جاري شارل ديغول نقطة تماس بين بيروت وباريس

مشيتُ في شوارع مار الياس ببيروت وكأنّني أتتبّع خيطًا خفيًّا يقودني نحو طبقات المدينة المنسيّة. تركتُ الشارع الرئيس خلفي، ودخلتُ الأزقّة الخلفيّة حيث تتكثّف الذاكرة في الحجارة، وتتكلّم الشرفات الحديديّة بلغةٍ سابقة على الضجيج. هنا، الأبنية التراثيّة تقف بصمتٍ مهيب، يتجاوز عمر بعضها 100 عام، تحمل في تفاصيلها ملامح بيروت التي صاغتها تحوّلات التاريخ.

في كلّ خطوة، كنتُ أقرأ الواجهات كما تُقرأ الكتب القديمة؛ تشقّقات الجدران تبدو كهوامش، والنوافذ المغلقة كجملٍ مبتورة تنتظر من يكملها. الدراسات العمرانيّة تشير إلى أنّ هذه الأبنية تشكّل سجلًّا حيًّا للتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في المدينة، إذ يرتبط شكل العمارة بأنماط العيش والاقتصاد عبر الزمن .

البحث الغريزيّ

حين ينتقل المرء إلى سكنٍ جديد، ينساب في داخله سلوكٌ خفيّ يشبه يقظة القطط، حركةٌ دقيقة تستكشف الزوايا، تتلمّس الحواف، تلتقط همس الأصوات وتفاصيلها، وتدع الحواس تتقدّم، كأنّ الأنف والعين والأذن تتواطأ على رسم خريطةٍ أولى للأمان. الخطوات تصبح أبطأ، والنظر أكثر حذرًا، والهواء نفسه يُقرأ كما تُقرأ جملة غامضة.

العقل يكسو هذه الحركة بعباءة الفضول، يتحدّث عن رغبةٍ في معرفة المحالّ والوجوه والمباني، عن شغفٍ باكتشاف المكان الجديد، غير أنّ ما يتحرّك في العمق أقدم من ذلك بكثير؛ طبقةٌ سحيقة تستجيب بنداءٍ غريزيّ، تفتّش عن إشارات الطمأنينة، عن انسجامٍ خفيّ بين الجسد والمحيط.

هكذا يتحوّل الانتقال إلى طقسٍ غير معلن، اختبارٍ صامتٍ يعقده الكائن مع فضائه الجديد، حيث يزرع خطواته الأولى كأنّها جذور، ويصغي إلى الأرض كي تمنحه، رويدًا، إحساس الانتماء.

المبنى الأصفر: لحظة اكتشاف

توقّفتُ فجأة أمام مبنى أصفر. لم يكن لونه وحده ما جذبني، بل ذلك الشعور بأنّه يقف خارج الزمن. مهمل، مغلق، متروك كجسدٍ فقد صوته. اقتربتُ أكثر، قرأتُ يافطة باهتة تعلو المدخل، كلماتها شبه مطموسة، كأنّ أحدًا كتبها ثمّ تركها تواجه النسيان.

تأمّلتُ الواجهة طويلًا. الأوساخ تتراكم عند المدخل، والنوافذ مغلقة بإحكام، والدرج الحجريّ يحتفظ بطبقات من الغبار. شعرتُ أنّ هذا المبنى يخفي حكاية أكبر من مظهره.

حين صرتُ قبالة المبنى، رأيتُ قطعة رخاميّة بيضاء، تحمل الإجابة إلى كلّ من يسأل. إنّه منزل شارل ديغول! في لحظة عادت بي الذاكرة القريبة نحو رحلتي إلى الكونغو، حيث توقّفتُ وقتذاك أمام مبنى كبير، له سور واسع، قطن فيه القائد الفرنسي ديغول لسنوات. لكن شتّان ما بين الاهتمام بذلك البيت، وبين ما رأيته في هذه الناحية من بيروت.

وقفتُ مجدّدًا أمام المبنى، نظرتُ إليه بعين مختلفة. ومع ذلك، ظلّ المشهد قاسيًا: الأوساخ، الإهمال، غياب أيّ علامة حياة.

تقصّ لمعرفة التفاصيل

بدأتُ أسأل. في الدكاكين القريبة، بين أصحاب المحال وسكّان الحي، كانت الإجابات تتجمّع ببطء، كقطع فسيفساء. رجل أشار بيده نحو المبنى وقال إنّه يعود اليوم إلى أحد أبناء آل الحصّ. آخر اقترب أكثر وقال: “هذا البيت سكنه مدّة ثلاث سنوات الجنرال الفرنسيّ شارل ديغول”، ثمّ أردف “واضح أن الإهمال كبير، وهناك بعض الأوساخ في الأرجاء، ولو افترضنا أنّ دولتنا لا تحسن تقدير مكان كهذا، فمن الضروريّ أن تقوم السفارة الفرنسيّة بهذه المهمّة”.

نقطة تماس

قرأتُ لاحقًا عن وجود ديغول في لبنان خلال فترة الانتداب الفرنسيّ، حيث خدم في الشرق الأوسط، وهي تجربة ساهمت في تشكيل رؤيته الاستراتيجيّة لاحقًا. فجأة، لم يعد المبنى مجرّد بيت مهمل؛ صار نقطة تماس بين بيروت وباريس، بين حيّ شعبيّ وتاريخ عالميّ.

دفعتني الحكاية إلى البحث أكثر. تتبّعتُ التفاصيل حتّى وصلتُ إلى بيان صادر عن وزارة الثقافة اللبنانيّة، يتحدّث عن اختفاء لوحة تذكاريّة كانت مثبتة على واجهة المبنى.

البيان يوضح أنّ المديرية العامّة للآثار تواصلت مع محافظة بيروت، وأنّ فريقًا أجرى كشفًا ميدانيًّا واستعاد اللوحة بعد التحقيقات، مع تأكيد الحرص على حماية الأبنية التراثيّة وفق القوانين. غير أنّ هذا البيان يعود إلى فترة الوزير السابق ريـمـون عريجي، ما جعلني أشعر بأنّ الزمن الإداريّ يسير في اتّجاه، فيما الزمن الفعليّ للمبنى يسير في اتّجاه آخر، أكثر قسوة.

تاريخ عظيم وإهمال يوميّ

بعد أيام عدّة، وقفتُ مجدّدًا أمام المبنى. نظرتُ إليه بعين مختلفة. كلّ حجر فيه صار يحمل وزن الحكاية التي اكتشفتها. ومع ذلك، ظلّ المشهد قاسيًا: الأوساخ، الإهمال، غياب أيّ علامة حياة.

الدراسات في مجال التراث العمرانيّ تشير إلى أنّ الإهمال يشكّل أحد أبرز التهديدات التي تواجه الأبنية التاريخيّة، إذ يؤدّي غياب الصيانة إلى فقدان تدريجيّ للهويّة. في بيروت، تتضاعف هذه الظاهرة بفعل الضغوط العقاريّة وتسارع التغيير العمرانيّ . شعرتُ أنّ هذا البيت يلخّص كلّ ذلك: ذاكرة كبيرة تُترك لتتآكل ببطء.

الحيّ كمرآة للتحوّل

تابعتُ المشي في الحيّ. نظرتُ إلى الأبنية من حولي، إلى التداخل بين القديم والجديد، بين ما صمد وما اختفى. مار الياس بدا لي كخريطة حيّة لتحوّلات بيروت؛ كلّ زاوية تحكي عن زمن مختلف، كلّ مبنى يحمل أثر مرحلة.

في هذا السياق، بدا بيت ديغول كعلامة مضيئة وسط هذا التداخل، علامة تشير إلى طبقة عميقة من التاريخ، تحتاج إلى من يعيد قراءتها. عدتُ إلى النقطة التي بدأتُ منها، وأنا أحمل شعورًا مختلفًا. لم أعد أرى المبنى الأصفر كهيكل مهمل فقط، بل كقصّة مفتوحة.

اكتشفتُ أنّ المدينة تخبّئ تاريخها في أماكن غير متوقّعة، وأنّ السير البطيء في شوارعها يكشف طبقات من معان لا تظهر في الواجهة. اكتشفتُ أيضًا أنّ العلاقة بين الذاكرة والإهمال علاقة يوميّة، تتكرّر في كلّ زاوية تقريبًا.
وقفتُ للحظة أخيرة أمام البيت. فكّرتُ في الجنرال الذي عاش هنا، في السنوات التي مرّت، في التحوّلات التي اجتاحت المكان. ثمّ نظرتُ إلى الجدران المتعبة، وشعرتُ أنّ الحكاية لم تنتهِ بعد. ربّما تبدأ من هنا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى