حكاية تشييد كنيسة “بيت شاما” والمصارعة الحرّة في بعلبك

لا شك في أنّ لكلّ كنيسة أو مسجد أو معلم دينيّ في لبنان حكاية ترافقت مع بنائه، بيد أنّ لكنيسة بيت شاما البلدة الوادعة في منطقة غرب بعلبك حكاية مميّزة لا تخلو من الطرافة، إذ لعبت الصدفة دورًا بارزًا في أن تنتصب الكنيسة التي أطلق عليها “كنيسة سيّدة النياح” وتتبع لطائفة الروم الأورثوذكس. وبالإضافة إلى تفرّدها في الحكاية، تتميّز الكنيسة كذلك بحجارتها الرومانيّة التاريخيّة ما يجعلها مختلفة عن بقيّة الكنائس في لبنان من حيث تاريخها وهندستها، وطريقة بنائها وظروف تشييدها التي تحكي قصّة أبناء البلدة المتنوّعة الطوائف والمجتمعات.
ادّعاء قبل البناء
يقول المؤرّخ بلال فرحات ابن بلدة بيت شاما، إنّ “تاريخ وجود كنيسة سيدة النياح يعود إلى العام 1814، وكان قد بُدىء العمل في بنائها العام 1813 واستمرّ سنةً كاملة”.
ويذكر فرحات لِـ “مناطق نت” عن “كتاب الوفاء” وهو مجموعة من القصص الشعبيّة المحلّيّة للمؤلّف والكاتب الراحل فوّاز ابراهيم فرحات عن تاريخ بناء الكنيسة قصّةً يتداولها أبناء البلدة المسلمون والمسيحيّون، مفادها أنّه لمّا قام الإخوة المسيحيّون في البلدة بوضع الحجر الأوّل لبناء الكنيسة، عارض الأمر أحد أبنائها الراحل الحاج علي فرحات، وقرّر الادّعاء على الخوري وهو من آل المعلوف لدى قائمقام بعلبك، كون البناء يجري من دون ترخيص رسميّ.
يضيف فرحات نقلًا عن “كتاب الوفاء” أنّ مسؤول “الجندرمة” التركيّ يومها، وبناءً على الشكوى منع الخوري من البناء إلى حين صدور حكم القاضي المتخصّص بذلك. وقد تقبّل الخوري الأمر برحابة صدرٍ كون قرار التوقيف لم يكن اعتباطيًّا، بل جاء نتيجةً لمخالفةٍ قانونيّة، والبتّ بالموضوع يعود إلى السلطات الرسميّة التي ستحكم بما يحفظ الحقّ وتطبيق القانون وفق الأصول والعدالة.

مصارعة أسقطت الدعوى
ولحضور جلسة التحقيقٍ في سراي بعلبك، ترافق المُدّعِي والمُدّعَى عليه سويًّا، للذهاب إلى مركز التحقيق، وركِبا فرسًا واحدةً غير آبهيْن بالشكوى بينهما وتوجّها إلى بعلبك، ولمّا وصلا إلى ساحة السّراي وجَدا حلقةً كبيرةً من الناس في داخلها مصارع أجنبيّ يتحدّى أهل بعلبك بالمصارعة، طارحًا أرضًا عددًا من البعلبكيّين ممّن نازلوه، رافعًا صوته بكلام التحدّي: “عَرَب، عَجَم، تُرك، جبل، سهل ساحل. من يبارز؟”.
أخذت الحميّة الحاج علي فرحات الذي انبرى له وقال: “أنا لك”، والتفت نحو الخوري وقال: “أمهلني خمس دقائق قبل الدخول إلى السراي”.
كان “الحاج علي” رجلًا قويّ البنية، يرتدي قمبازًا وسروالًا عربيًّا، ويلفّ حوله “الكمر”. ترجّل عن الفرس وتقدّم من المصارع. فدارت معركة تشادد وتدافع وعراك، ما أدّى إلى وقوع “الكمر” عن خصره فأسرع المصارع للدوْس عليه، لكنّ الخوري كان له بالمرصاد فسحب الكمر من تحت قدميه، وأعاد لفّه على خصر الحاج علي، الذي استطاع عندها إسقاط خصمه أرضًا. الأمر الذي أدهش المشاهدين ممّن راحوا يطلقون الزغاريد ابتهاجًا بـ “النصر” اللبنانيّ على الخصم الأجنبيّ. وهكذا، وبحسب كتاب الوفاء، انتصر التعاون المسيحيّ المسلم.
كان لِفَعل الخوريّ أثرًا كبيرًا لدى “المدّعي”، فقرّر للتوّ إسقاط الدعوى على بناء الكنيسة وقال للخوري: “أنت عملت معي شغلة كبيرة ولن أنسى جميلك؛ وسأسقط الدعوى وأكون العون الكبير والداعم والمساهم الأوّل في المال والمساعدة في تشييد صرح كنيسة سيّدة النياح في بلدتنا بيت شاما”. وبالفعل بدأ العمل في بناء الكنيسة بداية شهر أيّار من العام 1813.
أحجار الكنيسة من قلعة
ويقول المؤرّخ بلال فرحات إنّ قريبه “الحاج أبو علي” الذي كان من أغنياء المنطقة في ذلك التاريخ، طلب إلى أولاده وأقربائه الشروع بتأمين الأحجار الصخريّة للكنيسة من قلعة البلدة القديمة التي يعود تاريخ وجودها إلى العهد الرومانيّ. وكانت قد أصيبت أجزاء كبيرة منها بالسقوط وتبعثرت حجارتها ولم يعد بالإمكان إعادة بنائها هندسيًّا كما كانت.
لذلك جرت الاستعانة بحجارتها في بناء الكنيسة نظرًا إلى صلابتها ورونقها وشكلها الهندسيّ الجاهز للتركيب من دون تعديلٍ أو تغييرٍ في أشكالها.
كانت المسافة بين القلعة ومكان بناء الكنيسة نحو كيلومترٍ واحدٍ، ما استدعى وجود وسيلة نقلٍ لذلك، فكانت البغال الوسيلة الوحيدة في حينه، بالإضافة إلى وجود “الطنبر” وهو عبارة عن عربةٍ مصنوعةٍ من الخشب توضع فيها الحجارة ويجرّها بغل.
وبعد جهودٍ جبّارةٍ تكبّدها الأهالي في الوقت والتعب، انتهت عملية تأمين الحجارة، وبدأ العمل الذي استمرّ من دون توقّفٍ حتّى ارتفع صرح الكنيسة بكامل أوصافه في العام 1814.
شخصيّات تاريخيّة صلّت بالكنيسة
ويذكر فرحات أنّ الجنرال الفرنسيّ شارل ديغول، زار في العام 1941، سهل البقاع وكان من ضمن برنامجه الصلاة في “كنيسة سيّدة النياح”، إذ استقبله أهالي البلدة بحفاوة ووعدهم بترميم دور العبادة كلّها في البلدة . كذلك زار الكنيسة، المغترب اللبناني السياسيّ البارز بّاولو المعلوف الذي تولّى وزارة النقل ومركز حاكم ولاية سان باولو في البرازيل حيث أتى إليها زائرًا ومصلّيًا نظرًا إلى رمزيّتها التاريخيّة والمكانيّة.
ويختم المؤرّخ المهندس بلال فرحات حديثه عن كنيسة “سيدة النياح الأورثوذكسيّة” في بلدته بأنّ “هذا المعلم التاريخيّ والصرح الدينيّ لم يزل قائمًا بشموخه الهندسيّ والمعماريّ، على رغم الظروف والأحداث القاسية التي مرّ بها لبنان، كمصداقٍ على التآخي المجتمعيّ والإنسانيّ، بين مختلف طوائف الوطن بعامّة وبلدتنا على وجه الخصوص، إذ إنّ صوت جرسها يصدح إلى جانب صوت الآذان، فيوحّدان ما بين أبناء البلدة.”



