“في جيبي مفتاح” من نكبة فلسطين إلى أبواب الجنوب

لبعض الجماد حظٌّ باهت. دورٌ واحدٌ محدّد، لا يقبل التأويل ولا يغادره إلى رحابة الرمز. القابس الكهربائيّ، حاملة الأكواب، والخلّاط، كلّها كتلٌ صمّاء لا تتجاوز حدود وظيفتها. لكن حين نستدعي الطاولة نحضر الحوار، وحين نصطدم بحائط نعلن انسداد الأفق؛ أمّا المفتاح؟ فله حكاية أخرى تختبئ خلف معدنه البارد.

هناك مفاتيح تظلّ معلّقة، تعيش عمرًا أطول من جدران بيوتها ومن عمر أصحابها. مفاتيح لا تفتح شيئًا، لكنّها تحمل في أسنانها المعدنيّة وجع التهجير، وحكايات غيابٍ قسريّ عن الأرض.

تتعدّد الروايات وتختلف الجغرافيا. من بلدة الجاعونة الفلسطينيّة إلى بلدة عديسة (مرجعيون) جنوب لبنان، ثمّة قاسم مشترك: مفتاح حرص أصحابه على عدم التفريط به بعد أن هُجّروا قسرًا، فبقي شاهدًا وحيدًا على بيوتٍ غادرناها على عجل، محمّلين بوهم العودة السريعة.

أمانةٌ من زمن النكبة

تخبر فاديا السيّد “مناطق نت” عن أمانةٍ انتقلت إليها من عمّتها التي غادرت فلسطين العام 1948، معتقدةً أنّها ستعود بعد يومين ليس أكثر. يومها، حرصت على لفّ “المونة” من مخلّلات وزيتون ولبنة وجبنة بشراشف بيضاء كي لا تفسد. لم تأخذ معها شيئًا سوى مفتاح البيت الذي حملته كقضيّة في عمرٍ من النزوح، قبل أن تفارق الحياة منذ سبع سنوات، مسلّمةً الأمانة إلى ابنة أخيها.

تقول السيّد: “لم يكن خروجها قرارًا منها، بل لأنّ خالها طلب إليها ومن والدي المغادرة. كان خالهما منخرطًا في المقاومة الفلسطينيّة ويقاتل ضدّ قيام دولة إسرائيل في ذاك الوقت. وعندما بدأ المستوطنون الذين قدموا من الخارج بالوصول إلى الجاعونة، طلب خالهما منهما الهروب لبضعة أيّامٍ فقط، وأن يغلقا باب المنزل ويجمعا أغراضهما، لأنّ معركة ستدور في المنطقة”.

مفاتيح البيوت في فلسطين تختصر النكبة

وتضيف السيّد بمرارة: “عاشت عمّتي كلّ حياتها تنتظر اللحظة التي تتحرّر فيها فلسطين، حاملةً مفتاح بيتها هناك، على أمل أن تعود إليه. كانت تحدّثني كثيرًا عن قريتها وطبيعتها الجميلة. كانت لأهلي في الجاعونة أرضٌ زرعوا فيها الحامض والزيتون، ولزيتون فلسطين قصصٌ كثيرة، لكن أكثر ما أتذكّره من حديث عمّتي هو الحامض الذي كانوا يخلّلونه. كانت دائمًا تخبرني بأنّه من ألذّ الأشياء التي تذوّقتها في حياتها”.

حكاية غيابٍ جديدة

وعلى خطى تلك الحكايات التي نبتت من ألم النكبة، يكتب أبناء القرى الحدوديّة في جنوب لبنان اليوم فصولًا جديدة من قصّة الغياب.

تروي مروة رمّال، ابنة عديسة، قصّة مغادرتها منزلها بعد أسبوع من أحداث السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023: “غادرنا يوم السبت وكنّا ننوي العودة في اليوم التالي. كانت القرية قد بدأت تفرغ من سكّانها، فنزلنا إلى بيروت ليومين كي نراقب كيف ستتطوّر الأمور، ولم يخطر في بالنا أبدًا أن تكون تلك المغادرة هي المرّة الأخيرة التي نغلق فيها باب البيت، أو أن تحمل تلك اللحظة دلالات الفقد”.

اليوم، يحتفظ والد رمّال بمفتاح منزل عديسة ضمن سلسلة مفاتيحه. تقول مروة لـ“مناطق نت”: “لا نتخلّى عن المفتاح، فهو شيء يشعرنا بالأمان، لأنّنا لا ننظر إليه كقطعة معدنيّة، بل إلى ما يرمز إليه. هو امتدادٌ للذكريات التي نملكها في مكانٍ كان يمنحنا الانتماء”. وعلى رغم أنّ المنزل هُدم، إلّا أنّ المفتاح بالنسبة إلى رمّال يظلّ دليلًا على الأمل والإيمان بالعودة.

