قلعة الشقيف بين إجتياحين إسرائيل تحتل الاسم والفراغ

في قلب جبل عامل، وتحديدًا فوق الممر الممتدّ بين نهريّ الليطاني والزهراني، ترتفع قلعة الشقيف كحارس للتاريخ. تلك القلعة التي تطلّ على سهل مرجعيون الخصيب، وصولًا إلى جبال فلسطين المحتلّة، وهضبة الجولان، لا تقتصر أهمّيّتها على كونها موقعًا أثريًّا شهد على تعاقب الحضارات من الرومان والبيزنطيّين، وصولًا إلى الصليبيّين، بل تحوّلت صخورها الضخمة، التي تنبت من شقوقها شجيرات الميس البرّيّة، إلى رمز حيّ لتاريخ الجنوب اللبنانيّ النضاليّ، وشاهدة على تجذّر أبناء أرض الجنوب في مواجهة الإحتلال الإسرائيليّ على مدى سنوات طويلة.

طوال 26 عامًا تلت خروج الدبّابات الإسرائيليّة خلال العام 2000، وبعد احتلال دام 22 عامًا، ترافق مع مقاومة فطريّة لكنّها شرسة وعنيدة، لأناس دافعوا عن حقهم في الوجود باللحم الحيّ، تمكّنت جغرافيا الجنوب اللبنانيّ من استعادة تفاصيلها الحياتيّة والإنسانيّة. كذلك عملت على صياغة أمانهم الوجوديّ. إلاّ أنّ الحرب التي تشنّها إسرائيل منذ عامين ونصف العام تقريبًا، المستمرّة حتّى اليوم، عملت وبشكل مباشر على محو هذا الأمان تدريجًا، حتّى وصل حدّ التلاشي مع سقوط قلعة الشقيف بيد الإحتلال الإسرائيليّ مجدّدًا.

خلال الـ31 من أيّار (مايو) الماضي، تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي لساعات طويلة المقطع المصوّر نفسه:  العلم الإسرائيليّ يرفرف فوق أعلى برج في قلعة الشقيف، وإعلان السيطرة عليها بالترافق مع إظهار شارة (لواء) “غولاني”. إنّه من المشاهد القاسية التي اختبرتها في حياتي، لأنّ احتلال قلعة الشقيف اليوم هو إعلان صريح عن مرحلة جديدة من الصراع. تتجاوز هذه المرحلة السيطرة العسكريّة والاستراتيجيّة المتعارف عليها على الأرض، إلى مرحلة كسر المرجعيّة التاريخيّة التي شكّلت هويّة جنوب لبنان الاجتماعيّة، والنفسيّة، والسياسيّة.

الشقيف بين اجتياحين

إلى حدود اللحظة التي سقطت فيها قلعة الشقيف، كان الإجتياح بالنسبة إليّ مجرّد ذكرى مريرة متجدّدة لكنّها مليئة بأحداث تجسّد الرغبة في الحياة. على الرغم من أنّ إسرائيل سحقت منطقة جنوب الليطاني بمعظمها، ومحت معالم واحدة من أهم المدن الجنوبيّة: “بنت جبيل”. لكن لا أدري لماذا شكّل سقوط قلعة الشقيف صدمة تاريخيّة بالنسبة لي، بشكل مغاير ولكنّه حزين جدًّا. ربّما لأنّ المسألة لم تعد تقتصر على قتلنا وتهجيرنا، بل امتدّت لتنتزع  ما يثبت فعلًا حقيقة وجودنا بحدّ ذاته. عندها فقط، استعدت حقيقة أنّ ماكينة الحرب الإسرائيليّة قد غيّرت سلوكها منذ فترة طويلة، وكأنّني استيقظت فجأة لأتذكّر ما كنت أُومن به دائمًا منذ الصغر: لا سقف للإجرام الإسرائيليّ.

