الزعفران في عيتا الشعب يسبق العودة ويعاند الدمار

بعد عامين من النزوح القسريّ بفعل الحرب والدمار، لم تكن الزيارة الدوريّة التي تقوم بها عائلة طحيني لتفقّد منزلها المدمّر في عيتا الشعب عاديّة هذه المرّة. شيء ما تبدّل في المشهد وكسر صورة الخراب الذي حلّ في المنزل والحديقة وأحالهما إلى ركام. إنّه الزعفران الذي كان يُزرع في “الحاكورة” وأصابته الحرب، وتُرك بلا ريّ أو عناية، عاد ونبت من جديد، متحدّيًا الموت والحرب، معانقًا إرادة الحياة التي لا بدّ من أن تتغلّب على الدمار. عادت زهور “الذهب الأحمر” لتفترش الحقل، وتشهد على ذاكرة لم تُمحَ ولن تغيب.
أحيت العودة حكاية زراعة الزعفران في عيتا، والتي وُلدت مع ابن البلدة المهندس محمّد طحيني قبل سنوات، في إطار سعيه إلى إيجاد بدائل عن زراعة التبغ التي ينخرط بها معظم أبناء بلدته عيتا الشعب، وتكون أقلّ كلفة وأكثر مردودًا.
يستعيد طحيني تجربته مع زراعة الزعفران في بلدته عيتا، فيقول إنّ الفكرة راودته بعد أن اطّلع وتابع تجارب مشابهة في منطقتيّ البقاع والجنوب قبل الحرب.
ويشير طحيني إلى أنّ الانطلاقة الفعليّة في الزراعة بدأت عندما حصل على بصيلات الزعفران من أحد المزارعين في بلدة عربصاليم، قضاء النبطيّة، وقام بتوزيع جزء منها على أبناء بلدته عيتا الشعب، بهدف تشجيع المزارعين على خوض التجربة، ليقوم هو في العام التالي بتوسيع تجربته من خلال زراعة نحو 1500 بصلة في أرضه، وقد أثمرت الخطوة نجاحًا واضحًا بعد تفتّح الزعفران ونموّه بشكل طبيعيّ.

الزعفران يعاند الحرب والموت
يتابع طحيني لـ “مناطق نت”: “حصلت لاحقًا على دعم من أحد المشاريع الزراعيّة، ما مكّنني من تطوير تجربتي عبر زراعة 25000 بصلة إضافيّة قبل اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) العام 2023، إلّا أنّ ظروف الحرب والتهجير القسريّ لأهالي البلدة جميعًا، حالت دون متابعة المشروع بشكل منتظم”.
المفاجأة كانت، أنّه على الرغم من النزوح والدمار الذي أصاب المنزل والحديقة، وعدم العناية بالنباتات، إذ تُركت بلا ماء ولا رعاية، يقول طحيني: “عدت خلال فترة الهدنة إلى عيتا الشعب، لأفاجأ بإزهار الزعفران ونجاته من الظروف القاسية، فقمت بقطاف الإنتاج المتوافر آنذاك”.
ويؤكّد طحيني أنّ “هذه التجربة أثبتت لي قدرة الزعفران على الصمود في الظروف الصعبة”، وأشار إلى أنّ “هذه الزراعة تحديدًا لا تحتاج إلى جهد كبير طوال السنة، أو كمّيّات وافرة من المياه، كما أنّ بصيلة الزعفران الواحدة يمكن أن تعيش وتنتج لمدّة تصل إلى ثماني سنوات”.
يضيف طحيني: “لاقت التجربة حماسة لدى عدد من المزارعين في عيتا الشعب، وكانت قد بدأت تتّجه نحو التوسّع قبل أن تعرقلها الحرب والتهجير”.
أبعد من تجارة
“هدفي من التجربة لم يكن تجاريًّا على رغم العائد الجيّد لهذه الزراعة بقدر ما هو إثبات وجود بدائل زراعيّة مريحة ومنتجة للمزارعين، وأكثر تحرّرًا من الزراعات الاحتكاريّة”. هذا ما قاله المهندس طحيني وشدّد على أنّ “هذا المشروع يحتاج إلى الصبر أوّلًا، وإلى دعم رسميّ عبر توفير البصيلات وفتح أسواق لتصريف الإنتاج، سواء كزعفران خام أو بعد تصنيعه، بما يضمن استدامة هذه الزراعة في الجنوب”.
بالنسبة لطحيني، لم يكن مشهد الزعفران ينمو في حقله مجرّد تفصيل، بل رآه تأكيدًا لخيارٍ اتّخذه قبل سنوات، حين قرّر خوض تجربة زراعة بديلة عن التبغ الذي بات، كما يقول: “مرًّا ومتعبًا وبلا مردود”.
الزعفران مسار وإنتاج
يوضح طحيني أنّ “زراعة الزعفران تحتاج نحو خمس سنوات لتبلغ ذروة إنتاجها، وهي من أكثر الزراعات مردودًا في العالم، إذ يصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى ما يقارب العشرة آلاف دولار، ما يجعلها بديلًا وخيارًا مغريًا للمزارعين الباحثين عن زراعات بديلة حقيقيّة ومربحة” .
ويشرح طحيني أنّ “كلفة زراعة الزعفران تُدفع مرّة واحدة، فيما تتكاثر بصيلات الزعفران سنويًّا بمعدّل مرّتين إلى ثلاث مرّات”. وأشار إلى أنّ “موسم القطاف يبدأ عادة في شهر كانون الأوّل (ديسّمبر) بعد زراعة البصيلات في أيلول”.
يقدّر طحيني عدد المزارعين الذين خاضوا التجربة في بلدة عيتا الشعب، بنحو ستّة مزارعين، وذلك قبل اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، إذ كان معظمهم يزرعونه بمساحات محدودة نظرًا إلى ارتفاع كلفة الدونم الواحد والتي تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار أميركيّ”.
الزعفران تجربة لم تكتمل
عن المساحات وعدد البصيلات التي تُزرع فيها يشير طحيني إلى أنّ “الدونم الواحد يستوعب ما بين 10 آلاف و20 ألف بصيلة، تتكاثر مع مرور السنوات لتصل أحيانًا إلى نحو 100 ألف بصيلة في الدونم، فيما يبلغ سعر كلّ عشر بصيلات نحو دولار واحد”. عن المناطق التي انتشرت فيها تجارب لزراعة الزعفران قال طحيني إنّها “انتشرت في عدد من المناطق في الجنوب، منها: معركة (صور)، عربصاليم، الدوير(النبطية)، عيتا الشعب (بنت جبيل)، إضافة إلى بلدات أخرى في قضاء النبطية مثل حبّوش، وزبدين، وكفرتبنيت وزوطر الشرقيّة حيث بدأت تجارب محدودة لكنّها واعدة، وكلّ ذلك كان قبل الحرب”.
الحرب الأخيرة وما رافقها من تهجير ونزوح قسريّ أدّيا إلى توقّف زراعة الزعفران في عيتا الشعب، بعدما اضطرّ الأهالي إلى مغادرتها. وما نبت في الحقول هذا العام لم يكن سوى بقايا بصيلات زُرعت قبل الحرب، شاهدة على تجربة زراعيّة توقّفت قسرًا بانتظار عودة الحياة والناس إلى الأرض.
الحرب الأخيرة أدّت إلى توقّف زراعة الزعفران في عيتا الشعب، وما نبت في الحقول هذا العام لم يكن سوى بقايا بصيلات زُرعت قبل الحرب، شاهدة على تجربة زراعيّة توقّفت قسرًا
بين التبغ والزعفران
نجاح تجربة زراعة الزعفران وبشكل فرديّ لا يكفي وحده، فبحسب رئيسة الحركة الزراعيّة سارة سلّوم، “إنّ المقارنة بين التبغ والزعفران لا يمكن فصلها عن سؤال أوسع يتعلّق بالسياسات الزراعيّة في لبنان”.
تتابع لـ “مناطق نت”: “الزعفران، كما القمح والتبغ، يعتبر من الزراعات التي لا تحتاج إلى كمّيّات كبيرة من المياه، إلّا أنّ الأولويّة، من منظور السيادة على الغذاء، يجب أن تُمنح للقمح البلديّ بوصفه محصولًا استراتيجيًّا، فيما يبقى الزعفران ضمن الزراعات النقديّة الرديفة”.
تضيف سلّوم أنّ “الفوارق الجوهريّة بين التبغ والزعفران يتمثّل في البنية الاقتصاديّة نفسها، فالتبغ يخضع لاحتكار إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانيّة (الريجي) ما يجعل المزارع مقيّدًا محدود الاستقلاليّة، في حين يمنح الزعفران، إذا تمكّن المزارع من تسويق إنتاجه بنفسه، عقدًا اقتصاديًّا أكثر عدالة، يعود ريعه ونتاجه مباشرة إليه. وعلى رغم أنّ قطاف الزعفران، كالتبغ، يحتاج إلى جهد وعمَالة زراعيّة غالبًا ما تكون عائليّة، إلّا أنّ مردوده يبقى أعلى وأكثر استدامة على المدى المتوسّط”.
تحديّات زراعيّة
في المقابل حذّرت سلّوم من رهانٍ غير مكتمل على الزراعة، وفي هذا الإطار تقول: “في ظلّ غياب سوق محلّيّة لتصريف إنتاج الزعفران في لبنان، وعلى الرغم من فوائده الصحّيّة والغذائيّة العالية، فإنّ نجاح الزراعة، يبقى مرتبطًا بقدرة المزارع على النفاذ إلى الأسواق الخارجيّة، أو إدخال إنتاجه في صناعات غذائيّة وطبّيّة وتحويليّة محلّيّة”.
وفي ما يتعلّق بالبصيلات، تؤكّد سلّوم وجود أصناف برّيّة من الزعفران في لبنان، وتضاعف البصيلات طبيعيًّا يفتح الباب أمام زراعة مستدامة لا ترغم المزارع على استيراد بصل عقيم أو هجين كلّ عام، بما يعني أنّ تأمين البصيلات في البداية يجعل الزراعة مكتفية ذاتيًّا، وتتضاعف بصيلاتها طبيعيًّا، وهذا ما يخفّف الكلفة ويعزّز الاستقلال الزراعيّ”.
وتشدّد سلّوم على أنّ “للدولة دور أساسي لا يجب أن يقتصر على مبادرات رمزية، أو توزيع محدود وخجول للبصيلات، بل يفترض أن يمتد إلى سياسات دعم واضحة لتطوير الزراعات البديلة، وتصريف الإنتاج المحلي عوضًا عن الاستمرار في الاتكال على الاستيراد من الخارج وتهميش القطاع الزراعي، خصوصًا في ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها البلد”.

أمّا عن الناحية البيئيّة فتشير سلوم إلى أنّ “زراعة الزعفران تعتبر من الزراعات النظيفة بامتياز، فهي لا تحتاج إلى أسمدة أو مبيدات كيميائيّة، وتتأقلم تدريجًا مع المناخ المحلّيّ فهي تعالج نفسها بنفسها”.
تختم سلّوم: “تجارب زراعة الزعفران في الجنوب والبقاع أثبتت نجاحها مع تسجيل محاولات تصنيع واستخدامات متعدّدة للإنتاج، ما يجعل مردودها قابلًا للتوسّع ضمن سلاسل إنتاج غذائيّة وطبّيّة محلّيّة ويبقى أن تدخل ضمن سياسات الدعم من قبل الدولة”.
تجربة دمرتها الحرب
في لبنان جنوبًا وبقاعًا حيث يعيش كثير من المزارعين تاريخيًّا على زراعة التبغ، لا يُطرح الزعفران بوصفه حلًّا سحريًّا، بل كإمكانيّة أو ربّما كفرصة.
بعد الحرب الأخيرة نبت الزعفران في أرضٍ مدمّرة، محروقة ومجرّفة، واستمرّ على رغم غياب أصحابه عنيدًا يواجه الحرب، وكأنّه يختصر سؤالًا أكبر: “هل يمكن لزراعة صبورة، بطيئة، مقاومة ومستدامة، أن تكون جزءًا من تعافي الأرض والناس معًا؟”.
هل ستلتقط الدولة إشارات نجاح المبادرات الفرديّة المعزولة بقاعًا وجنوبًا، لتبني سياسات دعم حقيقيّ للزراعات البديلة، تدريبًا وتمويلًا وتسويقًا بحيث تمنح المزارعين استقلالًا اقتصاديًّا وتعيد رسم مستقبل الأراضي الزراعيّة في المناطق التي أنهكتها الحروب.



