هدنة غير مفهومة: لا أريد مغادرة بيتي النظيف

عدت إلى الضيعة.
مذ عدت لا أخرج من البيت إلّا لمامًا كي أجلس في الحديقة حيث أتناول الطعام وأتشمّس وأرسم وأكتب.
مشيت في اليوم الأوّل بعد عودتي في الحيّ، وسلّمت على (حيّيت) الجيران الذين نجوا من الغارة الاسرائيليّة قبل نصف ساعة من بدء الهدنة، وأودت بحياة رجل وابنته.
حدثوني الجيران عن الصوت الذي سمعوه وأصوات الأحجار التي قذفتها قوّة الغارة على أسطح منازلهم وحدائقهم وسيّاراتهم. الكلّ ظنّ للحظات أنّ منزله هو المستهدف بسبب قوّة الصوت ودويّه الهائل.
الحاجّة “زينة” التي يلاصق بيتها بيتي، أخبرتني من شبّاك غرفتها المطلّ على شرفة مطبخي حيث كنت أنشر الغسيل، أنّها مرضت بسبب الدخان الأسود الذي ملأ المكان وحجب الرؤية، وصارت تعدّ أولادها وأحفادها كي تتأكّد من أنّهم أحياء، حتّى تبدّد الدخان وفهموا أنّ الغارة في ساحة الضيعة، أيّ على مسافة 200 متر من بيتها.
هدنة غير مفهومة
بدأت الهدنة بعد نصف ساعة من هذه الغارة على ضيعتي التي يقدّر أنّها كانت عبارة عن صاروخين، زنة كلّ واحد منهما 150 طنًّا. الهدنة غير مفهومة، وغير مفهوم إذا كنّا سنغادر مجدّدًا أو متى. “سلام” ابنة الحاجّة زينة كوالدتها لم تغادرا الضيعة، ربّما ستغادرها إن استؤنفت الحرب بعد ما عاشوه من رعب جرّاء تلك الغارة.
ولحين أفهم وتتوضّح الأمور، قرّرت أنّني لن أنّظف البيت تنظيفًا عميقًا تحسّبًا لمغادرة وشيكة، قرار جماعيّ بالتشاور مع كلّ العائدين… “زنّوبة” أيضًا نظّفت مثلي: “عالقدّ”.
خصّصت الأسبوع الأوّل من الهدنة للنظافة، فلم أعدّ طعامًا سوى مرّة وكان “كمّونة بندورة”.
بين التنظيف والتعزيل
أكره التنظيف وأحبّ النظافة، وهذه معادلة صعبة ومرهقة، لذلك نظّفت البيت ببطء ولوحدي. عادة تساعدني “ميّادة” أو بالأحرى أنا أساعدها ولكنّني سأترك ميّادة إلى مرحلة التعزيل (إعادة الترتيب وإزالة ما لا لزوم له) بعد التأكّد من أنّني لن أغادر. أجّلت التعزيل حاليًّا، أمّا التنظيف فيصعب تأجيله. ثمّة غبار كثير وأمور كثيرة في غير مكانها.
هذا الوقت والشهر من كلّ عام هو أوان التعزيل. مع انتهاء فصل الشتاء وقدوم الصيف.
لن أشعر أنّني عدت إن لم أرَ الماء يجري ويأخذ معه الغبار. نظّفت ببطء وبالتقسيط، وبين كلّ مهمّة وأخرى كنت أخرج لأجلس في الحديقة.
“عدّوا معي:”
شطفت غرفتي وحمامّي.
ثمّ غرفة جلوسي والمطبخ وحمّامه.
ثمّ غرفة الضيوف وحمّامها.
وضّبت سجّاد الصالونات مع “هشام” و”سامي”.
نزعت البرادي (الستائر) مع هشام.
كنّست السجّاد.
شطفت الصالونات.
شطفت الترّاس وأزلت الأحجار الصغيرة الكثيرة التي غطّت بلاطه، وهذه كانت حصّتي ممّا تناثر جرّاء الغارة. وشعرت أنّني محظوظة وبيتي محظوظ.
شطفت بالنبريش (خرطوم الماء) مع ضغط مياه عالٍ.
شطفت، وعندما انتهيت راقبت من المطبخ الضوء المسلّط من باب الصالون على بلاطه
بلاط نظيف. هذا كلّ ما أحتاجه لأبقى.
دخل سامي ودعس بحذائه، ثمّ لام نفسه وصلّح ما اقترفه.
من الكمّونة إلى الكّبة
خصّصت الأسبوع الأوّل من الهدنة للنظافة، فلم أعدّ طعامًا سوى مرّة وكان “كمّونة بندورة”. أرسلت لي “لينا” زوجة عمّي كبّة بلبن. وبعد يومين أرسلت لي “فيروز” زوجة عمي الثاني كبّة بلبن و”شيشبرك”. وعزمتني “أمّ سماح” على السردين والبطاطا والطرطور. ومرّة أكلت مع سامي سودة مقليّة فيما تناول هو سلطة تونة. ومرّة أكلنا “مشاوي” عند “حسام” وسامي في قعقعيّة الصنوبر، ومرّة ثانية مشاوي عند “بسّام” ابن عمي.
تشمّست على التّراس وفي الحديقة.
وتناولت ترويقة مناقيش جريش من فرن أبي وديع، أو بيضَا بلديًّا من نهاد أو”مشوّشة” كلّ يوم في الحديقة.
شربت الشاي أكثر من مرّة كلّ يوم في الحديقة.
بيتي نظيف، ولا أشعر بأيّ رغبة في مغادرته أو فعل أيّ شيء آخر.











