زوطر الشرقيّة.. تراب يردّ الروح وذكريات تأبى النزوح

في الجنوب، حيث تقف القرى كحارسات للزمن والذاكرة، أصبحت “زوطر الشرقيّة”، التي يتردّد اسمها كثيرًا هذه الأيّام “العصيبة”، بلدة مرسومة باللون الأحمر على خرائط نشرات المساء والأخبار العاجلة، بعد أن وطأت أقدام جنود الاحتلال الإسرائيليّ أرضها. لا يرى أهل زوطر بلدتهم مساحة جغرافيّة قيد الاحتلال، بل قطعة من الروح تُنتزع من بين ضلوعهم. فزوطر بالنسبة إليهم ليست مجرّد منازل وحجارة، إنّما هي مستودع حكايات حُفرت عميقًا في الوجدان، وملاذٌ لا يمكن لأيّ قوة أن تمحوه من قلوبهم.
هذا التعلّق الروحيّ لا تعترف به المسافات؛ فعلى رغم مرور 27 عامًا على زواجها وانتقالها إلى بلدة “ارزاي” (قضاء صيدا)، يبقى لتراب زوطر في قلبها سحرٌ يختلف، ورائحةٌ “تردّ الروح”. تقول سناء ياغي: “حتّى تحت وطأة القصف وهدير المسيّرات، لم يمنعني الخوف من زيارتها، كنت أردّد أمام أخوتي وينتابني هاجس غريب: دعونا نشبع من البلدة، فربّما لا تسنح لنا فرصة أخرى في الوصول إليها”.
تتابع ياغي لـ”مناطق نت”: “أخيرًا، دأبتُ على توثيق زواياها، ألتقط الصور لبيوتها التراثيّة وطرقاتها وساحتها حيث المسجد القديم والذي يعود بناؤه إلى العام 1850 كما أخبرتني أمّي”. تضيف “اليوم تعتصرني غصّةٌ تدمي القلب كلّما نظرت إلى تلك الصور، وكأنّني، من دون أن أدري، كنت أودّعها”.
ذكريات ألم وفرح
من ناحيتها تتأرجح ذكريات زوطر بالنسبة إلى فاطمة حرب بين ألم وفرح؛ فتروي قائلة: “لا يغيب عن بالي ركضنا من المدرسة ونحن نسابق الخوف تحت قذائف العدوان. وفي المقابل، تشرق بذاكرتي كزدورة زوطر الشهيرة، ومباريات كرة القدم في الضيعة التي كانت مصدر فرح حقيقيّ نسرقه من بين أنياب الحرب”. تتابع لـ”مناطق نت”: “كنّا نجتمع ونحن نرتدي أجمل الثياب بعد الظهر في نزهة كأنّها كرنڤال على كورنيش الروشة حيث كنّا نشعر بالحرّيّة والأمان، فزوطر من القرى التي تشهد تنوّعًا كبيرًا في أحزابها وعقليّات أهلها”.
و”على رغم أخبار التوغّل والدمار، يغمرني أمل بألّا ينطفئ في العودة؛ وكلّي ثقة بأنّ زوطر ستبقى عصيّة وصامدة بقلوب أهلها، الذين سيعودون يومًا لرفع الأنقاض وإعادة إعمارها، وترتدي البلدة مجدّدًا حُلّتها الجميلة والهانئة” تختم فاطمة بابتسامة ملؤها الرجاء.
شكّ “الدخّان” والنهر
على الرغم من تحدّره من بلدة قبريخا (مرجعيون)، إلّا أنّ لمحمّد فحص ذكريات مع زوطر مسقط رأس والدته، وعنها يروي قائلًا: “زوطر طفولتي وحاضري معًا، أذكر عندما كنّا نقضي الصيف هناك، إذ لا تزال صورة جدتي مترافقة مع خيوط الفجر الأولى محفورة في قلبي، حين كانت تستعدّ لقطاف وريقات التبغ”. يتابع لـ”مناطق نت”: “كنت أستيقظ باكرًا كي ألهو بدراجتي قرب الحقل قبل اشتداد حرارة الشمس وظهور الثعابين، وما أن نعود حتّى تستقبلنا رائحة الفطور الذي تعدُّه أمّي، لتبدأ طقوس شكّ الدخان”.
يضيف فحص “بذكائها ابتكرت جدّتي حوافز لنا كي نجتهد في الشكّ، فكانت تعدني بـ 500 ليرة عن كلّ “ميبر” (سيخ مخرز طويل يربط في فتحته خيط المصّيص لتوظيب التبغ) أنجزه، لتشتعل المنافسة مع أبناء خالاتي، وتُتوّج جهودنا ببوظة من الدكّان، أو مشوار يغسل تعبنا في النهر، حيث كنّا نذهب إلى المغاور والكهوف المنتشرة عند منحدراته”.
يستعيد فحص بعضًا من ذكرياته على النهر “أذكر أنّه عندما تعطّلت سيّارة جدّي، وحاولنا دفعها بأجسادٍ أنهكتها السباحة والجري دون جدوى فأصابنا اليأس، لنتابع بعدها سيرًا على الأقدام مدّة أربع ساعات متواصلة، نسير قليلًا ونرتمي أرضًا كي نلتقط أنفاسنا”.

أيّام مجاملة بالذمّة
هذه الطقوس العائليّة الحميمة كانت جزءًا من دورة حياة كاملة تدور في فلك زراعة التبغ التي تشتهر بها البلدة؛ إذ تتميّز أراضيها بتربة خصبة تلائم هذه الزراعة البعليّة الشاقّة التي تبدأ دورتها السنويّة في المشاتل التي تحتضن البذور، ثم مرحلة الغرس التي يجسّدها نظام “المجاملة” الاجتماعيّ، وفيه يتبادل الجيران أيّام العمل بالتناوب من دون أجر، وتتحرّى النساء حساباتها بدقّة كقولهنّ: “لفلانة بذمّتي خمسة أيّام مجاملة”.
العبء الأكبر من هذه الزراعة يقع على كاهل النساء اللواتي يقطفن الأوراق فجرًا، لتبدأ رحلة شكّها وتجفيفها خلال النهار، ثم “تدنيكها” في صناديق خشبيّة مغلّفة بقماش من خيش قبل تسليمها إلى إدارة “الريجي” (إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانيّة). وعلى رغم أهمّيّة هذه الزراعة، فإنّها تتراجع اليوم مع توجّه الجيل الجديد نحو وظائف ومهن أخرى أسهل وأكثر استقرارًا.
تشارك مريم زوجة محمّد، تعلّقها العميق بزوطر قائلة لـ”مناطق نت”: “على رغم أنّني لست أصلًا من زوطر، إلّا أنّ متعتي الكبرى تكمن في رؤية بناتي يركضن بحرّيّة وسعادة في أرجاء ‘مزرعة الحمرا’، بين أحضان طبيعتها البكر وتحت ظلال كنيستها القديمة”.
مزرعة الحمرا وكنيسة مار يوسف
في مزرعة الحمرا تنتصب كنيسة “مار يوسف” الأثريّة كشاهد يروي حكاية تلك المنطقة يوم كانت المزرعة مملوكة من عائلات “مسيحيّة” من حارة النبطيّة، تلتفّ حولها بيوت قديمة بناها “النواطير” والمزارعون ممّن رعوا هذه الكروم لعقود طويلة بالشراكة مع أصحاب الملك، قبل أن تتبدّل الملكيّات العقاريّة مع مرور الزمن. اليوم، وعلى رغم صمت أجراس الكنيسة تظلّ الأخيرة رابضة فوق وادي زوطر كأيقونة لعشّاق التاريخ والطبيعة.
غير أن سكون هذه المزرعة تبدّد خلال الحرب بعد توغّل قوّات الاحتلال الإسرائيليّ متجاوزة مجرى نهر الليطاني، محاولةً التقدّم منها نحو قلعة الشقيف المجاورة، ما حوّل المزرعة الهادئة إلى خطّ مواجهة ساخن.

صعتر زوطر
هذا الصمود والارتباط الشديد في الأرض تعبّر عنه مريم بقولها: “لقد تشرّبنا حبّ هذه الأرض حتّى باتت تسكن تفاصيلنا اليوميّة، إلى درجة أن ابنتي الصغيرة باتت تميّز نكهة صعتر (زعتر) زوطر عن غيره، فهذه الزراعة التي غزت زوطر حديثًا أدخلها أبناء البلدة بتشجيع من مؤسّسات عالميّة كبديل عن زراعة التبغ المرهقة والتي تتطلّب العمل على مدار العام. وينفرد زعتر زوطر بنكهة عطريّة وجودة استثنائيّة يكتسبها من خصوبة التربة الحمراء فيها.
نهر زوطر
تختلف علاقة علي اسماعيل عن غيره مع زوطر، يقول: “علاقتي بزوطر هي علاقة انتماء. أذكر كيف اندفعنا أنا وإخوتي بعد أسبوع من التحرير في العام 2000 نحو أرض ورثناها عن جدّي عند ضفاف النهر، على الرغم من عدم وجود طريق يؤدّي إليها”.
يتابع لـ”مناطق نت”: “نصبنا خيمتنا وسط طبيعة بكر، استصلحنا الأرض بحبّ، وحصلنا على رخصة لبناء منزلٍ صغيرٍ هناك”. يضيف “بعد حرب العام 2006، حوّلنا منزلنا إلى أول استراحة ومطعم عند ضفاف الليطاني، وكنت آنذاك طفلًا في الـ12 أساعد عائلتي، لكن في العام 2009 تولّيت إدارة المطعم برؤية طموحة لإنعاش اقتصاد قريتي، معتمدًا كلّيًّا على أفرانها ودكاكينها. وبحلول 2017، أصبحنا نستقطب زوارًا من بيروت وصيدا وطرابلس، ونلنا تنويهًا رسميًّا من مصلحة الليطاني لمبادرتنا بفرز النفايات وحماية النهر”.
غير أنّ اندلاع حرب الإسناد العام 2023 وحساسيّة الموقع منعنا من النزول إلى النهر. يقول علي: “مع ذلك رفضت الاستسلام، وافتتحت مطعمًا جديدًا في القرية بأعلى المعايير. وحين سُئلت عن تقديم هذه الجودة بقرية صغيرة، أجبت بيقين: زوطر أعطتنا كثيرًا وتستحقّ أن نستثمر فيها”.
مع توافد النازحين من الشريط الحدوديّ، فتحت زوطر ذراعيها لاحتضانهم. يوضح علي “رفضنا تقاضي بدلات إيجار، ووفّرنا الكهرباء والمياه مجّانًا، وتكاتفنا مع البلديّة والجمعيّات كي نمسح عنهم تعب النزوح ونؤمّن لهم عيشًا كريمًا. اليوم نحن نازحون، وأتمنّى أن يصمد المطعم كما ستصمد زوطر ونعود إليها قريبًا”.

زوطر تحت النار
أجبر أهل البلدة بشكل كامل على النزوح، تقول زينة حرب وهي مدرّسة لغة عربية: “مذ أُجبرتُ على ترك البلدة، أنهيتُ قراءة ‘رأيت رام الله’ لمريد البرغوثي (شاعر فلسطيني 8 يوليو 1944 – 14 فبراير 2021) ؛ حيث يسرد مسار عودته إلى مدينته بعد 30 عامًا، واصفًا تفاصيل ذكرياتها ولحظات الطفولة فيها. كلّ شيء في تلك السطور يمسّني؛ أقرأ كلمات مريد وأُسقطها على حالتي، فأخاف… أخاف جدًّا”.
بنبرةٍ مثقلة بالحنين تتابع زينة لـ”مناطق نت”: “أخاف على زوطر، قريتي التي ركضتُ في أزقّتها خلف أخويّ، حيث كنّا نبحث عن العقارب تحت الحجارة، ونلتقط ‘بقرة السيرة’ (الدعسوقة) لنغنّي لها كي تطير. هناك غسلتُ البندورة لصنع التبّولة بصحبة الأصدقاء، هناك تركتُ ذكريات طفولتي وشبابي”.
تضيف “زوطر ليست مجرّد مسقط رأس لي ولأبنائها؛ بل جذوري والأرض التي بنيتُ عليها منزلي، إنّها دفتر ذكرياتي الذي تركته خلفي، تمامًا كما ترك مريد البرغوثي رام الله… اليوم، سُوّي منزلي بالأرض، وتمزّق دفتر ذكرياتي ليختلط بتراب القرية. مرّت أيّام الحرب بثقلها وأخبارها القاسية، إلى أن وقعت الفاجعة، وأصبحت زوطر تحت وطأة الاحتلال. صرخ أحدهم في المنزل: ‘سقطت زوطر.. احتلّوها’. في تلك اللحظة، احتلّ اليأس قلبي، وغادر الفرح ملامحي، وبكيتُ بحرقة متسائلة: أأعود إليها يا مريد؟ يا منزلي المدمّر، أيمكنني أن أرى ركامك يومًا؟ فوالله، حتّى الركام أتعلّق به، وإليه أتوق للعودة”.










