النزوح عن الأمكنة والتحوّلات النفسيّة لعلاقة الإنسان ببيئته

في الأزمنة العاديّة، يبدو البيت تفصيلًا يوميًّا مألوفًا: جدران، نافذة، درج، مفتاح فوق الطاولة. غير أنّ علم النفس البيئيّ يبيّن أنّ المكان يتجاوز مادّيته ليغدو امتدادًا للذات. الباحث الكنديّ هارولد بروشانسكي صاغ مفهوم “هويّة المكان”، إذ اعتبر أنّ الإنسان يبني جزءًا من تعريفه لنفسه عبر علاقته بالحيّ والشارع والمنزل. حين يحدث نزوح قسريّ، لا ينتقل الجسد فقط، بل تتعرّض بنية الهويّة نفسها لاهتزاز عميق.

في لبنان اليوم، يحمل النزوح بعدًا مزدوجًا: انتقالًا مكانيًّا مفاجئًا، وتحوّلًا نفسيًّا متدرّجًا. من قرية حدوديّة إلى مدرسة مكتظّة في مدينة، أو من بيت قديم إلى منزل ريفيّ مستأجر، تتبدّل الإيقاعات اليوميّة، وتعيد الحواس استيعاب العالم من جديد.

الألفة والأمان

الألفة ليست مجرّد شعور؛ هي منظومة إدراكيّة وعصبيّة. دراسات جون بولبي حول نظريّة التعلّق أظهرت أنّ الإنسان يحتاج إلى “قاعدة آمنة” ينطلق منها إلى العالم. هذا المفهوم ارتبط في البداية بالعلاقة مع الأمّ، إلّا أنّ علم النفس اللاحق وسّعه ليشمل البيئة الفيزيائيّة. البيت يشكّل قاعدة أمان حسّيّة، مثل رائحة مألوفة، أصوات معروفة، ترتيب ثابت للأشياء.

عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو أوضح أنّ الدماغ يبني خرائط انفعاليّة مرتبطة بالأماكن، بحيث يتحوّل المكان المألوف إلى حقل استقرار عصبيّ. عند النزوح، يفقد الدماغ إشارات الاستقرار المتكرّرة، ما يولّد حالة يقظة مرتفعة، تقترب أحيانًا من فرط التحسّس.

أحمد عطوي وهو أحد النازحين من بلدة القنطرة (مرجعيون)، عبّر عن ذلك لـ “مناطق نت” بقوله: “في بيتي كنت أسمع صوت الريح من جهة واحدة، أعرفها. هنا في المدرسة كلّ صوت غريب. هناك أحفظ مسار الشمس وقوّة إشعاعها عبر الفصول، كذلك باستطاعتي ان أحدّد أماكن أشيائي الخاصّة من دون أن أبذل جهدًا في العثور عليها”. هذا الوصف البسيط يلخّص انتقال الدماغ من نمط الاعتياد إلى نمط التأهّب.

الاعتياد والبيروقراطيّة العصبيّة

في علم النفس المعرفيّ، يشير مفهوم “التعوّد” إلى قدرة الدماغ على تقليل استجابته للمثيرات المتكرّرة. هذه الآليّة توفّر طاقة ذهنيّة، وتمنح الإنسان شعورًا بالتحكّم. الفيلسوف الفرنسيّ هنري برغسون رأى أنّ العادة تشكّل بنية زمنيّة تحفظ الاستمراريّة الداخليّة.

حين ينتقل الإنسان قسرًا إلى بيئة جديدة، تتعطّل منظومة الاعتياد. كلّ تفصيل يصبح جديدًا: موقع الحمّام، توقيت الوجبات، لهجة الجيران. الدماغ يستهلك طاقة أكبر لمعالجة المعلومات، ويشعر الفرد بإرهاق إدراكيّ.

نازحون إلى الكورنيش البحري في بيروت (الصورة لنبيل اسماعيل)

رباب سلّوم إحدى النازحات من بعلبك والتي تسكن اليوم في بيت مستأجر في عاليه (جبل لبنان) قالت لـ “مناطق نت”: “أحتاج وقتًا حتّى أنظّم أغراضي، وأجد صعوبة في إيجاد بدائل. هنا السكّين الواحد يقطع اللحم والبطاطا ويفرم البقدونس، بينما في مطبخي كنت أخصّص سكينًا لكلّ مهمّة”. أمّا الروائيّة هبة قطيش، ابنة بلدة حولا (مرجعيون)، فقد ترجمت شعورها في نصّ أدبيّ قائلة: “يأبى النازح تقبّل فكرة الهجر، أن يهجر أماكنه المفضّلة، أريكته التي ملّت من جلوسه المتكرّر فوقها كي يدير عمليّات الزمن في دماغه الفذّ ذات عزلة فرضها على نفسه، ليستمتع بتفاصيل يومه”.

كيف أحمل منزلي بحقيبة؟

ساعة النزوح تأتي كدقائق الإعدام الأخيرة، عندما يقول لك جلّادك: “لديك أمنية واحدة ودقيقة متعبة تنتظرك لتحقيق ما تحبّ قبل لفظ أنفاسك”، كذلك الأمر لديك وقت محدود، لتعبئة الحقائب بمستلزمات الحياة الفارغة التي تنتظرك، فتجد نفسك قليل القوى متعثّرًا بألف غرض يعترض طريقك، وألف فكرة تنكّل في قواك الخائرة، فتصرخ بصوت مكتوم: كيف أحمل منزلي في حقيبة؟، لينته الأمر بالاستسلام إلى الفراغ المحدّق بك في مكان لم تألفه، وربّما لن تألفه، أنت سيّد تفاصيل يومك، تعرف تمامًا أين تضع حاجيّاتك، ينتظرك الفراغ القاتل والأماكن الفارغة من محتويات تجعلك سعيدًا على رغم تفاهتها، لكنّها ثمينة لها ألف ذكرى، ولك معها ألف حكاية.

سريرك الذي يحتويك بدفئه سيبقى باردًا منتظرًا حرارة جسدك، وأريكتك تزغرد حزنًا على فراقك، تتحسّس مكان جلوسك المعتاد، وترميك بتهمة الخيانة، هي لا تدرك أنّك رحلت مرغمًا. تودّع المنزل بنظرة قاتمة وفي قلبك ألف سؤال يرمي بندوبه الثكلى: “هل سأعود أم إنّها لحظة الوداع الأخيرة؟”. تحمل المفتاح وتنظر إليه يكويك العتاب: “هل سأعود أم هو فراق أبديّ؟”. وركوة القهوة التي آثرت البقاء من دون غليان تنتظرك صباحًا لكنّك لن تأتي! وكتابك إذ رميته جانبًا عند الصفحة المئة، بدأ يمحو الكلمات حزنًا على فراقك وثيابك معلّقة داخل خزانة ترتعد فرائصها عند كلّ غارة. ترتدي نفسها كي لا تهترئ”.

المكان حامل الذاكرة والهويّة

عالم الاجتماع الفرنسيّ بيار بورديو تحدّث عن “الهابيتوس” (نوع الطعام الذي نفضّله. إحساسنا بما يليق وما لا يليق. شعورنا بالألفة أو الغربة في مكان معيّن..) بوصفه منظومة من الميول المتجسّدة التي تتشكّل عبر التفاعل مع البيئة. البيت والحيّ ليسا فضاءين محايدين، بل ينتجان عادات، أساليب حركة، طرائق كلام. النزوح يضع هذا الهابيتوس في بيئة مختلفة، ما يخلق توتّرًا بين ما اعتاده الجسد وما تفرضه الظروف الجديدة.

أمّا الفيلسوف الألمانيّ مارتن هايدغر، فقد رأى في السكن نمطًا من “الوجود في العالم”. السكن ليس مجرّد إقامة، بل علاقة وجوديّة مع الأرض والسماء والجوار. حين يُنتزع الإنسان من هذا السياق، يشعر بفراغ يتجاوز الخسارة المادّيّة.

تودّع المنزل بنظرة قاتمة وفي قلبك ألف سؤال يرمي بندوبه الثكلى: “هل سأعود أم إنّها لحظة الوداع الأخيرة؟”

عن هذه الجزئيّة يخبرنا خليل عطوي: “بيتي فيه شجرة حامض زرعها أبي. حين خرجت شعرت أنّني أترك جزءًا من نفسي. هذا موسمها، لا كلام يفسر سعادتي وأنا أقطف ثمارها الصفراء”. العبارة تعبّر عن امتداد الهويّة عبر الأشياء.

السكن في مدرسة يفرض إعادة تعريف للمكان. الفضاء المصمَّم للتعلّم يتحوّل إلى فضاء معيشة. هذا التحوّل يخلق ازدواجيّة رمزيّة: السبّورة تصبح جدارًا للخصوصيّة، والممرّات تتحوّل إلى فضاء اجتماعيّ مكثّف. في علم النفس البيئيّ، تشير أبحاث إرفين ألتمن حول “الخصوصيّة” إلى أنّ الإنسان يحتاج حدودًا مرنة بين ذاته والآخرين. في مراكز الإيواء، تتقلّص هذه الحدود، ما يرفع مستوى التوتّر.

اختلافات بيئيّة وثقافيّة

الانتقال من بيئة ريفيّة إلى مدينة، أو من بيئة محافظة إلى منطقة أكثر تنوّعًا ثقافيًّا، يضيف طبقة جديدة من التكيّف. عالم الاجتماع أنتوني غيدنز تحدّث عن “الأمن الوجوديّ” بوصفه شعورًا بالاستمراريّة في الهويّة والروتين. اختلاف العادات الغذائيّة، أوقات الصلاة، أساليب اللباس، قد يخلق إحساسًا موقّتًا بالغرابة.

إحدى السيّدات من آل عواضة من بلدة الخيام (مرجعيون) قالت لـ “مناطق نت”: “في بلدتي أعرف الجميع، هنا أشعر أنّني ضيفة. المسألة ليست معرفتهم وحسب، بل كلّ شخص في بلدتي هو قريب لي، أحميه ويحميني، أساعده ويساعدني في أيّ ظرف اجتماعيّ”. هذا الشعور يعكس تحوّلًا في الشبكات الاجتماعيّة، حيث يفقد الفرد رأسماله الاجتماعيّ الذي بناه عبر سنوات طويلة.

الدين والطقوس جسرا استقرار؟

في البيئات ذات الخصوصيّة الدينيّة الواضحة، تلعب الطقوس دورًا تنظيميًّا. الطقس يعزّز التضامن ويعيد إنتاج المعنى الجماعيّ. في حالات النزوح، ربّما تتحوّل الصلاة الجماعيّة أو اللقاءات الدينيّة الصغيرة إلى آليّة ترميم نفسيّ.

تضيف عواضة: “حين اجتمعنا مساء أمس من أجل الصلاة في المدرسة شعرت أنّ المكان صار أقلّ غربة”. الطقس هنا يعمل كإعادة ترميز للفضاء.

علم النفس الإيجابيّ، كما طرحه مارتن سليغمان، يشير إلى قدرة الإنسان على “المرونة النفسيّة” في مواجهة الشدائد. هذه المرونة لا تعني غياب الألم، بل تعني القدرة على إعادة بناء معنى في ظروف جديدة.

التكيّف مع النزوح يمرّ بمراحل: صدمة أولى، حنين، ثمّ إعادة تنظيم. الدماغ يبني تدريجًا خرائط جديدة، ويستعيد جزءًا من شعوره في السيطرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى