بين العبث والبقاء يوميّات قلب في زمن الحرب

إنّها ليست المرّة الأولى التي لا أستطيع فيها تحديد مشاعري، ربما يُحدث الضّغط الكبير عطلًا في نظام ذكائيّ العاطفيّ فيتجمّد. أهرب من نفسي وأتوقّف عن التنقيب فيها أكثر. وجّهت إهتمامي منذ الأيّام الأولى لهذه الحرب حول تحديد الشعور الجماعيّ. خلقت فضولًا يدفعني للتحديق في وجوه الناس التي أراها في أيّ مكان. صرت أتّبع حركة أعينهم البطيئة، وخطوطًا حول زوايا أفواههم كانت للضحك، والحاجبين دون عقدة قاسية ودون انحناءة واضحة.
يقال إنّ العيون نوافذ الروح، حين أنظر فيها لا أرى انكسارًا مطلقًا ولا غضبًا مطلقًا، ولا حزنًا مطلقًا ولا قلقًا مطلقًا، لا تعبًا مطلقًا ولا حماسة مطلقة. تلك العيون لا صفة واحدة واضحة لها. هي نوافذ مشرّعة يستغيث أهلها بصمت.
أقلعت عن تلك العادة حين أثقلتني وزادت فوق عجزي عجزًا. ما الفائدة من ذلك؟ ما الفائدة من أشياء كثيرة؟ أن أقرأ مثلًا كمًّا هائلًا من الأخبار ونقيضها في يوم واحد؟ ما الفائدة أن أرى صور الدمار؟ أن أقرأ عناوين الصّحف التي على مرّ أسابيع من التصعيد تكتب عن أسابيع إضافيّة من التصعيد؟ لست أدري ما الفائدة في أن أعرف هذا كلّه؟
عبث ودخان
صار العبث هو الدخان الذي يعبق في رأسي، فلا أرى جدوى من التعبير عن ذاتي، إلى اليوم الذي انقشع فيه هذا الضباب ورأيت جليًّا ما أشعر به. أنا حزينة بشكل مختلف، لا صفة واحدة لحزني سوى أنّه كبير. لا يمكن حصره وتحديده فهو يشبه عيون كلّ هؤلاء الذين حدّقت في وجوههم بفضول. كيف يمكن لهذا الحزن المضني كلّه أن يتّسع في جسدي؟ كيف أوزّعه على أجزائي بشكل أكثر توازنًا فأحمي قلبي ورأسي وكتفي؟
أتمنّى لو يتفتّت كلّ صباح كما يتفتّت الرّمص في جفني وأنا أغسل وجهي بماء بارد. أتمنّى أن يخرج من أنفاسي بعطسة واحدة، فيدخل إلى رئتيّ هواء ربيعيّ ناعم، وزخّات مطر تجعلني عند طلوع الشمس كالعشب الأخضر. ليت حزني يتركني بتلك الأساليب البسيطة، يؤسفني أنّ الأمور أكثر تعقيدًا، يؤسفني أنّها كذلك.
كثرت الأزمات وتوالت بشكل سريع، شربت فيها طاقتي كلّها فازدادت قناعتي في أنّ أيّ حرب جديدة سأشعر فيها بالظمأ، لكن من أنا؟ من أكون؟ ما هي طاقة العالم التي تكترث لشخصي؟ طاقة العالم تفهم لغة النفط والغاز والمال والسيطرة. لغتي لا تتدفّق من بئر نفط، تتدفق من قلب صغير.
عليّ أن أجعل حضني دافئًا جاهزًا كي يغمر طفلتي حين تمرض أو تبرد أو تخاف. عليّ أن أخترع مزاجًا مضادًا للحروب.
نفسي المتصدّعة
كانت الحرب هذه المرّة أسرع من قدرتي على ترميم نفسي المتصدّعة، كانت أسرع من قدرتنا على التعافي من كلّ أنواع الصدمات التي تعرّضنا لها في تلك البلاد. كنت أعتقد أنّني لن أقوى على النهوض من الفراش، لن أستطيع التوقّف عن البكاء، لن أستطيع التغلّب على خوفي، لكنّني فوجئت حين خلصت إلى أنّه عليّ أن ألبس حذائي السريع وأعدو، وأدركت أنّه مهما كان الحزن كبيرًا، ومهما كان الحمل ثقيلًا، علييّ أن أكمل في اليوم التالي ما بدأت.
عليّ أن أجعل حضني دافئًا جاهزًا كي يغمر طفلتي حين تمرض أو تبرد أو تخاف. عليّ أن أخترع مزاجًا مضادًا للحروب يمكنني أن ألعب معها حين تشتاق لألعاب تحبّها وتركتها في حديقة بيتنا. عليّ أن أمارس عملي وأحافظ على الحدّ الأدنى من مزاجٍ حسن كي لا أزعج من حولي، عليّ ببساطة أن أعيش أو بمعنى أصحّ أن أبقى.
زمن الحروب والمآسي
غريب وقاسٍ إطار الحروب، يمكن أن يعطي الأماكن كلّ أسباب الموت، ويمكن للأماكن أن تعطيه كلّ أسباب الحياة لو بقي فيها حبّة تراب ونقطة مطر، يمكن أن يعطي الوقت ألف سبب ليصبح مشرّدًا دون وجهة، ويمكن لصوت الأمل أن يعطيه ألف سبب للبقاء وهو يسير باتّجاه عقارب الساعة.
تفضح الحرب ضعفي وخوفي وحزني ثمّ تتجلّى من بعدهم قوّتي. ليس سهلًا أن تدرك “أنّه في نهاية الأمر، يمكن تحمّل أكثر بكثير ممّا تظنّ”. هذه الخلاصة القاسية عبّرت عنها فريدا كاهلو، الفنّانة المكسيكيّة التي تعرّضت لحادث في سنّ صغيرة ما أدّى إلى كسر عمودها الفقريّ وحوضها وقدمها وجعلها غير قادرة على المشي. اشتهرت كاهلو بأنّها كانت تحول كلّ معاناتها إلى فنّ معبّر حتّى صارت رمزًا لمرونة الألم.
في زمن الحروب والمآسي على تلك البقعة المعذّبة من الأرض، صارت كاهلو تتجسّد في غالبيّتنا. لم يملك كثير من اللبنانيّين موهبة تمكّنهم من ترجمة ألمهم وحزنهم كي يحظون بالشهرة نفسها لكنّهم أبطال بصمت، ينحتون الحياة برفق ولو من العدم. إصرارهم على البقاء سمفونيّة إذا أصغيت إليها يمكن أن تضحك وتبكي وترقص وتصمت وتغنّي وتدور وتصرخ وتقفز حماسة. ليست الحرب من يصنع كلّ هذا، هي ليست سببًا ولا محفّزًا. الحرب لم تكن يومًا سببًا للحياة، من يصنع الحياة هي نفوس قرّرت ببساطة أنّها تشبه الحياة.



