سنديانة بيت ليف ومقامها.. ذاكرة تقاوم الركام

تعرّضت بيت ليف، منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في الـ 16 من نيسان (أبريل) الماضي وحتّى اليوم، لأعمال هدم وتجريف طالت البيوت والكروم وأماكن العبادة. وبلغ عدد الوحدات السكنيّة المهدّمة نحو ألف وحدة سكنيّة، وثلاثة جوامع، و”مقام الشهيد”.

وكان لهدم مقام الشهيد وسنديانته المعمّرة الأثر البالغ في نفوس أبناء البلدة، إذ يُعدّ المقام ومحيطه من الأماكن المقدّسة، ككلّ قرية في الجنوب، تُبنى فيها المقدّسات بقدر ما يُبنى فيها الحجر.

شهيد لا يعرفه أحد

يعتقد أهالي القرية، منذ زمن بعيد، بحسب الروايات الشفهيّة المتناقلة “أنّ الضريح يعود إلى أحد وجهاء جبل عامل ممّن قتلهم الجزّار في أثناء تنكيله بشيعة الجبل. ويُحتمل كذلك أن تكون قد وقعت مذبحة هناك بحقّ السكّان، إذ عُثر على كثير من المقابر الجماعيّة حوله. وتقول روايات أخرى إنّه يعود لأحد أصحاب نبيّ الله يوشع بن نون”.

وإلى جانب الضريح، شجرة سنديان يُقدَّر عمرها بمئات السنين. كيفما أدرنا وجوهنا في القرية، تظهر لنا بفروعها الممتدّة، وترمي بظلالها فوق محيطها، وكأنّها تغطّيه وتحميه.

بُنِي المقام حول الضريح والشجرة، وكان النواة الأولى للبلدة. تجمّعت حوله البيوت الطينيّة والحجريّة، ومعاصر الزيتون اليدويّة، التي كانت لا تزال قائمة حتّى جاءت آلة الدمار الإسرائيلية وهدّمتها.

الجامع والمقام وطفولة عالقة

في طفولتنا، لنا جميعًا صورٌ إلى جانب السنديانة، وكانت المسافة بين الجامع والمقام مسرحًا لألعابنا. نختبئ خلف حيطان البيوت الملتصقة بعضها ببعض، ونركض بلا هوادة حتّى يعلو صوت المؤذّن معلنًا نهاية النهار.

ولأنّ بلدتنا صغيرة، وحاراتها ضيّقة، كنّا نلعب في أزقّتها جميعها، ونترك فيها لحظاتنا الخاصّة. واليوم، كلّما وصلت آلة الدمار إلى حيّ، نبكي على كّل ما أُجبرنا على تركه فيها.

أمّا “حارة الشهيد”، فكان لها الوقع الأكبر في ذاكرتي الأولى، إذ عشت فيها أوّل خمس سنوات من عمري. لكنّها كانت الجزء الأكثر زخمًا في البدايات، إذ إنّ شعور المرّة الأولى لا يتكرّر: الخطوة الأولى، والكلمة الأولى، والسنّة الأولى.

وكان مقام الشهيد يمثّل البدايات أيضًا. فيه أقمنا أوّل صلاة، واعتلينا أوّل منبر، وقرأنا القرآن وغنّينا. وقبل أن نعرف اليوغا والتأمّل، وما يُسمّى اليوم بالـmanifesting  والـgrounding ، كنّا نمشي حفاةً في المقام فوق ورق السنديان. نتأمّل الأغصان وهي تتمايل، ونضع أيدينا على جذع الشجرة محاولين التواصل معها. كنّا نحبّ الوضوء من حنفيّة المقام، ونعدّ ماءها مباركًا. نضيء شمعة، ونتلو أمنياتنا البسيطة، ثمّ كبرنا وكبرت أمنياتنا معنا وبقي المقام كما هو.

بعد أن مزّق جارنا طابتنا، ذهبنا كي نسرق الحامض من حديقته، وقمنا بحفّ الحامضة على جدران المقام الخشنة. وهكذا كانت أوّل فكرة ابتكرناها خارج الصندوق.

الجامع ومدخل الحيّ

أمّا الجامع، الذي كان يقع عند مدخل الحيّ، وكنّا نسمّيه “باب الدار”، لأنّ الحيّ كان دارًا واحدة لعدّة بيوت، فلم يكن يبعد عن المقام سوى أمتار قليلة، وهو أقدم جامع في البلدة. كنا ندخله قبل وقت الصلاة، ونغسل آثار ذنوبنا الصغيرة عن أيدينا وثيابنا قبل العودة إلى المنزل. وكنّا نراقب دخول المؤذّن إليه، لنهرع إلى البيت، إذ كان النظام أن نكون هناك قبل أن يصدح صوته معلنًا أذان المغرب.