أجمل الأماكن

تصف مروة بيت الضيعة بأنّه كان أجمل الأماكن بالنسبة إليهم. بُني عقب تحرير الجنوب العام 2000، وكانوا يقضون فيه فصول الصيف، إلى أن جاءت جائحة كورونا فجعلتهم ينتقلون إلى السكن فيه بشكلٍ أساس لثلاث سنوات، قبل أن تفرض الأحداث رحيلهم القسريّ نحو بيروت.

لا تنفي مروة وجود تشابهٍ جوهريّ بين ما يعيشونه وتجربة الشعب الفلسطينيّ. فالفلسطينيّون أيضًا غادروا خلال النكبة على أمل العودة بعد أيّام قليلة، وتوضح: “نحن نتشابه معهم في فكرة الرحيل الموقّت، لكنَّ الفرق هو أنّنا تمكّنا ولو لفترة وجيزة من العودة ورؤية بيوتنا حتّى وهي مدمّرة. يمكن القول إنّنا نعيش نوعًا من نصف عودة على أمل أن نحقّق العودة الكبرى”.

أديب فرحات: ولّدت الحرب الأخيرة علاقةً جديدة مع مفاتيحنا. أصبحنا ننظر إليها كشيءٍ التصق بنا دون أن نخطّط لذلك.

مفتاح البوح

بينما يكتفي بعضهم في سماع قصص النزوح والتهجير كمجرّد أحداثٍ عابرة، اختار المصوّر والمؤرشف أديب فرحات أن يحوّلها إلى ذاكرةٍ حيّة، فأطلق قسم “مفاتيح بلا بيوت” ضمن مشروع “احكيلي يا جنوب” في “بيت بيروت” (السوديكو).

يشير فرحات إلى أنّ فكرة هذا المشروع ولدت من رحم سؤالٍ قلقٍ أرّق الجنوبيّين خلال حرب الـ66 يومًا 2024: “هل سنعود؟”. هو تساؤلٌ أيقظ في نفوس الجنوبيّين صدمةً موروثة عن الفلسطينيّين ممّن غادروا ديارهم على أمل العودة، فحال الاحتلال دونها.

يتابع فرحات لـ“مناطق نت”: “ولّدت الحرب الأخيرة علاقةً جديدة مع مفاتيحنا. أصبحنا ننظر إليها كشيءٍ التصق بنا دون أن نخطّط لذلك، بينما فُقدت البيوت أو غاب مصيرها. من هنا بدأتُ التواصل مع أصدقاء فقدوا منازلهم، لنبحث معًا في معنى أن يظلّ المفتاحُ في جيبك، بينما يسكن الغيابُ مكانك”.

يضمّ المعرض ثلاث قصص إنسانيّة مختلفة، يجمع بينها وجع الفقد وقيمة البيت العزيز. ويستذكر فرحات واقعةً حدثت عند افتتاح معرض “احكيلي” قبل أن يصبح اسمه “احكيلي يا جنوب” هذا العام، حين اقتربت منه سيّدة مسنّة من عيتا الشعب (بنت جبيل)، أخرجت هاتفها وبدأت تعرض صور منزلها المدمّر، وكأنّها كانت تبحث عن مساحةٍ للبوح.

ويختم فرحات بالقول: “تفاعل الناس أثبت أنّ الاستماع إلى تجارب الآخرين يشجّع على الشفاء. أن يرى الجنوبيُّ غيره يمتلك شجاعة الحكاية، يمنحه القدرة على التعبير. إنّنا بحاجةٍ ماسّة لهذا البوح. مررنا بحروبٍ واحتلالاتٍ طويلة، ولم نتحلَّ يومًا بالجرأة الكافية للتعامل مع صحّتنا النفسيّة، أو لنبني الرواية التي نستحقّ أن نرويها حول تجربة الاحتلال”.

مفتاحٌ لبيت في الذاكرة

قد لا تفتح هذه المفاتيح أبوابها اليوم، وربّما تكون أبواب البيوت التي صُنعت لها قد تهدّمت أو غابت خلف حدودٍ لا يستطيع أصحابها عبورها. لكنّها، في المقابل، ما زالت تفتح شيئًا آخر: ذاكرة الإنسان حول المكان، وحكاية الذين غادروه على أمل العودة. من الجاعونة إلى عديسة، يبدو المفتاح شاهدًا على غيابٍ طال أمده، وعلى بيوتٍ لم تغادر أصحابها على رغم رحيلهم عنها.

صورة تظهر مفاتيح معلّقة لمنازل مدمّرة في الجنوب في معرض “احكيلي يا جنوب” (تصوير أديب فرحات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى