“نزلوا السلة”.. ذاكرة بيروتية غادرت الشرفات

يرنّ هاتفي فأجيب. عامل التوصيل وصل، لكن لا كهرباء كي نشغّل المصعد، فيطلب إليّ أن أُنزل له السلّة. أستدعي تعويذتي السحريّة، أيّ السلّة، فتتأرجح بين طوابق المبنى العالي في أحد شوارع بيروت المكتظّة، وتشقّ طريقها بأمان حتّى تصل إلى يديه. كنت قد وضعت ثمن الغرض مسبقًا في قاعها، لتكتمل الرحلة وتعود محمّلةً بما طلبت.
يا له من ترفٍ عجيب في عالمنا. نطلب بضغطة زر، ونستلم عبر مصعدنا البدائيّ الخاص!
سلة الأمس… رفيقة العتّالين
يسترجع حسين عباني (70 عامًا)، من سكّان منطقة المصيطبة، ذكرياته مع سلّة الخيزران، فيقول لـ“مناطق نت”: “كانت هذه السلّة رفيقة الناس منذ زمن بعيد، قبل أن نعرف السيّارات ووسائل النقل الحديثة. اعتاد أجدادنا استخدامها في مواسم قطاف التين والفواكه لجمع المحاصيل ونقلها، ومنذ ذلك الحين، أصبحت قطعة أساسيّة لا غنى عنها في كلّ بيت”.
ويضيف: “حتّى يومنا هذا، لا تزال السلّة موجودة. يستخدمها الصيّادون، وسكّان الأحياء الشعبيّة، وسكّان الأبنية التي تخلو من المصاعد. تظلّ السلة هي الحلّ الأسهل. يقوم الناس بتدليتها من الشرفات بواسطة حبل، فتوضع الأغراض وتُسحب بسلاسة، توفيرًا لجهد الصعود والنزول على الأدراج، بخاصّة مع أزمة انقطاع الكهرباء في لبنان”.
ومن الماضي، يتذكّر حسين دور العتّالين قائلًا: “قبل انتشار السيّارات، كان العتّال هو من يتولّى إيصال الأغراض. كانوا يفرغون الخضار والفواكه من الأقفاص الخشبيّة ويضعونها في سلال كبيرة، يحملونها على ظهورهم ويوصلونها إلى المنازل مقابل أجر. في ذلك الوقت، لم تكن هناك وسيلة نقل سوى العتّال وسلّته، وكانت الوسيلة العملية الوحيدة لإيصال الحاجيّات إلى الناس”.
مع تراجع استخدام السلّة، يُطرح سؤال جوهريّ: هل الشرفات التي كانت مسرحًا لهذا التفاعل لا تزال موجودة أصلًا؟ أم إنّ القوانين المعماريّة أعدمتها؟
حين تُعدم الشرفات
لم تختفِ العادة وحسب، فالمشكلة الحقيقيّة تكمن في تحوّل المكان الذي كان يحتضن هذا التفاعل. في حديثٍ للباحثة في “استوديو أشغال عامّة” تالا علاء الدين مع “مناطق نت”، يبرز تحليلٌ بنيويّ يوضح أنّ أحد الأسباب الهيكليّة لتغيّر شكل الشرفات البيروتيّة يعود إلى منطق قانون البناء الحاليّ، وتحديدًا القانون رقم 646 الصادر عام 2004.
يوضح التحليل أنّ المادة 12 من مرسوم القانون التطبيقيّ تنصّ على استثناء الشرفات واللوجيّات المفتوحة من احتساب “عوامل الاستثمار”، وهي النسبة المحدّدة لمساحة البناء المسموح بها. وبموجب هذا القانون، أُتيحت للمطوّرين مرونة في تصميم المساحات غير المشمولة في كلفة الرخصة، وهو ما أدّى إلى نمط معماريّ يُقفل هذه الشرفات بالزجاج لاحقًا لتصبح جزءًا من المساحة الداخليّة للشقّة. بهذا، تحوّلت الشرفة من فضاء اجتماعيّ مفتوح يربط المسكن بالشارع، إلى حيّز داخليّ مغلق يضيف قيمة عقاريّة للمساحة الإجماليّة.
وفي هذا السياق، تشدّد علاء الدين على ضرورة التفرقة بين القيمة الاجتماعيّة للشرفة، التي تُعدّ فضاءً للتفاعل مع الناس والشارع والحيّ، وبين القيمة العقاريّة والمادّيّة التي يرتكز عليها منطق البناء الحاليّ.
هذا التغيير لم يقتصر على الشرفات، بل امتدّ إلى “إعادة تعريف” وظيفة الطابق الأرضيّ. فبينما كانت المباني القديمة توظّف هذا الطابق لمساحات سكنيّة وتجاريّة تفاعليّة، شجّعت نصوص قانون البناء الحاليّ المطوّرين على تخصيص الطوابق الأرضيّة لمواقف السيّارات، وبالتالي تحوّلها إلى واجهات صمّاء قلّصت من فرص التواصل العفويّ بين سكّان المبنى والمحيط الخارجيّ.
هكذا، وبحسب علاء الدين، أصبحت الأبنية الحديثة مصمّمة بتركيز أكبر على الكفاءة العقاريّة وتوفير المواقف، على حساب المساحات التي كانت تُشكّل يومًا ما حيّزًا للعيش اليوميّ والتفاعل الاجتماعيّ.

عمرانٌ يكرّس قطيعة اجتماعيّة
هذه القطيعة المعماريّة جعلت من نداء “نزّلوا السلّة” صدىً باهتًا في أبنية لم تُصمّم كي تكون اجتماعيّة، وهو ما يراه المتخصّصون انعكاسًا لتحوّلٍ بنيويّ أعمق.
من وجهة نظر معماريّة، يرى المهندس اسبرينو فيكتور مجدلاني، في حديث لـ“مناطق نت”، أنّ اختفاء “سلّة الشرفات” ليس مجرّد تغيّر في عادات التسوّق، بل هو انعكاس لتحوّل بنيويّ في العمارة: “لقد أدّى التغيير في أنظمة البناء، التي باتت تبيح تسكير الشرفات وضمّها كجزء مغلق من مساحة المنزل، إلى القضاء على الشرفة كعنصر اجتماعيّ عريق. لم تعد الشرفة تلك المساحة المفتوحة التي تطلّ على الشارع وتسمح بالتواصل العفويّ مع الجيران والباعة، بل تحوّلت إلى حيّز داخليّ منعزل”.
ويضيف مجدلاني أنّ “العمارة الحديثة والأبنية الشاهقة كرّست نوعًا من القطيعة البصريّة والاجتماعيّة مع المحيط، إذ انتقل التفاعل من الشارع العام، الذي كان يجمع مختلف الطبقات، إلى ‘المطاعم الباهظة‘ الملحقة بهذه الأبنية، والتي أصبحت نقاط تلاقٍ انتقائيّة. هذا النمط المعماريّ لم يعد يُصمّم مساحات تشجّع على الألفة، بل بات يعزّز الانعزاليّة، ما خلق شرخًا عمرانيًّا واجتماعيًّا واضحًا بين سكّان المدينة الواحدة”.
هنا ندرك أنّ فقدان مثل هذه العادات ليس مجرّد خسارة مكانيّة، بل هو خسارة لنظام اجتماعيّ كامل قائم على الثقة والقرب.
طلب إلكترونيّ بارد
تؤكّد الأكّاديميّة جنّات الخوري، أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانيّة، أنّ “السلّة لم تكن مجرّد أداة لنقل السلع، بل كانت ركيزة أساسيّة لمنظومة اجتماعيّة قائمة على الثقة والقرب”. وتوضح الخوري لـ“مناطق نت” أنّ “أحياء بيروت كانت تُبنى على علاقات يوميّة متكرّرة، فعمليّة شراء الخبز أو الخضار عبر السلّة لم تكن معاملة تجاريّة بحتة، بل مناسبة اجتماعيّة لتبادل التحايا والاطمئنان على الأحوال، ما عزّز ما نسمّيه رأس المال الاجتماعيّ الذي تحدّث عنه عالم الاجتماع والمفكّر الفرنسيّ بيير بورديو”.
وتشير الخوري إلى أنّ “تراجع هذه العادة يعكس تحوّلًا ثقافيًّا أعمق”، موضحةً “لقد انتقلنا من فضاء العلاقات الإنسانيّة المباشرة إلى فضاء الخدمات الرقميّة. وهذا ما يصفه عالم الاجتماع البولّنديّ زيغمونت بّاومان بالحداثة السائلة، حيث أصبحت العلاقات الاجتماعيّة في مجتمعاتنا أكثر هشاشة وأقلّ استقرارًا وقابليّة للانقطاع، مقارنة بصلابة العلاقات التي سادت في الماضي”.
وتلفت الخوري إلى الفجوة التي خلّفتها تطبيقات التوصيل، قائلةً: “لقد أعادت هذه التطبيقات تعريف العلاقة بين المستهلك ومقدّم الخدمة على أساس السرعة والكفاءة فقط، بعيدًا من المعرفة المباشرة. باتت العلاقات تُقاس بالنجوم والتقييمات الإلكترونيّة لا بالثقة الشخصيّة، ما أدّى إلى تراجع قيم التضامن أمام منطق السوق، وتعزّزت الفردانيّة، فأصبح الشخص مستهلكًا مستقلًّا وليس عضوًا في شبكة مترابطة”.
وعن ظاهرة “البرودة الرقميّة”، توضح أنّها أحد أسباب تراجع التفاعل الإنسانيّ “فاللقاءات العابرة والابتسامات اليوميّة التي كانت تمنح المدينة روحها، باتت اليوم مختصرة في طلب إلكترونيّ بارد”.
وتختم الخوري بالتأكيد أنّ “هذا التحوّل لا يعني بالضرورة إدانة التكنولوجيا، بل يضعنا أمام تحدٍّ وجودي: التكنولوجيا وفّرت الراحة والوقت، لكنّ التحدّي يكمن في كيفيّة الحفاظ على البعد الإنسانيّ داخل مجتمع يتّجه إلى الرقمنة. فالمدن ليست مجرّد كتل إسمنتيّة وأبراج شاهقة، بل هي علاقات إنسانيّة تنسج خيوط الانتماء. إذا فقدنا هذه الروح في صراعنا مع التكنولوجيا، سنفقد معها جوهر مدينتنا”.
في موازاة هذا التحوّل في بنية المدينة وعلاقاتها الإنسانيّة، تتبدّى هوّة واضحة بين جيلٍ يرى في السلّة موروثًا منسيًّا، وآخر لا يزال يجد فيها أداةً عمليّة لا غنى عنه.
السلّة لم تكن مجرّد أداة لنقل السلع، بل كانت ركيزة أساسيّة لمنظومة اجتماعيّة قائمة على الثقة والقرب.
السلّة لم تكن مجرّد أداة لنقل السلع، بل كانت ركيزة أساسيّة لمنظومة اجتماعيّة قائمة على الثقة والقرب.
من السلّة إلى “واتساب”
تتعدّد آراء الجيل الشاب حول سلّة الشرفات، فبينما ترى الشابّة ماريّا فنيش (22 عامًا) أنّ “خدمات التوصيل والتطبيقات جعلت من السلّة أداةً من ‘زمنٍ غابر‘ لا مكان لها في حياتنا اليوميّة”، تشير لـ“مناطق نت” إلى أنّ جدّتها (80 عامًا) لا تزال متمسّكة بها كجزء من روتينها. أمّا الشابّة منال فيّاض، فتنظر إلى السلّة نظرة إعجابٍ سينمائيّة، وتقول لـ“مناطق نت”: “أراها في الأفلام المصريّة الكلاسيكيّة رمزًا لإلفةٍ مفقودة، لكنّني لا أستخدمها. أنا أفضّل التسوّق بنفسي لأتحكّم في تفاصيل مشترياتي، بينما أكتفي بالتطبيقات لطلب الطعام”.
على الضفّة الأخرى، يرفض علي بدران، صاحب دكّان السمانة في منطقة برج أبي حيدر، فكرة اندثار سلّة الخيزران، مؤكدًا لـ“مناطق نت” أنّها لا تزال حاضرة بقوّة في يوميّات زبائنه، “فهم يعتمدون عليها اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، لا سيّما في ظلّ أزمة الكهرباء التي تعيشها البلاد، إذ لا يضمن وجود المولّدات دائمًا تشغيل المصاعد في الأبنية”. ولا يقتصر استخدام السلّة على الدكاكين التقليديّة، بل طوّعتها ابنة بدران لتصبح وسيلة خدمة في متجرها لمستحضرات التجميل. يرسل لها الزبائن طلباتهم عبر تطبيق “واتساب”، ليقوموا بعدها بإنزال السلّة بحبل من شرفاتهم أمام المحلّ، حيث تتولّى هي وضع الأغراض المطلوبة داخلها، لتُسحب بكلّ يسرٍ إلى الأعلى.
من صيد البحر للأناقة العالميّة
تعرّفت جين بيركين، الممثّلة والمغنّية البريطانيّة الفرنسيّة، إلى سلّة القشّ خلال رحلة إلى البرتغال، حيث كانت في الأصل أداة يستخدمها الصيّادون، قبل أن تجعل منها جزءًا من أسلوبها اليوميّ. وعلى رغم ارتباط اسمها بإحدى أشهر الحقائب الفاخرة في العالم، واصلت حمل هذه السلّة لأكثر من عقد خلال سبعينيّات القرن الماضي، لتتحوّل مع الوقت إلى رمز للأناقة الفرنسيّة العفويّة، وتُلهم عديدًا من المصمّمين.
لا تعرف خيوط القشّ حدودًا. فقد حملت يومًا صيد البحر، وتين الكروم وعنبها، ثمّ حاجات البيوت من الشرفات، قبل أن تصبح رمزًا للأناقة. وبين هذه الرحلات، بقيت السلّة تحفظ قصص من حملوها والأماكن التي عبرتها.
“أنزلوا السلّة والستار، انتهت المقالة”.



