بحثًا عن أمان ضائع بين بيروت وحومين التحتا

قبل عشر سنوات، اتّخذنا قرارًا عائليًّا بدا في حينه نهائيًّا، أن نترك العاصمة بيروت. العاصمة التي ولدنا وكبرنا ودرسنا فيها، العاصمة التي حملت ذكرياتنا وحفظتها، العاصمة التي كانت جزءًا من تكويننا أنا وأخوتي، تكويني الذي كلّما وددتُ أن استشعره واستذكره توجّهت إلى ألبوم صور قديم، يحوي ذكرياتي مع أهلي وعائلتي ومدرستي وجيراني، ذاكرتي التي لم تبدأ فقط قبالة البحر مع أبي وأمّي وقضاء ليالي عيد الميلاد قرب شجرة الميلاد مع الجيران ليلًا، ولا تنتهي في التسكّع بزواريب ضاحية بيروت الجنوبيّة في أواخر الأسبوع، متوجّهين إلى بيت جدّي في برج البراجنة.
أتى قرار الانتقال من بيروت إلى الجنوب بعد التوتّرات التي شهدتها العاصمة، فمنذ العام 2005، صار كلّ شيء في المدينة قابلًا للانفجار. اغتيالات واقتتال واستهدافات، ومظاهرات دائمة، وأخبار عاجلة لا تنتهي. كلّ يوم كان يحمل احتمالًا جديدًا للقلق، وكلّ صوت مرتفع كان قادرًا على أن يزرع فينا فكرة أنّ شيئًا سيّئًا ربّما يحدث بعد قليل.
مع الوقت، لم أعد أنظر إلى بيروت كمدينة أعيش فيها، بل كمدينة أراقبها بحذر. في فترات معيّنة، بدأنا نحفظ الطرق البديلة، ونتابع نشرات الأخبار أكثر ممّا ينبغي أن نتابع. أصبحت الحياة الطبيعيّة امتيازًا موقّتًا. لهذا قرّرنا الانتقال. لم أترك بيروت بالكامل، لكنّني توقّفت عن اعتبارها مكانًا آمنًا مستقرًّا، فانتقلت إلى الجنوب، إلى بلدتي حومين التحتا (إقليم التفّاح) في قضاء النبطيّة.
في حِمى حومين
بلدة جنوبيّة هادئة، كانت مستقرًّا للشعراء، والأدباء، وحفلات الزجل الشعبيّ، وحلقات الدبكة في ساحتها. بلدة لها إرث كبير في ميزان الحياة بكلّ أشكالها ومعاييرها، وحتّى في إرث ذاكرة الدفاع، عندما سجّلت مواجهةً ضدّ الاحتلال في أحد صباحات عيد الأمّ. حدث ذلك في مطلع الثمانينيّات عندما واجه عدد من أبناء البلدة الاحتلال وتصدّوا له ومنعوه من الدخول.
بعد الانتقال إلى حومين بدا كلّ شيء مختلفًا، الصباحات أبطأ، والهواء أخفّ، والحياة أقلّ استعجالًا، بدأت أستيقظ باكرًا، أتوجّه يوميًّا إلى بيروت لمتابعة دراستي في الجامعة، وأعود آخر النهار بعد طريق طويل ومتعب. ازدادت المصاريف، وازداد التعب، وصارت الأيّام مع المهمّات البعيدة أثقل، لكنّني كنت أشعر بشيء افتقدته طويلًا وهو الطمأنينة.
كنت أظنّ أنّني نجحت أخيرًا في الهروب من القلق، كأنّني وجدت مكانًا يمكن أن أعيش فيه دون أن أبقى مترقّبة لما سيحدث بعد ساعة.
مع الوقت علّمني الجنوب كيف أراقب تبدّل الفصول، كيف أستمتع بالتفاصيل الصغيرة التي لا تمنحنا معناها المدينة نظرًا إلى سرعة الحياة فيها، منحتني الإقامة في الجنوب شعورًا بأنّ الحياة يمكن أن تكون هادئة بالفعل، لا مجرّد هدنة قصيرة بين أحداث في البلاد. إلى أن أتت سنة 2023، لتغيّر مفهوم الأمان، وتحدث صدامًا جديدًا بيني وبين ما كوّنته في رأسي عن الهدوء والحياة البطيئة.
أشعر أنّنا في لبنان كبرنا نفكّر كيف ننجو بدلًا من أن نفكّر كيف نعيش، تعلّمنا كيف نتأقلم، وكيف نكمل، وكيف نضحك على رغم كلّ شيء.
حرب بعيدة وتوتر يتمدّد
في البداية، كانت الحرب بعيدةً، أو ربّما حاولنا إقناع أنفسنا بذلك، لأنّ بلدتنا ليست حدوديّة. لكن بدأ التوتّر يتمدّد ببطء، والخوف يعود تدريجًا، إلى المكان الذي ظننّاه آمنًا. صار الجنوب الذي عدتُ إليه يشبه الصورة التي كوّنتها عن بيروت. القلق نفسه وإن تغيّر المكان. ومع العودة إلى متابعة الأخبار بكثافة وتواتر التحليلات، بدأت الأسئلة تتكرّر حول فكرة: ماذا لو؟
الأسئلة راحت تكبُر ككرة نار وتتوسّع: ماذا لو لم يعد الجنوب هو المكان الآمن في رأسي، عندها إلى أين سأهذب؟ أحيانًا تكون الأسئلة أثقل من الحرب نفسها.
نستطيع تحمّل التعب لأنّه وقت سيمضي، والحروب تنتهي ولو طالت، لكن كيف يتحمّل الإنسان فقدان الشعور بالأمان؟ وعندما تخسر الأماكن التي أحببت فيها قدرتها على طمأنتك، يصبح الأمر أشبه بفقدان جزء داخليّ منك، لا مجرّد فقدان مكان.
يقال دائمًا إنّ الوطن ليس فندقًا نغادره حين تسوء الظروف. لكن لا أحد يتحدّث عن التعب الذي يعيشه الناس حين يتحوّل البقاء نفسه إلى اختبار يوميّ لجهازهم العصبيّ. لا أحد يسأل كيف يمكن لإنسان أن يخطّط لغده وهو يشعر دائمًا بأنّ كلّ شيء موقّت؟ بيته، خططه، استقراره، وحتّى مستقبله.
كيف ننجو
أشعر أنّنا في لبنان كبرنا نفكّر كيف ننجو بدلًا من أن نفكّر كيف نعيش، تعلّمنا كيف نتأقلم، وكيف نكمل، وكيف نضحك على رغم كلّ شيء، يبقى المتعب هو الاضطرار إلى إعادة بناء شعورنا بالأمان في كلّ مرّة يتلاشى فيها.
أن تعيش في بيروت الطفولة والأعياد، والازدحام الذي كان يبدو حيًّا أكثر ممّا هو مرهق. وأن تعيش في الجنوب الهدوء، والتأمّل، والعطلات الطويلة، والشعور بأنّ الوقت يمرّ ببطء، ثمّ ترى نفسك عائدًا إلى مكانك الأوّل مرغمًا وممنوعًا من العودة إلى مكانك الثاني، والاثنان غير آمِنين إلى موعد نجهله.
الذنب ليس ذنب الأماكن، ربّما ذنبنا في إجراء إسقاطات الخوف عليها. لا تخوننا أماكننا، لكنّها تعجز أحيانًا عن حمايتنا، ولهذا لا نستطيع أن نرمي عليها المآخذ، لأنّها مثلنا تمامًا متعبة، وتحاول أن تصمد أحيانًا، وأن تنتكس في أحيان أخرى.




