بين فقدان الصورة وذاكرة شوّهتها الحرب أبحث عن وجه أمّي

ما أكتبه اليوم ليس استعادة لحزن غائر، بقدر ما هو محاولة لتثبيت ذاكرة مهدَّدة بالتلاشي، لعل ذلك يخفّف من وطأة الغياب ويضع ما أخطّه في سياق أوسع. أعرف أنّ قصّتي ليست استثناءً، وأنّها واحدة من قصص كثيرة لعائلات فقدت تحت ركام بيوتها صورها وذكرياتها، أو ضاع أرشيفها العائليّ بفعل الحروب والتهجير، فصارت تبحث عن بقايا صور بين شظايا الماضي.
كان يُفترض أن يكون وجه أمّي أوّل ملامح هذا العالم، لكنّ عالمي بدأ من دونها بلا وجه.
ذات يوم كتب لي والدي عنها فقال: “والدتك يا بنيّتي كانت أيقونة جيلها، رمز عطاء وإيثار، في فترة الحمل بك اختارت بقناعة راسخة تحمّل المخاطر، وهذا ما حصل لها إذ بعد أن وضعتك فارقت الحياة، فهي لم تبصرك كما لم تبصريها” وهكذا لم أتمكّن من معرفة صورة وجهها، دفء حضنها أو نبرة صوتها. لم يتّسع بيننا الزمن لأرجوحة ذاكرة، كان الفقد هوّة عميقة لم يستطع ردمها أيّ شيء.
على مشارف الثامنة والأربعين
اليوم، وأنا على مشارف الثامنة والأربعين، ما زلت أبحث لها عن صورة، عن دليل وجود يسدّ فجوة الغياب ويرمّم الانقطاع القسريّ في سرديّتي عن نفسي وعنها.
في بيتنا، لم يكن الحديث عنها حاضرًا. أبي، الذي فقد شريكة حياته، لم يتجاوز وفاتها، ربّما لم يشأ أن يورّثنا وجعه، غالبًا ما كان يلتزم الصمت.
كبرتُ وأنا أبحث عنها في وجوه أخوتها وأقاربها، تعرّفتُ إليها من الآخرين، من نبرة الحنين حين يُذكر اسمها، من صفاتها التي يروونها عنها كأنّهم يحاولون تثبيتها في الهواء قبل أن تتلاشى. كنت أرسمها من خلال كلمات من يتحدّث عنها، لكنّ الكلمات لم تصنع لها ملامحها، ولم تضعها في صورة.
ملامح وصور في مهبّ الضياع
لم أفقد أمّي دفعة واحدة، فقدتها مرارًا، عند كلّ حرب وتهجير، فقدناها مجدّدًا عندما كان والدي معتقلًا في السجون الإسرائيليّة وأُجبرنا، أخوتي وأنا، على ترك بيتنا قسرًا والمدينة التي احتضنت ضريحها، ومع البيت فقدنا كلّ ما تبقّى من ملامحها، الصور، التفاصيل الصغيرة، الأشياء التي لم نلتفت إليها، لأنّنا ببساطة كنّا أطفالًا.
لم نعد إلى ذلك البيت أبدًا، ومعه ضاعت تقريبًا كلّ الذاكرة، حتّى الصور القديمة.
لسنوات طويلة، بحثنا عن أيّ صورة لها عند الأقارب، لكن الزمن كان أسرع من الذاكرة، والحرب أسبق من الحفظ، إحدى الصور التي كانت في بيت خالتي، حصلنا عليها وكانت قد خضعت لعمليّة ترميم بدائيّة قبل أكثر من أربعين عامًا، غيّرت ملامحها حتّى لم تعد تُشبه صاحبتها، ومع ذلك احتفظنا بها وتناقلتها العائلة. لم أقتنع يومًا أنّها صورتها، لكن اليُتم يتعلّق بأيّ أثر، حتّى لو كان مشوّهًا، أحيانًا لا نبحث عن الحقيقة، بل عن شيء نُسمّيه باسمها.
وداع وطقس ختام
في هذا السياق، تشرح الخبيرة الأسرية رنا غنوي أنّ فقدان الصور والوثائق لا يُعدّ خسارة ثانويّة أو هامشيّة.
تقول: “الصور والوثائق ليست أشياء فقط، بل أدلّة وجود. هي الشاهد المادّيّ على أنّنا كنّا هنا، عشنا، أحببنا، كبرنا وعندما تُفقد فجأة، خصوصًا في ظروف قسريّة، لا يحدث وداع، ولا طقس ختام، ولا فرصة لترميم المعنى”.
وترى غنوي أنّ هذا النوع من الخسارة “يشبه الحداد غير المعترف به اجتماعيًّا أو الحداد المعلّق، حيث لا يستطيع العقل أن يُنهي القصّة، وتتمثّل نتائجه بحزنٍ صامت وطويل، وخوفٍ من النسيان أو من امّحاء الذات، وشعورٍ بالفراغ أو عدم الاكتمال، وأحيانًا بتعلّقٍ مبالغ فيه بما تبقّى من آثار، أو العكس تمامًا تجنّب أيّ تذكّر”.
كانت المفارقة الموجعة أن تمنحني آلة ما لم تحفظه الحياة… صورة جديدة كانت كافية لأبكي فرحًا…
في لبنان، لا تُقاس الخسارات بعدد الشهدء والضحايا وحسب، بل بعدد الذكريات التي تُمّحى بصمت، فمنذ الحرب الأهليّة، مرورًا بالاجتياحات الإسرائيليّة المتكرّرة، وصولًا إلى الحروب الأخيرة، عاش اللبنانيّون دورات لا تنتهي من النزوح القسريّ.
بيوت تُترك على عجل، بدون إنذار، وكمّيّات هائلة من الأرشيف العائليّ يُفقد أو يُدفن تحت الدمار: صور، رسائل، شهادات، دفاتر، وأغراض صغيرة تحمل معاني أكبر بكثير من قيمتها المادّيّة. ومع كلّ نزوح، تتآكل الذاكرة، ويُعاد بناء السرد العائليّ ليس على ما كان، بل على ما نجا.
البيت امتداد للجسد
وتشير غنوي إلى أنّ البيت نفسيًّا، ليس جدرانًا فقط “البيت هو امتداد للجسد، وحاوية للذاكرة، ومكان تشكّلت فيه الهويّة. في الهجرة القسريّة، المكان لا يُغادر، بل يُنتزع، والذاكرة لا تُحمل كاملة، بل تُترك خلفك”.
هذا ما يُعرف بانكسار الرابط المكانيّ، ويظهر في شعور دائم بأنّ الشخص “ضيف” في كلّ مكان، وصعوبة الإحساس بالأمان حتّى بعد سنوات، وحنينٍ مؤلم ليس للمكان وحسب، بل للشخص الذي كانه هناك، وأحيانًا شعور بالذنب لأنّ الإنسان نجا بينما لم ينجُ المكان.
في لبنان لم تُنتج الحروب أجيالًا من المهجّرين فقط، بل أجيالًا بلا توثيق، كثيرون مثلي لا يملكون صورًا لآبائهم، ولا يعرفون ملامح أمّهاتهم خارج صورة باهتة واحدة.
لا يملكون سجّلًا كاملًا لبيوتهم التي غادروها، ولا معرفة دقيقة بأماكن دفن أحبّائهم، هذا ما انتجته الحروب وهكذا صار غياب الصورة جزءًا من السيرة اللبنانيّة، وصار الفقد حالة جماعيّة تتوارثها العائلات.
إعادة بناء الذاكرة
في هذا السياق تعتبر غنوي أنّ ضياع البيت والذكريات مثال واضح على الفقد المركّب، أيّ خسارات متعدّدة ومتزامنة لا يمكن فصلها عن بعضها: فقد المكان، فقد الاستمراريّة، فقد الأمان، وفقد الشواهد المادّيّة على الماضي، وأحيانًا فقد الاعتراف المجتمعي بهذا الألم، خطورة هذا النوع من الفقد، كما تقول غنوي “تكمن في أنّنا لا نعرف ما نحزن عليه أوّلًا، ولا متى ينتهي الحزن، ولا كيف نرويه للآخرين دون أن يُقلَّل من شأنه”.
عن التعافي تشير غنوي “لا يكون بالنسيان، التعافي الجماعيّ يحتاج إلى إعادة بناء الذاكرة بطرق جديدة كسرد القصص شفهيًّا، والكتابة، والفنّ، والتوثيق، والاعتراف الرسميّ والمجتمعيّ بالخسارة، وخلق مساحات آمنة للحداد الجماعيّ، لا السياسيّة فقط”.
حين تُجمَع الذاكرة، تختم غنوي “يتحوّل الألم من صدمة إلى معنى، ومن عزلة إلى رابط، ومن فوضى إلى تاريخ يُروى”.
ربّما لهذا أكتب اليوم، لا لأستعيد الحزن، بل لأمنع محوه.
لأنّ قصّتي، مثل قصص كثيرين في هذا البلد، ليست فقط عن أمّ غابت، بل عن ذاكرة نجت بالكلمات حين فشلت الصور.
أكتب اليوم لأقول إنّني في زمن الذكاء الاصطناعيّ حصلت على صورة لأمّي أخيرًا، تشبهها بنسبة قد تصل إلى 60 في المئة بحسب من عرف أمّي وعايشها، طلبت من التكنولوجيا ترميم صورة باهتة قديمة، أعادت لي بعض ملامحها. تجرأّت أكثر وطلبت منه مجدّدًا أن يجمعنا في صورة واحدة وهي تحتضنني، فكانت المفارقة الموجعة أن تمنحني آلة ما لم تحفظه الحياة… صورة جديدة كانت كافية لأبكي فرحًا…



