حكاية هرّي “بلاكي” وأصدقائه النازحين.. ضحايا الحروب المنسيين

من عادتي أن أسهر طويلًا حتى مطلع الفجر، اكتسب وقتي وهدوء الليل في قراءة كتاب قصصيّ أو شعريّ، أو في الكتابة والتأليف.

اليوم كعادتي استيقظت ظهرًا، خرجت من غرفة نومي، اتّجهت ناحية غرفة الاستقبال، وأوّل من رحّب بيّ هرّي ” بلاكي” إذ مشى صوبي، واتّجه نحو طبق الطعام، وضعت له الطعام المخصّص له، أكل بسرعة، وهرول ناحية الباب الرئيس، ووقف على رجليه، وراح يدلّني على مقبض الباب ويموء كي أفتح له، فيخرج إلى الطبيعة.

شقة جديدة

منذ مدّة كنت قد انتقلت إلى هذه الشقّة الجديدة، ونقلته معي. استغرب “بلاكي” في أوّل يومٍ المكان، وراح يختبئ في أركان غرفة الجلوس، أو تحت أحد الأسرّة. آويت أوّل ليلة إلى سريري وكان هرّي نائمًا في غرفة الجلوس تحت الطاولة.

آنذاك، قلت في نفسي لن يعرف أين غرفتي، فتركت له بابها مفتوحًا قليلًا. بعد وقت تسلّل إلى غرفتي ونام إلى جانبي ليستمد الأمان وأنا أحضنه، وأداعبه بحنان وحبّ. بعد ذلك اليوم راح يتجوّل في غرف الشقّة، يتعرّف على كلّ محتوياتها.

قررت ألّا أسمح له بالخروج خوفًا عليه من ألّا يعرف طريق العودة، لكنّه كان هرًّا عنيدًا وذكيًّا، ولمنعي له من الخروج جلس على حافّة الشرفة يتأمّل الطبيعة من حوله، وبسرعة البرق قفز من على الشرفة في الطبقة الثالثة إلى الأسفل وركض بسرعة مبتعدًا عن المنزل.

هرّان نازحان وأصدقاء جدد

حلّ المساء يومها، وأنا أترقّب عودته بفارغ الصبر، وعند أوّل ساعات قدوم الليل جاء يموء أمام باب مدخل الشقّة بعد أن صعد السلّم الطويل. فرحت لعودته، رحّبت به، حضنته وأيقنت أنّه يعرف العودة، ومنذ ذاك الحين وأنا أسمح له بالخروج، إذ إنّه يعشق التجوال في الطبيعة.

“بلاكي” لم يكن يسمح لهرّ غريب أن يقترب من محيط البناية، كان يتشاجر معه بعنف، مستميتًا في الدفاع عن منطقته، لكن في الطبقة السفلى من المبنى حضر نازحون من جنوب لبنان، وأحضروا معهم هرّان ذكران، والغريب في الأمر أنّه بنى معهما صداقة، وكأنّه عرف بأنّهما نازحان.

داوم هرّي يوميَّا عند صديقيه الجدد وكأنّه يتفقد أحوالهما ويقف عند خاطرهما، وأحيانًا يدعوهما إلى زيارة خاطفة لمنزلي، أقدّم لهما بعض الطعام وأعطف عليهما كونهما ضيفين خفيفين أجبرتهما الحرب على الخروج القسريّ من منزليهما.

ويل للحرب وما فعلته بالحجر والبشر والحيوان الذي لا حول له ولا قوّة، هذه الكائنات لا تعرف الشكوى ولا حتّى بإمكانها أن تجد الطعام في القمامة التي خوت من فضلات الطعام بعد النزوح.

على “التواصل” مشاهد تهزّ كياني

مع كلّ صباح ولدى استيقاظي أقلّب صفحات التواصل الاجتماعيّ، وأرى آثار الحرب المدمّرة على البشر والحجر، وحتّى على الحيوانات الأليفة والدواجن والماشية التي تُركت في الجنوب بلا طعام أو شراب بعد أن اضطرّ أصحابها إلى النزوح هربًا من جحيم القصف.

كنت أرى عبر تلك الصفحات بعضًا من الأشخاص يقصدون الجنوب تحت تهديد القصف لإطعام هذه الحيوانات الأليفة، وكان قلبي يعصف به الحزن على المشاهد المؤثّرة، واستقبال الكلاب والقطط لهؤلاء الأشخاص والترحيب بهم، وبعضهم كان يتشوّق للقاء إنسان في مناطق خلت من أهلها.

مشاهد من الدمار كنت أراها وأنا أستعرض صفحات التواصل، وأنّ فرقة إنقاذ أنقذت كلبًا أو هرًّا من تحت الركام، مع العلم أنّ بعض تلك الحيوانات نفق إثر القصف والعدوان، والبعض الآخر أصيب بالعمى أو بإعاقة جسديّة، ولولا بعض المبادرات الشخصيّة من الأفراد والجمعيّات المتخصّصة لكانت تلك الحيوانات قد نفقت عطشًا وجوعًا.

ويل للحرب وما فعلته بالحجر والبشر والحيوان الذي لا حول له ولا قوّة، والتي كان تأثيرها عليها أقوى من تأثيرها على الناس الذين نزحوا واستطاعوا التأقلم مع الوضع الراهن، لكنّ هذه الكائنات لا تعرف الشكوى ولا حتّى بإمكانها أن تجد الطعام في القمامة التي خوت من فضلات الطعام بعد النزوح.

هرّي صاحب فضل كبير

بعد تلك المشاهد المؤلمة شعرت بحبّي الشديد لهرّي “بلاكي” الذي يعلم موعد نومي واستيقاظي، فهو من كان له الفضل الأكبر لسلوكي اللطيف مع الحيوانات.

قبل تبنّيه لم يكن يلفت نظري الاهتمام بالقطط والكلاب، لكن بعد أن تبنّيته ونشأت بيننا علاقة حبّ وعطف، أصبحت أطعم القطط والكلاب الشاردة والتي تبنّيت واحدًا منها.

كان جروًا صغيرًا أسود اللون أسميته “نوّار”، لطيفًا جميلًا، أداعبه وأسلّيه ويسلّيني، ويمنحني طاقة من الفرح والمرح كما كان يفعل هرّي معي حين عودته إلى البيت منتصرًا رافعًا ذيله الثخين فرحًا بأنّه طرد الغرباء من منطقته.

لم أكن أهمل كلبي ولا هرّي، فقد تلقّيا الطعوم المناسبة والأدوية بشكل دوريّ، فبسببهما اليوم أهتمّ بالحيوانات وأرعاها قدر إمكاني، وأصبح قلبي رقيقًا لدرجة أنّني أتحاشى أن أدوس على نملة في الطريق.

رحلتي مع هرّي “بلاكي” وكلبي “نوّار” جعلا منّي إنسانة تشعر بالحيوانات، وتتألّم لآلامهم وتشرّدهم ونزوحم. وحتّى ولو اتّهمت بالمبالغة أو نُعتّ بالجنون، أقف اليوم مدافعة عن هذه الأرواح التي لم تختر الحرب يومًا، لكنّها كانت دائمًا أولى من ضحاياها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى