بعلبك المنسية .. صمودٌ تحت النار وقصصٌ لا ترويها الشاشات

في القرى البقاعيّة، لا تُقاس الحياة بعدد الأيام التي تمرّ، بل بقدرة الناس على الاستمرار رغم كل ما يتداعى من حولهم. هنا، لا تشبه الحروب ما يُنقل عبر الشاشات، بل تُعاش بتفاصيلها الثقيلة، خوفٌ يسكن الليل، قلقٌ يرافق الصباح، ووجوهٌ أنهكها الانتظار دون أن تفقد قدرتها على التمسك بالأرض.

ورغم كل ذلك، ثمّة من اختار البقاء، لا عجزًا، بل قناعة، والبقاء ليس بسبب غياب الخيارات على قلتها، بل لأن الأرض بالنسبة إليهم ليست مكانًا، إنّها هوية لا تُستبدل.

واقع يضيق وحياة تُعاند

في بريتال، يلخّص رئيس بلديتها عباس زكي اسماعيل لـ “مناطق نت”، المشهد اليومي بكلمات تختزن واقعًا قاسيًا:

“الوضع اليومي في بريتال كغيرها من القرى اللبنانية التي تعيش آثار الحرب العدوانية على وطننا وأهلنا، حيث توقف عمل المؤسسات، وتهجّر قسم من الأهالي نتيجة التوتر وخطر الحرب، وتعطل عمل المزارعين، إضافة إلى صعوبات أساسية تتمثل في حاجة الناس إلى الأدوية والمواد الغذائيّة والاستشفاء والمحروقات للتدفئة”.

أما بالنسبة للخدمات الأساسية فيقول اسماعيل: “الخدمات تتأثر سلبًا مع استمرار الحرب، إذ تنضب الحاجيات الضرورية من مؤن وأدوية ومحروقات ومواد غذائيّة، في ظلّ إمكانيات شبه معدومة للبلديات منذ ما قبل الحرب، وهي لا تملك قدرة فعلية على مساعدة الناس، فيقتصر دورها على جمع ونقل النفايات وفتح الطرق التي تتعرض للقصف.”

يتابع اسماعيل: “أما الحالات المرضية، ولا سيما لدى الأطفال، فهي لا تحتمل التأخير، في حين يحاول بعض فاعلي الخير من الأهالي، عبر مبادرات فردية، مساعدة المحتاجين، إلا أن ذلك لا يغطي حجم الحاجة بالكامل.”

هذا الواقع، بثقله وتفاصيله، لا يقف عند حدود بريتال، بل يمتد إلى بعلبك وشعت، حيث تتكرر المعاناة بأشكال مختلفة، لكن بوجع واحد.

البقاء قرار لا يُساوَم عليه

رغم هذا الضيق، لا يزال كثيرون يرفضون مغادرة بيوتهم. ليس لأنهم لا يدركون الخطر، بل لأنهم يدركون معنى الفقد أكثر من غيرهم. عن ذلك أشار اسماعيل “من أهم أسباب صمود الناس أنهم أصحاب حق، ومعتدى عليهم من قوى الشر أمريكا وإسرائيل دون مبرر، وكما يقول المثل: صاحب الحق سلطان.”

فالإصرار والصمود في البقاع هو راية الناس وشعارهم، على قاعدة أن من مات دون أرضه وعرضه فهو شهيد.

من ناحيتها تنقل مريم مظلوم من بلدة بريتال هذا التمسك، من مستوى الفكرة إلى مستوى الشعور العميق قائلة لـ “مناطق نت”: “الذي يجعلنا صامدين حتى الآن أننا أصحاب الأرض، خلقنا وعشنا هنا ونموت هنا، ونحن نعيش على مبدأ أن من كتب الله له عمرًا لا تقتله شدة، فأنا لم أفكر بترك منزلي، مستحيل مهما حصل، فالأرض عزنا وكرامتنا، والأرواح ترخص من أجلها.”

لا تختلف الآراء في شعت عمّا هي في بريتال، تقول الإعلامية هلا الحج حسن بوضوح: “نحن صامدون ولن نغادر منازلنا أبدًا، ومن أسباب عدم نزوحي تمسكي بتقديم رسالتي المهنية، لأنها سلاح أيضًا في وجه العدو، فنحن نستمد قوتنا من مقاومتنا ومن بقائنا في بيوتنا”.

حين يتحول الوجع إلى ذاكرة لا تُمحى

لكن هذا الصمود ليس خاليًا من الألم. خلف كل بيت قصة، وخلف كل قصة وجع لا يمكن اختصاره. تعبّر عن ذلك مريم مظلوم بصوت يختنق بالفقد “شعرت أن قلبي انكسر بفقدان ابنتي التي استشهدت وهي حامل في شهرها التاسع، على مشارف الولادة، ولا أنسى ذلك اليوم الذي ذهب فيه جزء من قلبي وقطعة من روحي. وأكثر ما أوجعني هو القصف والدمار، ومعاناة الناس وصبرهم، واستهداف المسعفين، ونزوح الناس من بيوتهم، والأطفال الذين يُقصفون ويتحولون إلى أشلاء داخل منازلهم، كما أن المشهد الذي لا أنساه هو منظر الشهيدة سارة القاضي من بلدة البزالية، وخروج توأمها من أحشائها شهداء قبل أن يبصرا النور.” وتختم مظلوم بحسرة “نشعر أننا وحدنا، لأن معاناتنا كبيرة، والشكوى لغير الله مذلة.”

تختم مريم مظلوم، بما يشبه الدعاء “الحرب لم نحبها ولن نحبها، ولا يوجد إنسان يحب أن يرى بلده يُدمّر وأطفاله يُقتلون، لكنها فرضت علينا، ونحن متوكلون على الله، ونتمنى أن تتحرر أرضنا وتُعمر بيوتنا ويتعوض رزقنا، ويصبح كل شيء أفضل مما كان.”

أما هلا الحج حسن، فتنقل صورة الحرب كما عاشتها:” “لا أستطيع أن أنسى كل مرة أذهب فيها لتغطية غارة على منطقتنا، خاصة لحظات انتشال الشهداء والأشلاء، ورؤية دموع الفقد، فهذا المشهد يكسرنا، لكنه في الوقت نفسه يمنحنا الحافز والقوة لنستمر ونثابر.”

الأطفال مستقبل تحت القصف

على الجانب الآخر من هذا المشهد، يقف الأطفال كأكثر المتضررين من الحرب، يحملون الخوف بصمت، ويعيشون ما يفوق أعمارهم.

عن ذلك تقول مظلوم “أثرت الحرب على أولادنا، فهم يخافون من أي شيء، وابتعدوا عن الدراسة لأنهم غير قادرين على المتابعة عبر الإنترنت، ولا يستطيعون التركيز، إذ ينشغل تفكيرهم بتطورات الأحداث.”

من ناحيته أكد مختار بعلبك خالد فيصل صلح لـ “مناطق نت” أن “الأطفال في بعلبك يعيشون حالة من الخوف والقلق والتوتر، ما يؤثر على دراستهم وتركيزهم، ويقضون معظم وقتهم أمام الشاشات للتعلم عبر الإنترنت، الذي لا يحقق نتائج، فمستقبلهم أصبح مجهولًا منذ زمن الكورونا حتى اليوم.”

تضامن ومبادرات تطوعية

رغم الظروف القاسية والامكانيات المتواضعة، لا يزال في بعلبك ومنطقتها ما يشبه الضوء، يتمثل في تضامن الناس مع بعضهم البعض. عن المبادرات يشير صلح “أهل بعلبك معروفون بالكرم، فعلى الرغم من الوضع المعيشي الصعب، هناك مبادرات شبابية وتطوعية لمساعدة الفئات الأكثر فقرًا.”

يقدّم صلح صورة تختصر هذا التضامن “أنا مختار حي الصلح، لم أترك بعلبك يومًا، لا في حرب تموز ولا في حرب 2024 ولا حتى الآن، وهناك كثير من الآباء يقومون بأي عمل ويقولون: أزمة وتمر، المهم ألا ينام أولادي جائعين.”

“أهل بعلبك مهمشون في أيام السلم، فما بالك في الأزمات، وأكثر ما يجرح كرامة الناس هو اضطرارهم لطلب المساعدة أو الشعور بالعجز.” هذا ما قاله المختار صلح الذي ختم موجّهًا رسالة من أهالي بعلبك إلى العالم وهي “أن الإنسانية لا تنطفئ رغم الحرب، فنحن صامدون ونتمسك بالأمل من أجل أطفالنا ومستقبلهم، فهم يستحقون أن يعيشوا بسلام، لذلك نطالب بالإسراع في وقف إطلاق النار، ونطلب من الدولة والجهات المانحة أن تنظر إلى بعلبك وشبابها بعين لا تنام، لأنهم يستحقون الحياة”.

لكن هذا التماسك الاجتماعي لا يلغي شعورًا عميقًا بالخذلان، فالدعم شبه غائب، والناس تُترك لمصيرها. عن ذلك يعبر عباس ذكي لـ “مناطق نت” قائلًا “للأسف، حتى تاريخه لم يحصل الناس على أي دعم، بل توقفت بعض التقديمات التي كانت موجودة سابقًا.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى