العمر مسفوحًا في بيت الضيعة شيّده أبي بعرق السنين

يماثل منزلنا في قريتنا الجنوبيّة منازل كثر من المياومين، مثل أبي، الذين انضمّوا إلى القطاع العام في منتصف خمسينيّات القرن الماضي. آنذاك كان الحصول على وظيفة في سلك الدولة أشدّ إغراءً من الغلّة الشحيحة التي كانت تدرّها حقول التبغ وبعض الزراعات البعليّة، التي لم تكن تسدّ رمق المزارعين في نهاية كلّ موسم.

كانت منازل أهل القرية تتألّف في معظمها من غرفة واحدة كبيرة، أو غرفتين على أبعد تقدير، كحال منزلنا الذي ألحقه والدي بدورة مياه خارجيّة، وفق هندسة ذلك الزمن، ولم تكن أيّ إضافة إليه أمرًا سهلًا آنذاك، فمثل والدي كان عليه أن يدفع أكثر من نصف راتبه إيجار المنزل الذي اتّخذه للعائلة في منطقة الشياح ببيروت، آملًا أن يعود إلى القرية بعد وصول الكهرباء والماء إليها.

أحلام العودة

كان معظم جيراننا في الشيّاح من أبناء الأرياف، وغالبيّتهم من الجنوب، يعتبرون أنّ إقامتهم في بيروت هي لسنوات معدودات. كثيرون منهم جهدوا لتوفير بعض المال، لعلّهم يتمكّنون من إكمال منازلهم التي باشروا ببنائها في قراهم، هناك حيث الخميرة الأولى جبلوها بفيض تعبهم وعرق جباههم. أحاديث العودة إلى القرى والحنين إليها، كانت تطغى على جلساتهم اليوميّة، لطالما سمعتهم يردّدون: “نحنا جينا ع بيروت موقّتًا، كلّها سنتين ومنرجع ع ضيعنا”.

وقتذاك، لم تكن فكرة تملّك منزل في بيروت واردة لمن حاله مثل حال أبي وجيرانه، فمعظمهم من العمّال المياومين أو الموظّفين محدودي الدخل، كذلك كان إيجار المنازل بالنسبة إليهم تحدّيًا حقيقيًّا، فكانوا يكثرون الشكوى من تعبهم الذي يذهب سدى لقاء لا شيء يملكونه في المستقبل، خصوصًا عندما يحين موعد دفع الإيجار مع بداية كلّ شهر “الأجار عزارة وخسارة”.

تراهم مرارًا وتكرارًا يشرعون بتفنيد مساحة بيوتهم المؤجّرة، نحو أنّهم يتشاركون السقف مع القاطنين في الطابق الذي يعلو منزلهم، كما يتشاركون الأرضيّة مع القاطنين في الطابق السفليّ: “الأرض مش إلك والسقف مش إلك… بالآخر بتكون دفعت حقّ البيت إنت وعم تدفع أجارو، ولا بصير إلك، الأجار خسارة وعزارة”.

بين صيف وآخر، اكتملت غرف منزلنا الستّ بسنوات مديدة زادت على الثلاثين، هجينة عشوائيّة مصفوفة جنب بعضها البعض، من دون هندسة تذكر.

على دفعات العمر

في ستينيّات القرن العشرين، ثُبّت والدي في سلك الهاتف، واستحقّ فروقات راتب بلغت آنذاك ألوف الليرات، كان الأمر فرصة لإكمال منزلنا في القرية، إلّا أنّ الديون الكثيرة، ومصاريف العائلة لم تُبقِ من الأموال إلّا النزر القليل، بالكاد يكفي لبناء غرفة واحدة، فلتكن.

في البداية ترتفع العواميد الأربعة، وما أن يجفّ إسمنتها حتّى تربط بين بعضها البعض حبال نشر الغسيل، ثمّ ترتفع شبكة من الشرائط الحديديّة لتعربش عليها دالية، أو تصفّ حصيرة من القصب، أو ما توافر من أغصان الشجر لحجب شمس الظهيرات القائظة.

أعوام أخرى مديدة ويستحق أبّي فروقات زيادة على راتبه، إنّها فرحة حقيقيّة، وفرصة مواتية لصبّ السطح الذي عادة ما كان يتلازم مع توزيع اللحم بعجين (السفيحة) على العاملين، كطقس أضحيّة لمباركة البيت. تمرّ سنوات عدّة وتكتمل الجدران، وهكذا تصبح الغرفة شرعيّة، حتّى وإن كانت من دون نوافذ أو بلاط أرضيّة أو طلاء، فمثل هذه التفاصيل قد يستغرق إنجازها أيضًا عمرًا بحاله.

اكتمال غرفة في المنزل كان مصدر فرح لنا نحن اليافعين، إذ سرعان ما كنّا نتخذها مكانًا للعب الورق وصناعة الدمى القماشيّة، أمّا والدتي فكانت تعتبرها مساحة كريمة لإشغالات عدّة: كالغسيل، وتجفيف الملوخيّة وخبز الصاج وتحضير المؤونة التي كانت تعدّها لشتاءاتنا البيروتيّة. شكّلت الغرفة أيضًا مساحة لمبيت نازحين كثر أيّام الحرب الأهليّة عندما عزّت البيوت الآمنة كما هي حالنا اليوم.

هكذا بقينا نحن في بيروت نكبر بسرعة، ومنزلنا في القرية يكبر ببطء بانتظار فروقات راتب ابي التي كانت تستحق مرة كل عدة سنوات.

ديكورات لزمن ولّى

بين صيف وآخر، اكتملنا تسعة أبناء لأمّي وأبي، واكتملت غرف منزلنا الستّ بسنوات مديدة زادت على الثلاثين، هجينة عشوائيّة مصفوفة جنب بعضها البعض، من دون هندسة تذكر، كلّ منها تحكي تاريخ عمرانها وطرز الزمن الذي بنيت فيه. أقدمها الغرفة التي انتقل إليها والدي ووالدتي عند زواجهما، نوافذها عالية مصنوعة من الحديد، بابها خشبيّ يتوسّطه مستطيل زجاجيّ مطبّع بأشكال ورديّة يقال إنّها كانت دارجة في حينه كموضة مفتخرة.

الغرفة الوسطى بنيت في زمن متقدّم عن جارتها، نوافذها مصنوعة من الألمينيوم، بلاط أرضيّتها من السيراميك. المطبخ على الطراز الحديث نوعًا ما، على رغم أنّ “التتخيتة” التي تعلوه، وكانت جدتي تصرّ على تسميها “السدّة”، بنيت مع الغرفة الأولى. هكذا كان كلّ تفصيل في منزلنا يبوح بتاريخه وبالسنوات الطويلة المتباعدة التي استغرقها بناؤه.

كثيرًا ما كنت أتذمّر من غرف منزلنا ذات الديكور الهجين غير المتجانس، وفي مرّة اقترحت على شقيقي أن نبني طابقًا علويًّا فوقه، أو أن نهدم جزءًا منه كعمليّة استصلاح، وكان ردّه: “حدا بيهدّ بيت أهله؟”.

منازل من أمان

لم يعد أبي إلى القرية بعد الأعوام التي رصدها، سنة، سنتين، ثلاثًا، أربعًا، إلى أن توفّي. أمّا غرف المنزل الستّ التي استغرق بناؤها عمرًا بحاله، لم نكن نستخدمها كلّها سوى أيّام العطل والأعياد التي كنّا نقضيها في القرية.

صنع الأحفاد في منزلنا العائليّ ذكريات لهم، هم الذين كبروا على غفلة منّا نحن الجيل الأوّل، حفظوا كلّ تفاصيله، حديقته وأشجاره، وكلّ ما يحيط به بعد أن استشعروا خطر الحرب الدامية التي اندلعت في العام 2024 وامتدّت إلى 2026.

أراهم اليوم ينشرون صوره على هواتفهم، كأنّهم بذلك يريدون لأمكنتهم الأولى أن تبقى في مأمن من وحش الحروب الدائرة، ومنها الأخيرة التي أجبرت كما سابقاتها مئات آلاف الجنوبيّين على النزوح من بلداتهم وقراهم، وترك منازلهم خلفهم، إلى أماكن أخرى قيل عنها إنّها أكثر أمانًا، إلّا أنّ حكايات الجنوبيّين، في سرّها وعلنها، في عيونهم وقسمات وجوههم، تقول للعالم: إنّ الأمان الوحيد هو العيش في ديارهم التي قضوا أعمارهم في بنائها حجراً فوق حجر، وحقولهم التي زرعوها شجرة شجرة ودأبوا على رعايتها كفرد من أفراد عائلاتهم، وقراهم التي تعادل أرواحهم. وأنّهم في خارجها هم خارج الحياة.

في لجّة المشاهد الموجعة، يلوح من بعيد منزلنا بغرفه الستّ العشوائيّة الهجينة،ويراودني خوف أن نفقده.

بيوت كانت لنا حياة

يختبر الجنوبيّون اليوم جلجلة النزوح التي تعدّ الأقسى في تاريخهم. أيّام وليالٍ لا يحتسبونها ضمن رزنامة الزمن، بل يقضونها في تتبّع الأماكن التي طالها القصف: أسماء الضحايا، المنازل المستهدفة، بعدها وقربها عن البيت الفلانيّ والمحلّ الفلانيّ، الفرن في الساحة، المقهى عند المفرق، حقل الزيتون، شجرة البرتقال، محصول التبغ، زهور الحديقة، بوّابة البيت، السور، الجلّ الفوقاني، الجلّ التحتاني، الطريق القادوميّة، نسائم الربيع، زهر اللوز، رائحة الياسمين، شروق الشمس، غروبها، اجتماع العائلة، حياة بكاملها كانت، تباد على مرأى العالم، وتختفي.

لا وصف يوازي الخسارات بالأرواح والأرزاق، ربّما استعارة مفردات اللغة من طباق وجناس وتشبيه، أداة ملائمة للتعبير عن حجم الفاجعة، عمقها وشكلها، وحشيّتها “ما ظلّ حدا”، “ما ظلّ مبشّر” “نزلت البناية بالأرض”، “زنّار نّار”، “ترمّدت”، صارت “ملعب فوتبول”، لا تضاريس “انمسحت عن الخريطة”. لم يعد لها علام أو رقم أو حدود.

وفاء الذاكرة

خسارات الحجر التي عادة ما تعتبر رخيصة أمام الأرواح كما هو المثل “بالحجر ولا بأصحابه”، ليست أحاديّة، بل حلّت على الجنوبيّين كفاجعة، اختلط الحجر بالبشر في أكثر من قرية وبلدة وبيت ومركز إيواء. حلّ استدعاء الذاكرة كما حدّدها الفيلسوف بّول ريكور كـ “واجب أخلاقي تجاه الضحايا”، فارتفعت المراثي فوق البيوت والقرى، كاعتراف بوفاء الأمكنة التي حملت أرواح ونبض من عاشوا فيها.

في لجّة المشاهد الموجعة، يلوح من بعيد منزلنا بغرفه الستّ العشوائيّة الهجينة، أتذكّره جيّدًا “كلّ أوضة شكل”. يراودني خوف أن نفقده، وأتذكّر ملامة جدّتي التي كانت تعتبره أجمل من قصر: “البني إدم يا ستّي بيتو قمصيو”. أراني اليوم أعتذر منه وأتمنّى ألّا نفقد هذا “القميص” حتّى وإن كان هجينًا، عشوائيًّا وكلّ أوضة شكل.

منزل كاتبة المقال في بلدة أنصار جنوبي لبنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى