بين الحرب والنجاة الصحّة النفسيّة في مواجهة الصدمات اليوميّة

بين دويّ الصواريخ والغارات ومراقبة عدّاد الضحايا يرتفع يوميًّا، نخوض معركة أخرى صامتة تتمثّل في صيانة صحّتنا النفسيّة باستمرار. هذه الصحّة تتعرّض بشكل متواصل إلى كمّيّة كبيرة من الضغوط الناجمة عن الحرب وتداعياتها وأخبار المجازر التي يرتكبها العدّو الإسرائيليّ، والدمار، والنزوح، وخوف الجنوبيّين من احتلال أرضهم من جديد.
قد يبدو للبعض أنّ الحديث عن الصحّة النفسيّة أمر ثانويّ أو في الأقلّ ليس أوانه، لكن في حقيقة الأمر هو أكثر من ضرورة في هذه الأوقات العصيبة التي نمرُّ بها، لنحاول من خلاله سلوك درب النجاة، أو في حدّه الأدنى منع أنفسنا من السقوط.
قلقٌ لا يهدأ
بقيت علياء شاهين صامدة مع أهلها في مدينة صور حتّى تاريخ الـ 13 من آذار (مارس) الجاري، أيّ بعد نحو 11 يومًا من تجدّدها. عانت من صدمات نفسيّة بسبب خسارات سابقة، لكنّ تجدّد الحرب أعاد إيقاظها، وبخاصّة لأنّها عاشت تجربة الحرب الماضية، وبقيت في مدينتها قبل أن تنزح العائلة قبل وقف إطلاق النار بـ 10 أيّام. تضرّر منزلها في حينه ولم يعد صالحًا للسكن، فانتقلوا إلى منزل مستأجر، وفي هذه الحرب تضرّر منزلهم الآخر أيضًا بفعل استهداف مبنى بالقرب منه.
تقول علياء إنّ حالتها النفسيّة كانت متعبة مع قلق دائم، إضافة إلى ارتجاف مستمرّ في يديها واضطراب في النوم، حيث لم تكن تنام أحيانًا سوى أربع ساعات. وتشير لـ “مناطق نت” إلى أنّ “صوت الطيران الحربيّ وحده كافٍ لإثارة القلق”، معتبرةً أنّ “الغارات غير المسبوقة بإنذار هي الأشدّ رعبًا، لأنّها لا تتيح الاستعداد النفسيّ”.
قد تكون علياء واحدة ممّن ينطبق عليهم التقرير الذي نشرته منظّمة الصحّة العالميّة بتاريخ السادس من أيار(مايو) 2025، ويقول “إنّ واحدًا من بين كلّ خمسة أشخاص (أي 22 في المئة) ممّن شهدوا حروبًا أو نزاعات خلال السنوات العشر الماضية يعانون من الاكتئاب أو القلق أو اضطراب الكرب التالي للرضح (PTSD)أو اضطراب ثنائي القطب أو الفصام”.
المشكلة تكمن في أنّه أمام النزوح وعدم الاستقرار وفقدان الخصوصيّة، خصوصًا أنّ كثيرًا من العائلات تلجأ إلى السكن كعائلات عدّة في منزل واحد، يتردّد الناس في اللجوء إلى العلاج النفسيّ، ناهيك بالكلفة المادّيّة المترتّبة على ذلك. ولهذا لم تلجأ علياء إلى معالج على الرغم من ثقل الحرب على صحّتها النفسيّة، لأنّها لا تعلم الكلفة التي ستواجهها، إضافة إلى كلفة النزوح.

الطلّاب بين النزوح والدراسة
للنزوح ثقل نفسيّ أكبر على من أُجبروا على ترك بيوتهم، وعدا عن ثقل الحرب هناك الضغط النفسيّ الناتج عن عدم الاستقرار والقلق على البيت والذكريات، والانتقال إلى مكان جديد مرغمين.
زهراء ابنة الـ17، طالبة في المرحلة الثانويّة، عاشت النزوح في الحرب الماضية وخسرت منزلها بفعل العدوان. تصف شعورها بالعجز والتعب، “في المرّة السابقة استطعنا التعامل مع الوضع إلى حدّ ما، ولم تُرهقنا كما يحدث هذه المرة”.
كانت زهراء قد بدأت بالتعافي من آثار الحرب الماضية والنزوح، إلّا أنّ الحرب اشتدّت من جديد، والسيناريو ها هو يتكرّر. تقول لـ “مناطق نت”: “لم نتمكّن من تجاوز ما حدث، فدخلنا هذه المرحلة ونحن في حال نفسيّة مرهقة، وغير قادرين على تحمّل الضغط لمدّة طويلة. لذلك يمكنني القول إنّ ما نشعر به اليوم هو إرهاق وعجز حقيقيّان، إلى درجة أنّ الإنسان لم يعد لديه رغبة التفكير في الغد، وكأنّنا نعيش فقط لتمرّ الأيّام كي نرى إن كان هذا الكابوس سينتهي أم لا”.
سرقت الحرب من زهراء مقعد الدراسة ورفقة زميلاتها وزملائها، وها هي اليوم تعود إلى الدراسة عن بعد. تتابع زهراء قائلةً: “كنت خائفة جدًّا، وما زلت قلقة بشأن مصيرنا كطلّاب، ولديّ تساؤلات: هل سنحصل على شهادات أم لا؟ لم أكن أريد أبدًا أن ينخفض معدّلي بسبب الحرب أو أن أخسر سنة دراسيّة مهمّة كهذه. لذلك أشعر أنّ التفكير المفرط والقلق الزائد هما أكثر ما يرهقني”.
الأمومة والطفولة في الحرب
صفاء عيّاد، صحافيّة وأمّ لطفلة، تصف أمومتها في ظلّ الحرب وعملها في تغطية أخبار الحرب والنازحين بأنّها من أصعب الأدوار وأكثرها إرهاقًا نفسيًّا، إذ لا تستطيع فصل عملها ومشاعرها عن خوفها على عائلتها، وخصوصًا ابنتها.
تقول صفاء لـ “مناطق نت” إنّ “القلق الدائم والجهد المضاعف بين العمل وتأمين الأمان لطفلتي يؤثّران في صحّتها النفسيّة”. تعمل صفاء أحيانًا من المنزل، ما يعرّض طفلتها إلى سماع الأخبار والمقابلات والبقاء على احتكاك مباشر بالأحداث. وعلى رغم محاولاتها لإبعادها، تؤكّد أنّه “لا يمكن الكذب عليها أو إخفاء ما يحدث أو تفسير الأصوات على أنّها مفرقعات ناريّة”.
تغيّرت سلوكيّات ابنة صفاء، إذ تُصاب بنوبات بكاء بدءًا من السابعة مساءً وحتّى منتصف الليل لكونها تربط ذلك الوقت بالغارات. أمّا نومها، فقد أصبح متقطّعًا وباتت تخاف النوم بمفردها.
تصف صفاء عيّاد، وهي صحافيّة وأمّ لطفلة أمومتها في ظلّ الحرب وعملها في تغطية أخبار الحرب والنازحين بأنّها من أصعب الأدوار وأكثرها إرهاقًا نفسيًّا، إذ لا تستطيع فصل عملها ومشاعرها عن خوفها على عائلتها، وخصوصًا ابنتها.
الأطفال أكثر تأثّرًا بالصدمات
يشرح المعالج النفسيّ محمّد حمد أنّ الأطفال من الفئات الأكثر تأثّرًا في الصدمات والحروب، إذ إنّ تكوّن الأنا الأعلى والهويّة الفرديّة لدى البالغ يكون غالبًا مكتملًا، ما يجعل تلقّيه للصدمة والتعامل معها مختلفًا عن الأطفال الذين لم يكتمل بناء هويّتهم بعد.
يتابع لـ “مناطق نت”: “الأعراض الانسحابيّة والجسمانيّة، وفرط الحركة، والاضطرابات الانفعاليّة، وردّات الفعل غير المتناسقة، والاضطرابات الحسّيّة الحركيّة، قد تكون من أبرز آثار الصدمة على الأطفال، والتي ربّما يصعب على البالغين فهمها أو التعامل معها”.
يضيف حمد أنّ “التخفيف من حدّة الحرب على الأطفال يبدأ بتوفير الأهل شعور الأمان عبر الإجابة على أسئلتهم، واعتماد لغة تطمينيّة، وإتاحة مساحات للتعبير الحرّ، وتعزيز التضامن العائليّ وتخصيص وقت للأنشطة الجماعيّة، ما يساهم في الحدّ من الآثار النفسيّة. وأهمّيّة تعامل الأهل مع قلقهم بصورة صحّيّة، وتجنّب الصدامات والمشاحنات، خصوصًا أمام الأطفال، لما لذلك من أثر إيجابي.”
اضطرابات ما بعد الصدمة
يردف حمد “ضغوط الصدمات في الحروب ربّما تتفاقم لتتحوّل إلى اضطرابات متوسّطة أو طويلة الأمد، وقد تساهم في بروز استعدادات بدائيّة لدى الأفراد وتعزيزها لتتّخذ منحى اضطرابيًّا، وكذلك ربّما تظهر بعض الأعراض المرضيّة الحادّة نتيجة هذه الضغوط”.
ويشرح حمد أنّ “مصطلح اضطرابات ما بعد الصدمة يشمل مجموعة من الاضطرابات التي ربّما تظهر أو تتفاقم على المدى المتوسّط والطويل، مثل الخوف المفرط، القلق المفرط، اضطرابات النوم، الانسحاب الاجتماعيّ، الاضطرابات المزاجيّة الحادّة، وحالات الاكتئاب. وقد تظهر هذه الاضطرابات على المستوى الفرديّ، وكذلك يمكن أن تظهر أيضًا على المستوى الجماعيّ، بما قد يشكّل سمات اضطرابيّة لدى الجماعات أو المجتمعات في مرحلة ما بعد الصدمة”.
الصحافيون تحت الضغط
العاملون في الخطوط الأماميّة في الحروب والأزمات والكوارث أمثال المسعفين والصحافيّين هم من الأفراد الأكثر عرضة لضغوطات الصحّة النفسيّة، خصوصًا أنّهم عرضة للخطر، وفي ظروف مثل هذه لا يملكون رفاهيّة الاستراحة.
محمد قليط، صحافيّ مصوّر يعمل كـ “فري لانس” يشير إلى أنّ أثر الحرب في الصحافيّ لا يقتصر على التغطية، بل يمتدّ إلى ما بعدها. يقول: “إنّ تجارب الميدان تبقى عالقة، كمقابلة أو عبارة لنازحين أو مشهد صاروخ يدمّر مبنى”. يتابع لـ “مناطق نت”: “تغطيتي لأحداث الضاحية ما زالت تسبّب لي ضيقًا شديدًا عند مشاهدة الغارات، لارتباطها بذكرياتي، أشعر بمسؤوليّة كبيرة حين يسألني أصدقائي عن الأضرار، وكأنّي أبلغهم بأن منزلي هو الذي دُمّر”.
يعاني محمّد اليوم من إرهاق واحتراق نفسيّ شديد، لأنّه وبحكم عمله في حال تأهّب مستمرّة، ولأنذ الأحداث التي عاشها كمواطن ومصوّر صحافيّ مستمرّة. لم يلجأ محمّد إلى معالج نفسيّ بسبب ضيق الوقت وضغط العمل، لكنّه يحاول حماية صحّته النفسيّة عبر استعادة بعض عاداته اليوميّة. يقول إنّه إذا توافر وقت، يذهب إلى مقهى، يفتح حاسوبه ويشاهد ما كان يتابعه، وفي المساء يحاول الابتعاد عن الأخبار وتخصيص وقت لنفسه كي يشعر أنّه ما زال إنسانًا كما كان، كذلك يبتعد نسبيًّا عن الهاتف لتفادي المتابعة الدائمة.
والضغط النفسيّ يتكشّف
خطّ الحياة الوطنيّ 1564 المفتوح 24/24 سجّل ارتفاعًا واضحًا في الآونة الأخيرة بعدد الاتّصالات الواردة. فبعد أن كان المعدّل اليوميّ يراوح بين 25 و30 اتّصالًا، أصبح يتلقّى ما يقارب الـ 50 اتّصالًا يوميًّا، وفق المعالجة النفسيّة والمشرفة الأولى على خطّ الحياة الوطنيّ 1564 ميرا دالي بلطة. وخطّ الحياة الوطنيّ 1564 هو الخطّ الوطنيّ الساخن للدعم النفسيّ والوقاية من الانتحار، بالتعاون بين البرنامج الوطنيّ للصحّة النفسيّة وجمعيّة “إمبرايس.”
تشير بلطة إلى “أنّ المشكلات النفسيّة التي يعبّر عنها المتّصلون خلال الحرب تشمل: القلق، نوبات الهلع، الحزن العميق، وأحيانًا أفكارًا انتحاريّة. ومع ذلك، من المهمّ فهم هذه المشاعر ضمن سياق أوسع يرتبط بتجربة الفقدان وما يرافقها من عمليّات حداد نفسيّ”. تتابع لـ “مناطق نت”: “التعامل مع الفقدان لا يحدث بشكل خطّيّ، بل يمرّ بمراحل متداخلة ومتغيّرة. لذلك ربّما ينتقل الشخص بين مشاعر مختلفة، فقد يشعر في بعض الأيّام بقلق وخوف شديدين، وفي أيّام أخرى بحزن أو غضب”.
خطّ الحياة الوطنيّ 1564 المفتوح 24/24 سجّل ارتفاعًا واضحًا في الآونة الأخيرة بعدد الاتّصالات الواردة. فبعد أن كان المعدّل اليوميّ يراوح بين 25 و30 اتّصالًا، أصبح يتلقّى ما يقارب الـ 50 اتّصالًا يوميًّا
تضيف “ونلاحظ كذلك لدى بعض المتّصلين شعورًا بالخدر أو الانفصال عن مشاعرهم، وهو ردّ فعل نفسيّ ربّما يظهر عندما يصبح الضغط أو الألم النفسيّ شديدين، فيلجأ العقل إلى نوع من الحماية الذاتيّة للتخفيف من حدّة التجربة”.
وفق بلطة فإنّ “زيادة الاتّصالات تعكس حجم الضغط النفسيّ الذي يعيشه المجتمع، لكن في الوقت نفسه، الاتّصالات تعكس أيضًا شيئًا إيجابيًّا، أنّ الناس أصبحوا أكثر استعدادًا لطلب الدعم والتحدّث عن صحّتهم النفسيّة، وهذا بحدّ ذاته خطوة مهمّة”.
البرنامج الوطنيّ للصحّة النفسيّة
من جهته يشير مدير البرنامج الوطنيّ للصحّة النفسيّة ربيع الشماعي إلى “أنّ أفراد البرنامج يقومون اليوم بزيارات لمراكز الإيواء، ويعملون من خلال شبكة الرعاية الصحّيّة الأوّليّة وشركاء البرنامج”. يتابع الشماعي لـ “مناطق نت”: “سيقوم فريق من البرنامج بزيارة ميدانيّة للتعريف أكثر في تطبيق ‘خطوة خطوة‘ (تطبيق مجّانيّ في لبنان لعلاج القلق والاكتئاب) وبالخطّ الوطنيّ الساخن، إضافة إلى مراجعة مختلف التدخّلات النفسيّة والاجتماعيّة مع الشركاء، بما يتناسب مع السياق المحلّيّ ويتماشى مع الإرشادات العالميّة”.
الجدير ذكره أنّ البرنامج أطلق “بودكاست” بالتعاون مع منظّمة الصحّة العالميّة بعنوان “Self-Help+”، وقد أُجريت عليه دراسات وأثبت فعاليّته في مساعدة الأفراد على التعامل مع الضغوط النفسيّة بشكل عام، على حدّ قول الشماعي.
ولفت الشماعي إلى زيادة عدد الأسرّة المغطاة من قبل الوزارة، مع تغطية كاملة للنازحين في المستشفيات الحكوميّة، إضافة إلى الخطّ الوطنيّ الساخن (1564) للدعم النفسيّ والوقاية من الانتحار، القادر على الاستجابة للأزمات عبر فريق ميدانيّ يضمّ طبيبًا وممرّضًا، يقدّم العلاج وينقل الحالات إلى المستشفى، بالتنسيق مع الصليب الأحمر اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ.
نصائح لتخفيف حدّة الحرب
يقدّم حمد مجموعة نصائح لتخفيف حدّة الحرب على الصحّة النفسيّة، أبرزها التعبير عن المشاعر ومشاركتها لتخفيف وطأتها والتحرّر من “الاختناق النفسيّ”. كذلك يشدّد على أهمّيّة المواساة والتعاضد الاجتماعيّ، إلى جانب تمارين التنفّس والاسترخاء، والابتعاد قدر الإمكان عن الالتصاق بالأخبار ومصادر التوتّر غير الأساسيّة.
في الحرب، لا يقتصر الأثر على الدمار الظاهر، بل يمتدّ إلى الداخل حيث تتراكم الضغوط بصمت. بين من يواجه الفقد والصدمات، ومن يخشى المستقبل، ومن يحاول حماية عائلته أو الاستمرار في عمله، تتشكّل معركة يوميّة للحفاظ على التوازن النفسيّ. وعلى رغم ثقلها، يبقى طلب الدعم والاعتراف بالتعب خطوة أساسيّة نحو الاستمرار.