نذور وذكريات

بعد حرب تمّوز (يوليو) 2006، انتقلنا من دفء الحيّ الذي يحتضن بعضه بعضًا إلى أطراف البلدة. وبقي الطريق إلى حارة الشهيد محمّلًا بالنذور والذكريات، وبشوقنا إلى يوم قديم. ومن حين إلى آخر، نزور الحارة، ونمشي بمحاذاة زمن آخر كنّا فيه سعداء، ونرى أطيافنا الصغيرة تلهو وتلعب بسكينة وأمان.

أريد الحديث عن مشهد واحد: بعد أن مزّق جارنا طابتنا، ذهبنا كي نسرق الحامض من حديقته. أردنا سكّينًا لتقشيره، لكن ولأنّنا كنّا صغارًا، ولم يكن مسموحًا لنا بحمل السكّين، قمنا بحفّ الحامضة على جدران المقام الخشنة. وهكذا كانت أوّل فكرة ابتكرناها خارج الصندوق.

هناك فتحنا أوّل سوق صغيرة، وعشنا أوّل كسرة خاطر بتمزيق الجار لطابتنا. هناك قطفنا الورود يوميًّا، ولاحقنا النحل والفراشات. هناك صنعنا أوّل صحن تبّولة، وعلّقنا أوّل أرجوحة، ووقعنا عن الدراجة لأوّل مرّة، واختبرنا رائحة الياسمين والغاردينيا، وسبحنا جميعًا في بركة صغيرة.

من النذور لاستراحة المحارب

للشهيد المجهول كرامات كثيرة في روايات أهل البلدة. يقولون إنّ نذره لا يخيب، وإنّ الاحتلام به إشارة إلى أمر سيقع حتمًا.

تخبرني صديقتي زينب أنّها، في طفولتها، حلمت به يتربّع فوق السنديانة. اقتربت منه، فحملها على كفٍّ كبيرة ورفعها نحوه. سألته: ما اسمك؟ فأجابها: لا أحدَ يعرف اسمي، سوى الله وأمّي.

هكذا شكّل مقام الشهيد تجسيدًا فلسفيًّا لإيمان لا يقوم على الحضور بقدر ما يترسّخ على فكرة الغياب، ومساحةً من المجهول تتّسع للجميع.

كذلك كان ملاذًا في اشتداد المصائب، إذ احتمى الناس بداخله إبّان الاجتياح الإسرائيليّ للبلدة العام 1978 وتعرّضها للقصف العشوائيّ، وأيضًا في حرب تمّوز 2006.

فرشة وحقيبة

كثيرًا ما كنّا، بعد كلّ معركة، نجد في المقام آثار مقاوم مرّ كي يستريح: فرشةً وحقيبةً كانتا تكفيان لتدلّانا على محارب مجهول اختار هذا المكان ليستردّ أنفاسه من الحرب. كأنّه يحتمي بالمجهول الآخر؛ يتعارفان منذ الأزل، ويرتمي كلٌّ منهما على الآخر، يشكوان الغربة والطغيان، ويتبادلان الإيمان عبر الأزمان، ويبشّر أحدهما الآخر بالخلود.

ومن الروايات المتداولة بين الأهالي أنّ عمليّة إسقاط مروحيّة “سيعور” في حرب تمّوز، مقابل وادي مريمين – ياطر، انطلقت من تحت ظلال سنديانة المقام المباركة، وأصابت هدفها.

سنديانتنا أكبر من كيانهم

تُظهر أحدث الصور للبلدة دمار المقام، وبقاء جذع الشجرة واقفًا، كأنّه يتحدّى الآلة ووحشيّة الإنسان الذي يحرّكها. ففي التاريخ أشياء لا يستطيع أحدٌ إنكارها؛ وعمر هذه الشجرة، المتأصّلة فينا وفي أرواح أجداد أجدادنا، أكبر بكثير من عمر هذا الكيان القائم إلى جانبها.

وبحسب الروايات التي تقول إنّ الشهيد كان هاربًا من ظلمٍ ما، كأنّ الظلم كُتب له أن يلاحقنا عبر الأزمنة، ثمنًا لمواقفنا وإصرارنا على ما نراه صوابًا وحقًّا. اليوم، يعرف الجميع الشهيد ويخلّدونه، لكن من يخلّد الطغاة؟

المصادر: رسالة ماستر في التاريخ بعنوان “بيت ليف، دراسة اجتماعية اقتصادية 1943-2000” للأستاذ حيدر حميّد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى