاريّة وما حولها. أمّا أبناء ميس الجبل، فيقول بزي إنّ بعضهم عمل في السجّاد والأنتيكا والأدوات المنزليّة. ويشير إلى مثال آخر من محرونة، قائلاً إنّ أكثر من 200 شخص منهم كانوا يعملون في سوق سرسق في بيروت، في مجال الإكسسوارات وغيرها.

ويرى بزّي أنّ الانتقال إلى بيروت ساهم أيضاً في تغيير الظروف الاقتصاديّة والتعليميّة للعائلات الجنوبيّة. فبعد الاستقرار في العاصمة، تمكّن الأبناء من الالتحاق بالمدارس الرسميّة والخاصّة ثمّ دخول الجامعات. ويقول إنّ التعليم الجامعيّ كان في السابق يقتصر إلى حدّ كبير على أبناء التجّار والأغنياء، لكنّ أبناء العائلات التي انتقلت من الجنوب إلى بيروت دخلوا المدارس والجامعات وتفوّقوا فيها.

النزوح لم يقطع الصلة

ويؤكّد بزي أنّ الانتقال من جبل عامل إلى بيروت لم يقطع صلة أبناء الجنوب ببلداتهم. فالرجل الذي كان ينتقل إلى العاصمة بمفرده، كان يعود إلى قريته كلّ أسبوعين أو كلّ شهر، ويمضي فيها يومين ويتابع شؤون عائلته. ومع الوقت، تمكّن بعضهم من بناء منازل لهم فيها. وخلال موجات التهجير التي بدأت العام 1975، ثمّ بعد العام 2000، عاد كثير ممّن كانوا قد انتقلوا إلى بيروت إلى مناطقهم، فبنى من لم يكن لديه منزل، ووسّع آخرون منازلهم.

ويشير بزّي إلى أنّ نقل النفوس إلى بيروت ظلّ محدوداً جدّاً، إذ في بعض القرى، كان يُنظر إليه على أنّه قطع للعلاقة بالبلدة و”عيب”، وكان الأهل والبلديّة وأبناء القرية يلومون من يقدم عليه. وحتّى بعد الوفاة، كان كثيرون يحرصون على دفن موتاهم في بلداتهم.

ذهاباً وإيّاباً

كذلك حافظ النازحون على ارتباطهم بأرضهم، فكانوا يعودون إلى زراعة الأرض، ولا سيّما في موسم الزيتون، للمشاركة في القطاف والعصر ونقل الزيت إلى بيروت. وكانت الانتخابات البلديّة والاختياريّة والنيابيّة أيضاً مناسبة للعودة إلى القرى والمشاركة فيها.

قبل عقود، كانت بيروت محطّة لأبناء السلطانيّة الباحثين عن العمل والتعليم وحياة أفضل، لكن الانتقال إليها لم يكن يعني التخلّي عن القرية. عبّاني، الذي وصل إلى العاصمة في العام 1968، لا يزال يعود إلى السلطانيّة ويمشي في أزقّتها القديمة، ويختصر علاقته بها بالقول: “ما بنقطع عن الضيعة”. وبين بيروت والسلطانيّة، بقي الانتقال طريقاً ذهاباً وإياباً، لا قطيعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى