حروب الجنوب.. حين نبتلع الصمت وكأنّ الكلام رفاهيّة!

لا شكّ في أنّ ذروة الحرب بشكلها الوحشيّ بلغت أوجها في الـ 23 من أيلول (سبتمبر) 2024. لكنّنا نعيش منذ ذلك الوقت حربًا من نوع آخر تبدو وكأنّها دائمة بلا أفق، حرب انتظارٍ بلا بوصلة، تلعب بمصائر ناس وتبقيها معلّقة، لها اتّجاه واحد فقط، العيش تحت أصوات الطيران والمسيّرات. تذكّرني هذه الحال بأغنية هدى حدّاد “ينساني طريقي”، حين تنشد: “تنسى الشمس بابي، تعتّم الأحلام”.
أحيانًا لا تشرح الأغاني ما يحدث، لكنّها تُسمّيه، وهذا ما يريّحني في فكرة الفنّ. فالشمس لا تنسى أحدًا، لكنّ أدمغتنا تفعل شيئًا يشبه النسيان حين لا تستطيع الاحتمال، لا تمحو الحدث، بل تمنع عنه اللغة.
كلّما حاولنا أن نلوّن ما حدث معنا كجنوبيّين، ابتلعه سوادٌ كبير اسمُه الصمت. سوادٌ لا يترك الحرب خلفه، بل يحملها إلى اللغة المشتركة، وإلى العلاقات، وإلى الذاكرة العامّة، وهذا ما يطرح سؤالًا: “ما ثمن أن يبقى كلّ ما حصل معنا بعد الحرب بلا حكاية أو سردية؟”.
التخلّي يخلق صمتًا، الصمت يعيد إنتاج التخلّي
لم يبقَ لنا في الجنوب سوى الكلمة لنقول بأنّنا “هنا”. الأمر ليس ترفًا بقدر ما هو نافذة أخيرة، طريقة لانتزاع حضورٍ علنيّ من تحت القصف والركام. لكن هذه النافذة تُضيَّق علينا منذ زمن. منذ الحرب الأهليّة، يعيش هذا البلد على حروب متتالية بلا حكاية جامعة تُسمّي ما جرى ويجري، وكأنّ المطلوب أن تمرّ الأحداث الكبيرة بلا أثرٍ عام.
حربٌ تلو أخرى، يتّسع الصمت ويتكرّس التخلّي: لا يُفتح ملفّ، لا تُكتب ذاكرة، ولا تُوضع النقاط على الحروف. ومع كلّ مرّة، لا نخسر بيوتنا فقط، بل نخسر اللغة التي تجعل الخسارة قابلة للفهم والهضم، وقابلة للمساءلة.
الصمت يعزل الحكاية قبل أن تصل إلى المساحة العامّة، ويتركنا وحدنا مع مصيرٍ معلّق بلا شاهد. ما لا يُقال لا يتحوّل إلى ذاكرة عامّة، وما لا يتحوّل إلى ذاكرة لا يستدعي المسؤوليّة. هكذا تبقى الحرب بلا ملفّ مفتوح، تبقى طيّ الغياب بلا مساءلة، ومعها يبقى الجنوب مُعلّقًا على حبل النسيان، بلا رواية تُقال على الملأ. تتضاءل منزلة ما نعيشه فيهوي ويُختزل إلى نعته بالـ “ظروف”، ومع ذلك النعت تُطوى التفاصيل لنرزح بعده تحت وطأة العبارة الثقيلة “تأقلموا!”.
لم يبقَ لنا في الجنوب سوى الكلمة لنقول بأنّنا “هنا”. الأمر ليس ترفًا بقدر ما هو نافذة أخيرة، طريقة لانتزاع حضورٍ علنيّ من تحت القصف والركام.
لكن التأقلم هنا ليس شجاعة، بل هو اسم مهذّب للخسارة حين تُترك بلا معنى. نخسر أرواحًا وبيوتًا، ونمشي بمصائر مجهولة، ثمّ يُطلب إلينا أن نبتلع الخوف بصمت، كأنّ الكلام رفاهيّة. ومع الوقت، حين تُترك التجربة بلا لغة مشتركة، لا تعود حدثًا له أسباب وفاعلون، بل تتحوّل إلى مناخٍ عام: نعتاد حالنا المشدود على حبل التوتّر، ونسمّي الحذر حكمة، ونسمّي الصبر فضيلة. لكن، في حقيقة الأمر فإنّ ما لا نقوله لا يموت، بل يتّخذ أشكالًا مختلفة فقط.
لغةٌ تختنق حيال عجز السرد
في كتابه “الجسد يتذكّر كلّ شيء”، لا يقرأ الدكتور والمعالج النفسيّ بيسيل فان دير كولك الصمت كفضيلة، إنّما كأثر على الفرد وعلى المجتمع. عندما تبلغ التجربة حدّ الاختناق، تتفكّك قدرة الإنسان على السرد، وتبقى الذكرى كصورٍ قصيرة وردود فعل مفاجئة. لذلك يبدو الناجي إنسانًا طبيعيًّا من الخارج، بينما داخله يعيش ما حدث بلا زمنٍ واضح. الصمت هنا ليس امتناعًا عن الكلام بقدر ما هو عجزٌ عن ترتيب ما حدث في سرديّة كاملة. مع الوقت، يتحوّل إلى أسلوب عيش يتواطأ معه المجتمع ونظام ما بعد الحرب الأهليّة.
في الثمانينيّات، ابتكر ناشطو الحملات الأولى للتوعية حول مرض الإيدز في الولايات المتّحدة الأميركيّة شعارًا مهمًا: “الصمت = الموت”. لا يتعلّق هذا الشعار بهذا المرض وحسب، بل بكلّ تجربة مؤلمة يُدفع بها إلى العتمة وتنساها الشمس. يؤكّد فان دير كولك هذا بقوله: “الشعور بأنّنا نُسمع ونُفهم يغيّر فيسيولوجيّتنا”. وفي العمق نفسه، يقول عالم النفس الإنجليزيّ جون بولبي: “ما لا يمكن قوله للآخرين، لا يمكن إخباره للذات”.
الإنكار كحارس يمنع الحكاية
كلّ محاولة لصنع سرديّة عن الحرب وما بعدها تصطدم بحاجزين: حالة عامّة من الإنكار بين ما حدث وبين ما يُقال، وخلف ذلك يقف الصمت، كحارسٍ يمنع الحكاية من الوصول إلى العلن. حين لا تتحوّل الخسارة إلى رواية عامّة قابلة للقول، تبقى بلا ملفّ وبلا ذاكرة مشتركة، وبلا مساءلة فعليّة عن قرار الحرب والسلم، عن ثمنه، وعمّن يدفعه.
الصمت يخفّف الكلفة السياسيّة لأيّ قرار، يجعل الألم شأنًا خاصًّا وفرديًّا داخل البيوت بدل أن يصبح سؤالًا في العلن، يقطع الخيوط بين التجارب، فيتحوّل كلّ بيتٍ في الجنوب وكأنّه يعيش حربه وحده. بدلًا من “نحن” يكون هناك “أنا”، وهذا ما تسعى إليه أحزاب ما بعد الحرب الأهلية. كلّ شخص يحمل قصّته وصدماته داخله، ويُدار الألم كشأن خاصّ لا كتجربة مشتركة.
لا لغة مشتركة نلتقي عليها، لذا يصبح اللقاء نفسه صعبًا، والنتيجة مجتمع مترابط ظاهريًّا، لكن كلّ فرد ينجو وحده، بلا شهادات مشتركة، بلا حكاية أو سرديّة، وبلا قدرة على تحويل الخسارة إلى معنى.
خروج من العزلة إلى اللغة
في كتابه “ما الذي يعنيه الذهاب إلى الحرب” يكتب كارل مارلانتس بما معناه، أنّ طريق التعافي يبدأ بتعلّم قول الحقيقة، حتّى حين تكون الحقيقة مؤلمة. ليس لأنّ الصراحة وسيلة للشفاء بحدّ ذاتها، بل لأنّ ما لا يُقال يبقى يعمل في الظلّ، ويحوّلنا إلى ناجين منفردين داخل غرف مغلقة.
والذي يكسر هذه الحلقة، في النهاية، هو التواصل الكامل كما يشير الدكتور بيسيل فان دير كولك في كتابه الآنف الذكر، أيّ أن تجد التجربة لغة تستطيع أن تحملها. التجربة القاسية أو الصدمة تعزل صاحبها، وتجعله يشعر أنّه وحده في ما جرى. لذلك يصبح العثور على الكلمات، في المكان الذي كانت فيه الكلمات غائبة، فعلًا إنقاذيًّا، أن تستطيع مشاركة ألمك العميق مع الآخرين، من دون تلطيفٍ أو إنكار.
يلمّح بيسيل فان دير كولك إلى هذا المعنى حين يشير إلى أنّ الشعور بأنّنا مسموعون ومفهومون يغيّر ما يحدث في داخلنا. عندها لا يختفي الماضي، لكنّه يعود إلى زمنه، ويترك للحاضر مساحةً كي يُعاش، إذ يقول: “الشعور بأنّنا نُسمع ونُفهم يغير فسيولوجيّتنا. القدرة على التعبير عن شعور معقد، والتعرّف على مشاعرنا، يضيء دماغنا الحوفيّ – الدماغ العاطفيّ – ويخلق لحظة إدراك للحقيقة”.
ربّما يبدأ التعافي حين نتوقّف عن انتظار أن “تنسى الشمسُ بابنا”، ونجرؤ على فتح الباب للكلمات، وأن نستعيد حقّنا في سرديّة كاملة، كلمة كلمة. كي لا تصبح أغنية هدى حدّاد “ينساني طريقي” قدرًا لنا كجنوبيّين، بل ليكون لنا في هذا العالم صوت بعيدًا من التخلّي الذي لطالما مارسته أحزاب ما بعد الحرب الأهليّة علينا.