قلعة الشقيف ذاكرة المكان وناسه

عندما اجتاحت اسرائيل جنوب لبنان العام 1982، بحجّة القضاء على منظّمة التحرير الفلسطينيّة، نشأت مقاومة فطريّة جديدة لمواجهتها من قبل مجتمع كامل يعي ماهيّة خطورة وجود هذا الكيان الهمجيّ. لم يستطع جيش الإحتلال آنذاك التعامل مع قلعة الشقيف بالأسلوب الذي يتعامل به اليوم، حيث يعمل جاهدًا وبشكل فاضح ومقزّز لإسقاط هويّتنا وقوميّتنا بالكامل، لا السيطرة على موقع عسكريّ وحسب، كما كان في السابق. لقد شكّل اقتحام جيش الاحتلال للقلعة في  السادس من حزيران (يونيو) 1982، بعد معركة حامية، احتلالًا للمرجعيّة الطبّوغرافيّة لجبل عامل. إذ مثّلت القلعة يومها أداة مثاليّة لفرض سياسة الرقابة الكلّيّة، أيّ إخضاع سكّان المنطقة لسطوة العين التي تكشف وترى كلّ شيء.

على مدى 22 عامًا من الاحتلال السابق، تحصّن الجيش الإسرائيليّ داخل القلعة، مستحدثًا منشآت إسمنتيّة، وشبكات رادار، ومنظومات استطلاع الكترونيّ، ممّا أدّى إلى إنتاج مفاعيل نفسيّة واجتماعيّة حادّة، حيث خضع سكّان القرى المحيطة بالقلعة، مثل: أرنون، يحمر الشقيف، وكفرتبنيت وعديد من القرى الأخرى، لانتهاك إنسانيّ مباشر يتجسّد بالرؤية أيضًا. بعدها تحوّل الأفق الجغرافيّ الذي كان يمنحهم الأمان والانتماء إلى مصدر دائم للتهديد والقلق.

وإذا عدنا للوثائق التاريخيّة، سنعلم تمامًا أنّ الدفاع كان فطريًّا وبسيطًا أمام أعتى الأسلحة الإسرائيليّة.  لقد نبعت المواجهة آنذاك من كرامة مجتمع دافع عن جغرافيّته وحقّه واستطاع تحرير بلاده.

سياسة التدمير الممنهج

تبدو اليوم الـ26 عامًا المنقضية، التي كانت حصيلة سنوات من النضال بكلّ أشكاله المدنيّة، والفكريّة، والبديهيّة اليوميّة وكأنّها غبار متناثر، نتيجة التطوّر المخيف في مستوى الوحشيّة الإسرائيليّة عبر العقود. لقد بدّلت إسرائيل آليّة التعامل مع أهل الجنوب عبر استنزافهم بشتّى الوسائل. أيقنت أنّها لن تتمكّن من  احتلال تاريخهم بهذه الطريقة، وبخاصّة قلعة الشقيف إلاّ إذا طردتهم وأحرقت أرضهم، كي لا يجرؤ أحد على تذكّر كيف قاوم مزارعو التبغ، وقاطفو الزيتون، والتين، والصعتر البرّيّ هؤلاء البرابرة طامسي التاريخ.

لم يعد السلوك الإسرائيليّ إذًا، مقتصرًا على المواجهة العسكريّة، بل تحوّل إلى أداة كسر للحاضنة الشعبيّة الإنسانيّة التي رسمت ملامح هذه الجغرافيا وكرّستها. وربما هذه هي الحقيقة المريرة التي لم أدركها إلاّ بعد احتلال قلعة الشقيف، وكأنّني كنت أمارس فعل إنكار طوال الوقت. لم تستطع اسرائيل استباحة الشقيف إلاّ بعد أن حوّلت الجنوب اللبنانيّ إلى مساحة من الركام منعدم الملامح، على غرار ما فعلته في غزّة طوال عامين ونصف العام الماضية. طردت اسرائيل أهل الجنوب من أرضهم، نسفت بيوتهم بالأحزمة الناريّة، وخنقت زيتونهم بالأسلحة الفوسفوريّة المحرّمة دوليًّا، في سبيل مسخ تاريخهم وتحويله إلى عدم.

وهنا يكمن الفارق الأبرز والأشدّ قسوة. ففي العام 1982، احتلّت اسرائيل قلعة الشقيف كموقع استراتيجيّ مأهول ضمن مجتمع كامل حيّ، يقاوم ويدافع عن أرضه. أمّا الآن، فكان مشهد رفع العلم بمثابة إعلان لاحتلال الفراغ. لم يجرؤوا على دخول القلعة هذه المرّة إلاّ بعد أن أفرغوا المنطقة من هويّتها البشريّة، ثمّ قاموا بتدمير القرى واقتلعوا كلّ ما يحيط بها.

كان مشهد رفع العلم بمثابة إعلان لاحتلال الفراغ. لم يجرؤوا على دخول القلعة هذه المرّة إلاّ بعد أن أفرغوا المنطقة من هويّتها البشريّة، ثمّ قاموا بتدمير القرى واقتلعوا كلّ ما يحيط بها.

المقطع الأخير

يكمن معنى الوجود بالنسبة لنا، نحن الجنوبيّين، في أنّنا راكمنا تفاصيل حياتنا تفصيلًا تفصيلًا في كلّ مرّة كنّا نتعرّض فيها للإعتداءات الإسرائيليّة. كان الاحتلال يختزل وجودنا في كلّ عدوان، إلاّ أنّنا كنّا نعاود بناءه ومراكمته من جديد. كنّا نعلم تمام العلم أنّ أجسادنا تعجز وخوفنا يزيد. لكنّنا كنّا على قناعة تامّة بأنّنا طالما نحن موجودون في أرضنا، فلن يتمّ تحويل المكان إلى مجرّد جغرافية. لكن يبدو أنّ كلّ شيء اختلف. لقد استطاع فعل الاستنزاف الذي مارسته علينا إسرائيل طوال الفترة الماضية أن يفقدنا كلّ حصانتنا الداخليّة. أشعر بأنّني خسرت كلّ شيء. في أيّ مجهول ولا انتماء نعيش اليوم؟ لماذا تبعثرنا بهذه السرعة؟

أحدّق في شاشة التلفاز، ويمرّ شريط حياتي أمامي. أبدأ بتذكّر تفاصيل: عودتنا بعد حرب تمّوز (يوليو) 2006 إلى الجنوب، ذهابنا إلى “بوّابة فاطمة” العام 2000 وغيرها من المحطّات التي دخلت في تكويني العاطفيّ، والنفسيّ، والاجتماعيّ. لكن سرعان ما ينفصل وعيي عن كلّ ما يحيط بي، وأدخل في صراع بين ذاكرتي وبين ما أشاهده على الشاشة، التي تعيد بثّ المشهد نفسه كحلقة مفرغة لا تنتهي، وكأنّه حيّز أبديّ لهذا الواقع الأزليّ المرعب.

أراقب حركة الكاميرا في هذا البثّ المباشر الحادّ، وترتفع مرّة أخرى قلعة الشقيف فوق الممرّ الممتدّ بين النهرين،  لكنّها محاصرة هذه المرّة بالفراغ والدمار الشامل. يرتفع العلم مجدّدًا كأثر واضح على كيف أفقدتنا اسرائيل قدرتنا على معرفة أنفسنا والتصالح معها. يمتدّ الأفق خلف القلعة واسعًا، لكنّه كئيب ورماديّ بلون اللاحياة.

بتر بصريّ

إن احتلال قلعة الشقيف هو توثيق حيّ لكيفيّة سلخ مجتمع كامل عن أرضه أمام أعين العالم، وبتر بصريّ ملموس ونفسيّ لملامح أرض ترفض الاستسلام، لكنّها تختفي تدريجًا ونختفي نحن معها. يغرق الجنوب في ضباب مخيف، ونحن نتوه ونقذف أكثر في المجهول، في الوقت الذي يشهد فيه العالم على أقذر عمليّة طمس للتاريخ، والجغرافيا، والإنسان.

ينطبق المشهد في لحظة سوداويّة عارمة تشعرني بالدوار، وتجبرني على استيعاب الحقيقة البشعة التي أفقدتنا أشياء كنّا نعتبرها بديهيّة. تتراجع الكاميرا، فأشعر أنّ جنوب لبنان يبتعد أكثر فأكثر، وتزدحم في رأسي أسئلة كثيرة: كيف يمكن أن نستعيد أنفسنا وملامحنا وملامح جبل عامل؟ كيف سننتقم من هذا العالم المتبلّد الذي يتعامى عن تاريخنا المشحون في جذور هذه الأرض؟ كيف يمكن أن نعود كما عدنا في المرّات السابقة لنراكم تاريخنا من جديد؟

نحن لم نسكن هذه الأرض بل هي التي سكنتنا وتسكننا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى